10/11/2007
 

في غموض اجتماع الخريف: مؤتمر (أمريكي!) برعاية دولية،
أم مؤتمر (دولي!) بوصاية أمريكية؟!
 

بقلم: د.أيوب عثمان


 
بعد زيارات متعددة ومتلاحقة لوزيرة الخارجية الأمريكية، كونداليزا رايس، إلى منطقتنا، بغية الإعداد الجيد –كما يقولون– لما بدأوا يتحولون الآن إلى وصفه من جديد بأنه "مؤتمر دولي للسلام"، فإننا لا نجد أي شيء، حتى اللحظة، قد تم، إلا الإعلان عن أن المكان الذي سيعقد فيه (المؤتمر!) هو مدينة "أنابوليس" الأمريكية التي صار اسمها مرتبطاً بالمؤتمر. أما الصورة العامة لـ "مؤتمر أنابوليس" الذي لم يتبقَ لعقده – طبقاً لآخر المواعيد غير النهائية المعطاة – سوى ثمانية عشر يوماً، فإنها ما تزال قيد التخيل وسط ما يكتنفها من غموض يبرز حيناً ويتلاشى أحياناً! فما زال الجميع يذكر كيف أعلن الرئيس بوش قبل أكثر من ثلاثة أشهر ونصف، وتحديداً في 16/7/2007، عن اعتزامه عقد "مؤتمر دولي" لإحياء مسار السلام العربي الإسرائيلي، وما زال الجميع يذكر كيف أخذ إعلان الرئيس بوش عن هذا (المؤتمر!) يستقطب، على نحو عجيب وغريب، مختلف أنواع الاهتمام الإعلامي والدبلوماسي المحلي والإقليمي والدولي، ويعطي لِلوَجِلَة قلوبهم من الحروب وويلاتها بعض الطمأنينة والأمان!
 
ولكن – ونظراً لما يحتوي الأمر من صور غموض تظهر وتغيب – كلما اقتربنا من موعد انعقاد (المؤتمر الدولي!)، كلما انحسرت الآمال والتطلعات فيما يمكن أن يلده هذا (اللقاء – الاجتماع – المؤتمر!) المزمع التئامه في الأيام الأخيرة للشهر الحالي، حيث أعلن مؤخراً عن 25 و 26 منه، بعد أن كان في نصفه الثاني، ثم صار في 15 و16 منه، ثم أتت رايس مؤخراً لتقول إن المؤتمر إن لم يعقد في نوفمبر فإن الخريف سيظل مستمراً في ديسمبر!!!
 
إن مما يدفع إلى انحسار التفاؤل وتزايد الريبة هو ما أعطي للمؤتمر من أوصاف وسمات وتسميات ظلت تتبدل وتتغير، وتتقدم وتتراجع، منذ إعلان الرئيس الأمريكي، في 16/7/2007، عن نيته في عقده، وحتى يومنا هذا. فالرئيس الأمريكي كان قد أعلن في بداية الأمر عن نيته عقد "مؤتمر دولي" في الخريف، لإعادة إطلاق عملية السلام على المسار العربي الإسرائيلي، لكن لم تكن أيام أربعة قد انقضت، حتى سارع البيت الأبيض ليصدر في 20/7/2007 –وربما بضغط إسرائيلي – توضيحاً جاء فيه أن الأمر "لا يتعلق بمؤتمر كبير للسلام، ولكنه (لقاء!)، من أجل إنجاز الوسائل التي تؤدي إلى بناء مؤسسات أساسية للفلسطينيين تمكنهم من تصريف شؤونهم بأنفسهم وتمنحهم الديمقراطية ". فتعبير (لقاء) موسوماً بأنه (دولي!) يعني أنه "لقاء دولي كبير" يضم حشداً واسعاً من الدول، وينعقد تحت المظلة الأممية، ممثلة في منظمة الأمم المتحدة، وتحت رعايتها وضماناتها، بصفتها مرجعية لـ (اللقاء!)، وذلك بهدف التفتيش عن آليات تحقق الأمن الجماعي والسلم العالمي المهدد، وتعبر عن احترام القانون وسيادته، غير أن كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل لم تستخدم، فيما بعد، تعبير (مؤتمر!) أو (لقاء!)، بل استخدمت تعبير (اجتماع!).
 
