21/06/2006

      


 
من وحي الانكسار الكروي في 14 جوان

 

 
الحبيب أبو وليد المكني 
 
تابعنا جميعا مقابلة كرة القدم التي جمعت بين الفريقين التونسي و السعودي ضمن مباريات الدورة الأولى لمونديال ألمانيا 2006 . كنا كتونسيين نعتقد أن فريقنا قادر على أن يقدم مقابلة كروية ترقى إلى مستوى الحدث العالمي و تهدي للجماهير الحاضرة في واحد من أحدث ملاعب العالم بمونيح فرجة عربية ممتعة تذكرهم بفضل العرب و المسلمين على الحضارة الإنسانية ، لأننا نعلم أن مباريات كأس العالم لكرة القدم أضحت مناسبة ناذرة للتعارف بين الشعوب و إبراز مواهبهم و إثبات قدراتهم وبالتالي فليس صدفة أن الشعوب التي حققت نهضتها لاقتصادية و العلمية هي التي تؤهل الفرق الرياضية التي تتنافس على الأدوار النهائية وما مثال كوريا الجنوبية عنا ببعيد .
 
كنا كتونسيين نريد أن ينتصر الفريق التونسي حتى تتوفر له الحظوظ لمتابعة مشاركته دون أن يكون ذلك على حساب الفريق السعودي الشقيق الذي كنا نتمنى أن يقدم مقابلة جيدة ترفعه إلى درجة الامتياز ، ولو قدر أن انتصر السعوديون بعد تقديم مقابلة ممتازة ما كان ذلك ليحز في نفوسنا بل كنا سنشجعه على المضي قدما ، لأننا في الأصل لم نكن راضين على نتائج القرعة التي جعلت الفريقين العربيين يتقابلان في أول دورة ليحقق أحدهما ذاته على حساب الفريق الشقيق ، و ما دام الأمر ليس باختيارنا فقد تعلقت همما فقط بمستوى كرة القدم العربية التي ارتجينا أن يكون مشرفا فيرفع رؤوسنا في بلد يمثل أحد أقطاب هذه اللعبة
 
ولما اصطف اللاعبون العرب عند أداء النشيدين الوطنيين ـ رأينا أنوفا مرتفعة و رؤوسا مشرئبة و هامات عالية ، شاهدنا أحفاد حنبعل و موسى بن نصير و طارق ابن زياد القادة العظام الذي دوخوا بغاراتهم دول أوروبا الجنوبية و رأينا أحفاد هارون الرشيد الذين يقفون على أرض شرلمان ليذكروهم بقصة الساعة التي أهداها خليفة المسلمين على ملك الإفرنج . و قبل ذلك أوحى لنا المشهد بأن هؤلاء يمثلون أحفاد الرسول الأكرم و أجيال الفاتحين الذين أسسوا لحضارة شامخة في العصور الوسطى . كل هذه المشاعر و الأحاسيس وما هو أكبر منها كانت تتأجج في صدورنا و تملأ قلوبنا فنرفع رؤوسنا عاليا ليراها الآلاف المؤلفة الذين حضروا لمتابعة هذا العرس الكروي العربي و يشهدوا على مهارتنا في اكثر الرياضات شعبية في العالم .
 
و بدأت المقابلة ، و بدا تعطيل الكرة و تتابعت مشاهد اللاعبين المتساقطين على الأرض ، و تعدد بكثافة عالية مرأى الكرة وهي تأخذ طريقها خارج الميدان و معها يتباطأ نسق اللعب . ويتجمع اللاعبون على الكرة ، كل يريد لمسها و لكنه يخطئ الركلة و يصيب بها منافسه ... فيقلق المشاهد العربي على المستوى الرديء الذي ظهر به ممثلو الكرة العربية و يشعر المتفرج الأجنبي أنه قد أساء الاختيار بحضوره اليوم إلى الملعب و يندم على دفعه ثمن التذكرة الذي كان يجدر به أن يذهب ليغطي مصاريف أخرى ، و لا يجد المعلقون الرياضيون ما يقولونه عن المقابلة إلا كونها من أسوء ما شاهدوه في هذه الدورة لحد الآن بل لعلها أسوء مقابلة دولية على الإطلاق ، رغم الأهداف الأربعة التي سجلت و رغما عن الاستفاقة التي سجلها الفريق السعودي في الشوط الثاني ، و حتى الذين تابعوا المقابلة من خلال شاشات التلفزة لم يجدوا ما يقولونه إلا انهم تابعوا ما يمكن أن يذهب مثلا في الرداءة ... تلك هي المقابلة التي أردناها فرصة للاعتزاز فكانت شيئا آخر اقرب إلى الانكسار ...
 
