|
|
06/08/2007 |
|
|
|
«هارد توك» أم «كلام نواعم»؟!
بقلم: مأمون فندياقتربت ساعة انطلاق فضائية الـ«بي بي سي» العربية. والسؤال هو: ما الذي يمكن أن تضيفه هذه المحطة إلى المشاهد العربي في جو يسيطر عليه التشابه لا الاختلاف؟ محطة الـ«بي بي سي» العربية ستكون آخر فضائية ناطقة باللغة العربية للدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، باستثناء الصين المنشغلة بتوسيع مجالها التجاري، أي بكسب العقود لا العقول.ليس لدي شك بأن القائمين على إعداد هذه المحطة الجديدة وإدارتها يعلمون أننا اليوم في حقبة «فضائية لكل مواطن»، وفي عصر «كل واحد وابن عمه بيحوشوا عشان يعملوا فضائية»، إذ أصبحت القنوات الفضائية الجديدة، مثل الموبايلات، كل يتسابق لاقتناء موبايل جديد، لكن يبقى الكلام المتناقل بين هذه الموبايلات هو نفس الكلام، تسريع في عولمة التخلف، وإن اختلفت الرنات وتنوعت الأغطية.السجن في الرأسما يجب أن ينتبه إليه القائمون على فضائية الـ «بي بي سي» الجديدة، هو الكادر الإعلامي للمحطة. فبرنامج «الهارد توك» Hard Talk المتألق لم ينجح فقط لأنه يتمتع بقوانين حرية الصحافة في بريطانيا ولأنه معد جيدا، بل هو ناجح لأنه يعتمد أيضا على مساحة الحرية الداخلية لمعد ومقدم البرنامج، حرية لا تخشى الاقتراب من أي موضوع أو تساؤل قد يهم المشاهد.. ولكي تنجح فضائية الـ«بي بي سي» العربية لا يكفيها أنها مقامة على الأرض البريطانية وتتمتع بذات الحقوق الصحافية التي تتمتع بها الـ«بي بي سي» البريطانية، ولا يكفيها أيضا أنها وظفت أشخاصا موهوبين بمهارات إعلامية جيدة، إنها تحتاج لأن تدرك بأن مساحة الحرية الداخلية لدى الإعلامي تلعب الدور الأهم فيما ينتجه.. قد يظن البعض أن حرية المكان وحدها تكفي لكي تطلق سراح عقل صحافي قادم من مناطقنا، هذا كلام ينافي الواقع. فالعرب في بريطانيا وأميركا وفرنسا يفرون من بلدانهم بسجونهم وسجانيهم، ذلك لأن السجن يبدأ في المكان ولكنه ينتهي في رأس الإنسان.ألم يذهب الأوائل ممن تدربوا في الـ«بي بي سي» إلى واحدة من الفضائيات العربية؟ ماذا قدموا لنا سوى إعلام «عراك الديكة»؟ أو ليس معظم القادمين اليوم إلى الـ«بي بي سي» العربية هم قادمون من الإعلام التلفزيوني العربي؟ مهمة الـ«بي بي سي» الأولى في نظري، هي منح صحافييها عاما تدريبيا كاملا على الأقل لتحريرهم من سجونهم وسجانيهم وشياطينهم الداخلية. المطلوب هو إعلام الـ«بي بي سي»، لا نظريات المؤامرة أو عنتريات «إدجور رود»، حيث تتجمع الجالية العربية بسجونها وسجانيها.في قصة دون داليلو (العداء)، يحكي القاص عن رجل يمارس رياضة الجري قبل الغروب، وما إن يصل إلى بداية المتنزه حتى يستدير عائدا لأن هناك لافتة تقول إن المتنزه مغلق عند غروب الشمس، ورغم عدم وجود أبواب أو سياج حول المتنزه، إلا أن الرجل كان يستدير ولا يدخله، السياج والأبواب كانا في رأسه فقط!فضيحة أطفال الإيدزلقد سقطت كل الفضائيات العربية، تقريبا، في تحد صحافي هو قضية «أطفال الايدز» في لييبا. قضية تصل إلى مستوى الفضيحة على الصعيد الإنساني لا العربي فقط، وهي تعتبر مادة دسمة جدا لصحافة جادة.. منذ البداية كانت هناك أسئلة منطقية بديهية لم تطرحها الصحافة العربية: من أين أتى الدم الملوث؟ ومن أتى به؟ وإن كان ضمن صفقة فما هو حجم العمولة المالية، ومن هم المتورطون؟ من هو مدير المشفى؟ من هم أطباء المشفى وباقي عمال الوحدات الصحية؟ وإذا كانت الرواية، كما قالها الفرنسيون، بأن المشفى يفتقر إلى قواعد النظافة والتعقيم، فماذا عن أمراض أخرى قد يكون تسبب بها هذا المشفى لبشر آخرين؟.. نحن لم نسمع سوى عن الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني والقضاء الليبي.. سمعنا الكثير حول القصة بعنوانها الكبير، ولكن لم يعرف أحدنا التفاصيل. وحتى عندما جاءت القصة على طبق من ذهب وليس من فضة، بتصريح سيف الإسلام، نجل العقيد معمر القذافي، للصحافة الغربية بأن القضية كلها كانت فبركة ليبية، لم يحاول الاعلام العربي حتى أن يتقصى حقيقة هذه القصة ـ الفضيحة. وهنا أتساءل، هل يمكن لفضائية الـ«بي بي سي» العربية أن تفتح لنا ملفا حساسا كهذا، فمحطة راديو الـ«بي بي سي» العربية (أوردها هنا كمؤشر) لم تدخل في عمق هذا الملف! هل ستنجح فضائية الـ«بي بي سي» في تناول القضايا الشائكة على طريقة صحافة الاستقصاء، أم أنها ستتعامل معها على أنها «مؤامرة غربية» لتقويض النظام الليبي؟.. قصة مختلقة كما قال سيف الإسلام، ولكن الإعلام العربي ما زال يصدقها.هارد توك أم كلام نواعم؟!ما الذي نتوقعه كمشاهدين عرب من محطة الإمبراطورية البريطانية، التي تأنت وتمهلت في الظهور؟ إن ما يمكننا الوثوق به مبدئيا من خلال تجربتنا مع إذاعة الـ«بي بي سي» العربية، هو الدقة والحياد في نقل الخبر والمعلومة.. إذن، في ظل هذه الثقة التي أسست لها محطة راديو الـ«بي بي سي» العربية، سنكون مطمئنين إلى مصداقية نشرات الأخبار التي سنسمعها ونشاهدها على شاشة «بي بي سي» الفضائية. ولكن ماذا عن البرامج الحوارية، وماذا عن المحللين السياسيين الذين ستستضيفهم المحطة؟بصراحة، أتساءل كمشاهد عربي: هل ستقدم فضائية الـ«بي بي سي» العربية برامج حوارية تقترب من جدية وتألق برنامج «هارد توك» الشهير، أم ستقدم برامج حوارية كالتي تملأ شاشات الفضائيات العربية، حوارات تلامس الموضوعات ولا تقترب من جوهرها، وتفتقر إلى الإعداد الجيد المدعم بالمعلومات الموثقة وإلى المحاور المحترف؟ وهل ستقدم لنا وجوه المحللين السياسيين أنفسهم الذين لكثرة استضافتهم في المحطات العربية أصبحنا أمام قناعتين، إما أنهم الوحيدون العارفون ببواطن وخفايا الأمور في هذا العالم، أو أنهم موظفون دائمون في هذه القنوات!على المستوى الشخصي، أعرف خمسة من المحللين الذين تستضيفهم إحدى المحطات العربية من واشنطن بألقاب أكاديمية لامعة، وهم في حقيقة الأمر موظفون عاديون في سفارتين عربيتين في واشنطن. نتمنى أن تتأكد الـ«بي بي سي» العربية من الدرجات والألقاب العلمية لمحلليها السياسيين كخطوة أولية لبناء الثقة مع مشاهديها، وكخطوة أساسية للاقتراب من جدية برنامج «هارد توك» بدلا من الدخول في هلامية «كلام نواعم». والتقاطع هنا مع برنامج الـ«إم بي سي» جاء مصادفة، فالمقصود هو التضاد اللغوي لعبارة «هارد توك».النقد والمنع«اللهم اجعل كلامنا خفيفا عليهم»... فتجربتي السابقة في نقد الفضائيات العربية تدفعني إلى هذا التوجس.. انتقدت قناة «الحرة» الأميركية، رغم ما يرميني به البعض بأننى أدافع عن الأمريكان. وانتقدت قناة «الجزيرة»، وانتقدت قناة «العربية» في مقال في جريدة «الشرق الأوسط». الفكرة هنا ليس الشخصي، وإنما غياب النقد الإعلامي في العالم العربي، ذلك لأن القائمين على هذه القنوات لديهم أدواتهم لعقاب منتقديهم، ومنها أداة المنع أو المنح على الشاشة. موت نقد الإعلام العربي اليوم ليس عائدا لكون المشاهد ليس له رأي، أو لأن الناقد الإعلامي قد جف مداده، وإنما لأن هناك خوفا مسيطرا يمنع النقاد من الاقتراب من تلك المساحات التي تؤثر على شهرتهم وعلى جيوبهم.. وحتى لا أكون ظالما، أذكر هنا بأنني ذات مرة سألت رئيس تحرير واحدة من الفضائيات، هل أنا ممنوع من الظهور في فضائيتكم؟ قال: فعلا كنت ممنوعا في فترة ما إلا أن المنع انتهى، ولكن يبدو أن القرار لم يصل الموظف الذي يتصل بالضيوف!أمام فضائية الـ «بي بي سي» العربية فرصة نادرة لرفع سقف الصحافة العربية التلفزيونية إلى مستوى أفضل. الصحافة التلفزيونية جديدة على العالم العربي، وهناك مساحات واسعة للتعليم والتعلم. فهل ترتفع الـ«بي بي سي» العربية الى مستوى التحدي، أم ستكون موبايلا جديدا برنة مختلفة لكنه ينقل ذات الكلام ويمنح منبرا آخر لذات الوجوه؟!عن صحيفة الشرق الأوسط |
|