29/07/2006

 
 
 
 
ما بعد بعد الوحشية
 
عن صحيفة الحياة اللندنية - 29 يوليو 2006
 
عبدالوهاب بدرخان


مارست الولايات المتحدة نوعها الفريد من الإرهاب السياسي لتفهم اللبنانيين بأن الربط بين الوضعين اللبناني والفلسطيني محظور تماماً، سواء في ما يتعلق بتبادل الأسرى أو بالمخارج السياسية من الأزمة. وتشارك الأميركيون والإسرائيليون في فرض الإرهاب نفسه على الفلسطينيين لئلا يحاولوا مثل ذلك الربط. وفيما أعلن الرئيس الفلسطيني صراحة رفضه للربط بين الأزمتين وحلولهما، صدرت عن الجانب اللبناني تلميحاً أو تصريحاً مواقف تستبعد الربط ولا تحبذه، أقله من قبيل تسهيل الحلول.

لكن ما يحرمه الأميركيون والإسرائيليون على الآخرين يحللونه لأنفسهم، إذ أنهم يربطون ربطاً تاماً بين الأزمتين، وإلا فما الذي حال حتى الآن دون إقرار التبادل لإطلاق الأسير الإسرائيلي في غزة والافراج عن الوزراء والنواب وعدد من الأسرى الفلسطينيين الآخرين؟ وما الذي يحول دون بلورة خطة تهدئة للتعامل على نحو مختلف مع الوضع الفلسطيني؟ الجواب هو أن الأميركيين والإسرائيليين لا يريدون الايحاء بأي «تنازل» فلسطينياً لئلا يضطروا لـ «تنازل» مشابه لبنانياً. وهكذا فهم يربطون بين الوضعين محاولين الاستفادة من هذا على حساب ذاك، وبالعكس، مدركين أن الارتباط موجود شاؤوا أم أبوا.

لم نشهد في الأزمة الراهنة جدلاً مشابهاً لذلك الذي دار بحدّة عام 1990 على خلفية الغزو العراقي للكويت، وبعدما اشترط صدام حسين انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة في مقابل الانسحاب العراقي من الكويت. وقتذاك قاوم الأميركيون بضراوة هذا الربط، وكان موقفهم واقعياً بمقدار ما كانت مساومة صدام غير عملية. مع ذلك كان جورج بوش الأب هو من بادر الى «الربط» حين طرح ما عرف بـ «عملية السلام» التي تجسدت بمؤتمر مدريد والمفاوضات التي أعقبته وكانت تكريساً عربياً رسمياً لدفن خيار الحرب ضد اسرائيل. ويبدو أن ادارة الرئيس الابن شاءت تقليد إدارة الرئيس الأب فوجدت ان لا سياسة لديها ولا مبادرة ولا أفكارَ، لذا استخرجت شعار «الشرق الأوسط الجديد» لتغطية دعمها لاستمرار القتل الاسرائيلي للمدنيين اللبنانيين، ولاستمرار التدمير الاسرائيلي للبيوت والمرافق.

لا يعني ذلك سوى أن حاخامات ادارة جورج دبليو يعرفون تماماً ما المطلوب، لكنهم يريدون ادامة سياسة الهروب من الحلول وتهريبها. فأي حلول تفرض مسؤوليات والتزامات، وتتطلب في الحد الأدنى عودة الى نهج التفاوض، وهذا ما يتفاداه الأميركيون والاسرائيليون معتبرين ان لديهم ما يكسبونه من مواصلة اعتبار ما يجري مجرد فصول أخرى في الحرب على الارهاب. صحيح ان الانحياز لاسرائيل وتبني جرائمها كان ولا يزال من ثوابت السياسة الأميركية، إلا أن هذه الادارة تميزت بأن لا سياسة لها إلا المراهنة على القوة النارية والترسانة العسكرية والقدرة على الوحشية لدى اسرائيل. ويعيش جورج دبليو بوش وزمرته الآن ساعات حاسمة، فهم موعودون بأن الوحشية الاسرائيلية على أهبة القيام بأفظع عروضها وأقذرها. فهي الوحيدة القادرة على انقاذهم من المأزق السياسي الذي برزت معالمه في مؤتمر روما.

صدقوا أو لا تصدقوا: بوش «قلق» إزاء حجم الدمار، لكنه لا يتردد في التمديد للحرب، راغباً في مزيد من القلق إزاء مزيد من الدمار، حتى أنه يبرر ذلك برفضه «السلام الخادع». ها هو يستعير بل يسرق المصطلح العربي في وصف السلام الذي روجت له اميركا ثم صادرته وحولته لمصلحة اسرائيل، واسرائيل وحدها. هذا رئيس بلا قلب، بلا ضمير، بلا أي ايحاء رباني (كما ادعى مراراً) بوجوب العمل من أجل السلام. هذا رئيس يشرف يومياً، بدم بارد وبرأس أجوف، على عد الأطفال القتلى في لبنان وفلسطين، معتقداً انه يقضي بذلك على الارهاب الذي صنعته بلاده بتصور وتصميم مسبقين، وإذا به يدشن الارهاب الآتي. لعله اطمأن أمس بعدما سمع ان الطائرات الاسرائيلية لم تفوّت فرصة الانقضاض على عائلة جديدة وهي تحاول النزوح من الجنوب. فالمعدل هو مجزرة كل يوم. وفقاً للقاعدة التي سنها كبير مجرمي الحرب ارييل شارون.

في الأيام المقبلة، لن تكتفي اسرائيل بالوحشية، ستذهب الى ما بعد بعد الوحشية لتتقدم بضعة أمتار على الأرض. لكنها وحليفتها اميركا بوش قد تذهبان أبعد لادخال سورية في أتون الحرب... أو في مسار الحلول.
 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com