29/12/2007
 

بي نظير بوتو ضحية العسكر والأصوليين
(اذاعة هولندا العالمية)

 
 

شيع اليوم الجمعة جثمان رئيسة وزراء باكستان السابقة، وزعيمة حزب الشعب بي نظير بوتو في مسقط رأسها في لاركانا، بإقليم السند، حيث دفنت إلى جوار والدها ذو الفقار علي بوتو، رئيس وزراء باكستان، ورئيس الدولة قبل أن ينقلب عليه الجنرال ضياء الحق، ويعدمه شنقا عام 1979، وإلى جوار شقيقيها مرتضى وشهنواز. الأول قتل في مواجهة مع الشرطة في كاراتشي عام 1996، بينما كانت بي نظير رئيسة للوزراء، فيما قتل الثاني في ظروف غامضة، ألقت بظلها على حزب الشعب الباكستاني حيث اتهم زوجها بأن له يدا في اغتيال صهريه. وكانت بوتو قد اغتيلت يوم أمس الخميس بطلقتين من قناص اخترقت الأولى حنجرتها، بينما استقرت الثانية في الناحية اليمنى من رأسها، قبل أن يفجر الانتحاري نفسه، ويقتل معه عشرين شخصا، بينما كانت بوتو تلوح بيديها من نافذة السيارة للجماهير التي احتشدت لتحيتها إثناء مهرجان انتخابي. وكانت بوتو قد نجت من محاولة اغتيال فاشلة في كراتشي بعد عودتها من المنفى، حيث قتل في التفجير الانتحاري حوالي 130 شخصا، وتبنى تنظيم القاعدة والمنظمات الأصولية المتطرفة المحلية المسئولية على الهجومين. وكانت أحداث شغب قد رافقت الجنازة الحاشدة، مما أدى إلى مقتل 16 شخصا بينهم 3 من رجال الشرطة، بالرغم من نشر حوالي 16 ألف جندي من القوات الخاصة في إقليم السند.
 
تشاء الأقدار أن تموت بي نظير بوتو في راولبندي وهي نفس المدينة التي أعدم فيها والدها، والتي تعتبر مقرا لقيادة الجيش الباكستاني، والقوات التي تنفذ الانقلابات العسكرية عادة. وكانت بي نظير بوتو قد نشرت كتابا عن سيرتها الذاتية بعنوان "ابنة القدر". حيث ولدت عام 1953، ودرست في جامعتي هارفارد الأمريكية، وأكسفورد البريطانية، وتم انتخابها عام 1976 كأول آسيوية تترأس إتحاد الطلبة في جامعة أكسفورد.
 
آل غاندي وآل بوتو
 
تشبه سيرة عائلة بوتو عائلة نهرو التي جاء منها أكثر رؤساء حكومات الهند شعبية، والذين تعرضوا لمآسي شبيهة بتلك التي تعرض لها آل بوتو. إذ قتل حراس من طائفة السيخ رئيسة الوزراء أنديرا غاندي، بينما فجرت امرأة من التاميل نفسها في وجه رئيس الوزراء راجيف غاندي. تتشابه العائلتان في موقعهما المركزي من السياسة في بلديهما، بينما تختلفان وفقا لظروف البلدين، حيث لم تشهد الهند أي انقلاب عسكري، بينما شهدت باكستان أربعة انقلابات، آخرها انقلاب الجنرال برويز مشرف عام 1999.
 
ابنة القدر
 
أقحمت بي نظير بوتو في عالم السياسة قبل أن تنهي استعداداتها لهذه المسئولية، ويبدو أن شخصيتها العنيدة، بالإضافة إلى تأثير شخصية والدها الكرزمية لعبت دورا مهما لإعدادها لذلك، ولكنها خضعت لإقامة الجبرية بعد إعدام والدها، وتمكنت فيما بعد من الخروج من البلد، ولم تعد إلا في عام 1986، ومنذ بداية وعيها السياسي انتبهت بي نظير بوتو إلى حقيقة أهمية دور القوات المسلحة في سياسة بلادها، وهو الدور الذي أخذ في التعاظم منذ انقلاب الجنرال أيوب خان عام 1958، بالرغم من أن الجيش لم يلعب أي دور في استقلال دولة باكستان التي انشقت عن الهند عام 1947.
 
أما الحقيقة الثانية التي انتبهت لها بوتو فهي الدور المتعاظم للجماعات الإسلامية في باكستان، حيث أسست باكستان باعتبارها دولة إسلامية، قبل عام واحد من ظهور إسرائيل كدولة يهودية، ولعل والدها قد دفع ثمن جرأته على العسكر والإسلاميين، اللذين تحالفا ضده، وخاصة وانه كان يرفع شعارات اشتراكية شعبوية، في زمن الحرب الباردة، والعداء الشديد للهند المحسوبة على الاتحاد السوفيتي. ربما لذلك جاء الجنرال ضياء الحق ليصبح أول عسكري معمم في تاريخ البلاد، والذي ساعد المنظمات الإسلامية على الانتشار في البلاد كجزء من الاستراتيجية المناهضة للاتحاد السوفيتي، وخاصة بعد غزوه للجارة أفغانستان.
 