لم نجد تفسيرا لما حدث ، لم ندرك السبب الذي جعل لاعبينا يقدمون هذه الصورة الرديئة عن كرة القدم التونسية ، المدرب الفرنسي نفسه الذي أحرز على ألقاب بطل العالم و بطل أوروبا و بطل إفريقيا لم يفهم السبب . عجب و الله . لقدت تعلقت هممنا بانتصار سهل و فرصة لابراز مواهبنا فإذا بنا اليوم نخشى على مشاعرنا من سماع التعليقات الساخرة و الكلمات الجارحة .

و عندما يعجز الخبراء و المحللون الرياضيون و المسؤولون الوزاريون عن تقديم أسباب مقنعة تخص اللاعبون و درجة احترافهم و ظروف التدريب و كانت جيدة و الاستعدادات المسبقة و كانت في مستوى الحدث .و ظروف المقابلة وكانت في احسن الملاعب و أجملها ،وحجم المشجعين و كان كبيرا ، ... لما نعجز عن فهم الأسباب بمسبباتها المنطقية و العقلية فلا بد أن نبحث كمسلين في الأسباب الغيبية ، فنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب .و نزنها قل أن توزن ...
 
و عندما فعلنا ذلك وجدنا الآتي :
 
- احتفلنا بالذكرى الخمسين للاستقلال و طائفة منا تعاني ويلات السجون و سياسة المحاصرة و الإذلال و القهر ومعاناة الغربة و التشريد و الضياع و حكومتنا تصر على أن ليس في الإمكان أحسن ما كان وأن خيارها التدميري في حق جزء من التونسيين هو الأحسن والأصوب و الأمثل ؟؟؟.
 
- نهض قسم آخر يرفض الخضوع و يقبل بالجوع في سبيل أن يلفت الانتباه إلى حجم المعاناة التي يلقاه التونسي الذي يريد أن يشارك في اتخاذ القرار في بلاده أو على الأقل يعبر عن رأيه بحرية في زمن الحريات و حقوق الإنسان فكانت الإجابة مزيدا من الحصار و التعسف و التسويف و الكذب والبهتان.
- حاول جهاز القضاء أن يعبر عن حقه في العمل من أجل توفير ظروف استقلالية المحاكم فكان نصيبهم التعسف و التدجين .
 
- أراد المحامون أن يعبروا عن رفضهم لسياسة الإلحاق والترويض و الاحتواء ، فكان الرد دعايات مغرضة و حملات تشويه و استعراض للعضلات لم يفرق بين نسائهم ورجالهم .
 
- حاولت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إنجاز مؤتمرها لاستعادة دورها في زمن تنتهك فيه الحقوق دون حسيب أو رقيب . فأعلنت حالة الطوارئ و عرف المواطنون عن قرب كيف تكون الحواجز التي يسمعون عنها في العراق وفلسطين .
 
- و قبل الختام جاء حرمان قسم على الأقل من الطلبات المتحجبات من إجراء الامتحان السنوي في خطوة حقيرة و جبانة لأنها تستهدف الضعيف و لا تتورع عن قهر فتيات لا علاقة لهن بما يجري من تدافع سياسي.
 
- أما الختام فكان أعظم الكبائر وهو تدنيس القرآن الكريم بركله برجل آثمة على مرأى و مسمع من بعض الناس وبشهادة فتى طاهر لم يبلغ من العمر إلا العشرين و لم يقترف جرما إلا انه عبر عن رأي في الدين أو همس بأمل يراوده في العمل من أجر نصرة الإسلام و جهاد أعدائه . فكان نصيبه مواجهة آلة التدمير و القهر أكبر إنجازات العهد الجديد ، و عندما أعلن شيخ المناضلين علي بن سالم عن الخبر وهو ابن الخمس و السبعين أتهم بالكذب و الترويج للأخبار الزائفة و سال الحبر أنهارا للتشكيك في نزاهته و تبرئة المجرمين و الجلادين من أمثال عماد العجمي و أسياده .

لقد جاءت الدول لمونديال ألمانيا بإنجازاتها الحضارية العملاقة مثل كوريا الجنوبية ، و جاءت حكومتنا وهي حامية لمن دنس القرآن الكريم و مروجة للأكاذيب في حق المدافعين عنه ، جاءت تريد أن تروج لصورتها بين شعوب العالم وظنت أنها قد وفرت كل الشروط الرياضية و لكن الله عز وجل أراد شيئا آخر لحكمة نرجو أن يعيها جيدا الظلمة والطغاة.
 
لاشك أن البعض سيعترض عن الربط بين مقابلة في كرة القدم و علم الغيب ، ونحن نعطيه حق الاعتراض بشرط أن يفسر لنا بطريقة أخرى أسباب ما حدث .

نشر بالوسط التونسية 18 جوان 2006
http://www.tunisalwasat.info
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com