ضغوط المؤسسة العسكرية
 
نجحت بي نظير بوتو في انتخابات عام 1988 بأغلبية ساحقة، لتصبح أول امرأة تحكم بلدا إسلاميا في التاريخ الحديث، وشكلت الحكومة دون مشاكل تذكر، سوى في إصرار المؤسسة العسكرية على ترشيح غلام إسحاق خان لمنصب الرئيس، الذي كانت صلاحياته واسعة بما في ذلك طرد رئيس الوزراء من منصبه، وهذا بالضبط ما حدث معها عام 1990، عندما اتهمها الرئيس بالفساد وعدم الكفاءة.
 
انتخبت بوتو مرة أخرى في عام 1993 لكنها منيت بهزيمة كاسحة في انتخابات عام 1997 أمام حزب نواز شريف "عصبة باكستان الإسلامية"، حيث تمكن شريف من إلغاء الصلاحيات التي كان يتمتع بها رئيس الجمهورية، ومن ضمنها طرد رؤساء الوزارات.
 
أم طالبان
 
في ولايتها الثانية حاولت بوتو أن تنسق مع المؤسسة العسكرية، التي دائما تأتي منها المفاجآت، وهي الولاية التي أشرفت فيها الاستخبارات العسكرية الباكستانية على تنظيم حركة طالبان، وكان هدفها إنهاء الحرب الأهلية بين المجاهدين، وأمراء الحرب في أفغانستان، ومنع انتشار الأخطار وخاصة في المنطقة الحدودية التي تسيطر عليها القبائل، ولا وجود للدولة بها، حتى سميت بي نظير بوتو ب"أم طالبان"، ولكنها حافظت دائما على شخصيتها الليبرالية، حتى وهي ترى بلادها تتحول تحت مضاعفات "الحرب على الإرهاب" إلى بلد يسيطر عليها الأصوليون.
 
في عام 1998 وجهت ضدها وزوجها اتهامات بغسل الأموال في البنوك السويسرية، قبل أن تدينها محكمة في راولبندي عام 1999 بتهمة الفساد، وتحكم عليها غيابيا بالسجن لمدة خمس سنوات، ومنعها من العمل العام.
 
عادت بي نظير بوتو إلى بلادها في 18 أكتوبر الماضي بعد صفقة عقدتها مع الجنرال مشرف، وكانت التوقعات تؤكد نجاحها في الانتخابات التي ستجرى في يناير القادم، ولكن ما فشلت فيه القنبلتان اللتان استقبلتها يوم عودتها، نجح في استكمالها المسلح الانتحاري الذي أرداها قتيلة.
 
امرأة تزاحم الجنرالات
 
سيتذكر التاريخ شخصية بوتو الحيوية. المرأة الجميلة التي تزاحم الجنرالات على قمة السلطة في بلادها، وتزاحم الأصوليين بأفكارها الليبرالية، وشجاعتها المميزة وهي تعود إلى عش الدبابير الذي يكتظ بالمتطرفين، وقد يتمكن ابنها البالغ 19 عاما من حمل أرث آل بوتو على كاهله، وربما سيتعرض إلى مزاحمة من أبن مرتضى بوتو شقيق بي نظير الذي قتل وهو يواجه الشرطة عام 1996، وقد يتعرض حزب الشعب الذي أسسه ذو الفقار علي بوتو عام 1967 إلى انقسام شديد، ولكن بالتأكيد فإن اختفاء بي نظير المفاجئ من الساحة السياسية الباكستانية، يجعل تعويضها أمرا صعبا، وقد تؤجل الانتخابات المزمع إجراؤها في يناير القادم، حتى يتسنى لحزب الشعب إعادة تنظيم نفسه، وقد تتمكن بي نظير وهي ميتة من الانتصار على الجنرال مشرف، وعلى كل المؤسسة العسكرية، التي جاء انقلابها الأخير عام 1999 بمثابة الكارثة على البلد الذي يعاني من انقسام حاد لم يشهده من قبل، وقد يؤدي مقتل بوتو إلى تقويض جهود محاربة تنظيم القاعدة وطالبان في أفغانستان، وعلى الحدود في وزير ستان. قبل اغتيال بوتو تم اغتيال الدستور الباكستاني وإعادة تفصيله على الجنرال مشرف، الذي رفض نزع بدلته العسكرية حتى يتأكد من انه الرئيس الجديد، ولو تطلب ذلك طرد قضاة المحكمة العليا، وتعيين قضاة آخرين يجيدون البصم على أي شيء.
 
عن موقع (إذاعة هولندا العالمية) - 28/12/2007
 


 


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

تعليقات القراء:

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com