فإذا كان الأمر قد وُصف في البداية بأنه "مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط"، وأن كل القضايا الجوهرية التي تشكل لب الصراع بين العرب وإسرائيل سوف تطرح فيه، فقد كان طبيعياً – وسط ما رأينا وسمعنا من أوصاف بالغَت في الآمال والمطامح والتوقعات – أن يعبر البعض عن الضرورة إلى وجود مشاركة فاعلة للمنظمات الإقليمية والدولية المعنية بالصراع العربي الإسرائيلي، لاسيما جامعة الدول العربية، ومنظمة الأمم المتحدة، ومفوضية الاتحاد الأوروبي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي...و...، بالإضافة إلى بعض الدول المهمة والأساسية والكبيرة في المنطقة مثل الصين وروسيا. لكن الولايات المتحدة الأمريكية سرعان ما استدركت الأمر، فأعلنت أنه لا إمكانية لمشاركة أطراف إقليمية ودولية، مشيرة إلى أن ما عناه الرئيس الأمريكي في دعوته هو (اجتماع!) ترعاه الولايات المتحدة، ويضم في الأساس الإسرائيليين والفلسطينيين وبعض الدول العربية، مضيفة أن هذا الاجتماع إنما يهدف فقط إلى "كسر الجمود" الذي بات يحتوي المفاوضات بين العرب وإسرائيل!
 
فإذا كان (التجمع) المتوقع التئامه في أنابوليس، بعد نحو أسبوعين، قد وصفه بوش ذاته، عند الإعلان عنه في 16/7/2007، بأنه "مؤتمر، ثم أصدر البيت الأبيض، في 20/6/2007، توضيحاً تحول فيه "المؤتمر!" إلى "لقاء دولي!"، ثم شرعت الإدارتان الأمريكية والإسرائيلية، بعد ذلك، في إعطائه وصفاً آخر، مستخدمتين تعبير "اجتماع" سترأسه وزيرة الخارجية الأمريكية، طبقاً لما هو مخطط ومفترض.
وإذا كانت اللجنة الرباعية الدولية لم تعد هي الأخرى تتحدث عن "لقاء دولي"، بل عن "اجتماع"، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تكون قد أنجزت – حتى قبل انعقاد المؤتمر – مهمة كبيرة بالنسبة لها، وهي تحديد الهدف الحقيقي من انعقاده، وهو التمهيد إلى إنجاز تحالف على المستوى الدبلوماسي، كخطوة تمهيدية بين الدولة العبرية ودول "الاعتدال" العربية والسلطة الفلسطينية، في وجه تحالف دول "التشدد" العربية، وهو ما يعني بكل بساطة الشروع العملي – حتى قبل عملية السلام – في الاستجابة للرغبة التي عبرت عنها وزيرة الخارجية الإسرائيلية ليفني، وهو بدء تطبيع عربي إسرائيلي يسهم في خلق الخلاف والتباين بين الدول "المعتدلة" وتلك "المتشددة" في العالم العربي.
 
ولكن، على الرغم من أن تبدل الأوصاف التي خلعت على (التجمع) المتوقع انعقاده، بعد نحو أسبوعين، في أنابوليس بولاية ميريلاند، من "مؤتمر!" إلى "لقاء!" إلى "اجتماع!"، قد أسهم في تقليص مستوى التوقعات والتقليل من أهميتها إلى درجة كبيرة، إلا أن أوساطاً عربية رسمية قد واصلت مبالغتها في وصف (الاجتماع!) وأهمية قراءة نتائجه سلفاً، والتحدث عن "دولة فلسطينية" يمكن لهذا (الاجتماع!) أن ينتجها، محدداً تفاصيلها وراسماً حدودها، كما واصلت امتداح الإدارة الأمريكية الحالية والرئيس بوش على رأسها، على ما وصفته بـ "الموقف الإيجابي!" الذي تمثل في اهتمامه بالمنطقة وقضاياها، وسعيه المخلص لحل مشاكلها!
 
الجدير ذكره أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، أولمرت، كان في الخامس والعشرين من يوليو الماضي قد عرض "اتفاق مبادئ" من أجل إعلان "الدولة الفلسطينية" كبديل عن "المبادرة العربية للسلام"، وهو ما أيدته الولايات المتحدة الأمريكية! فخطة أولمرت هذه تسعى إلى إنشاء "دولة فلسطينية" مسلوبة السيادة الحقيقية، وذات حدود مؤقتة، إلى أن تبدأ مفاوضات مستقبلية على المسار الفلسطيني الإسرائيلي تنتهي إلى اتفاق على الوضع النهائي للأراضي الفلسطينية المحتلة، أي بمعنى آخر، إلى أن تحدث تغييرات ديموغرافية (كالذي يحدث الآن ودون توقف من نشاط استيطاني غير مسبوق، وبناء للجدار، وفصل للضفة عن القدس) إلى تحويل "الدولة الفلسطينية" المرتقبة إلى شبه دولة لا تواصل بين أنحائها. فأولمرت ليس لديه ما يمكنه من الاستجابة إلى الحدود الدنيا من التطلعات الفلسطينية، فيما ينبغي التأكد أيضاً أن العرب –بمن فيهم الفلسطينيون– لم يبق لديهم أي تنازلات أخرى يستجيبون من خلالها للضغوط الأمريكية والأطماع الإسرائيلية. أما أولمرت، فقد ظل يؤكد –على نحو متصل– على أنه لا يستطيع الالتزام بأي جدول زمني أو أي تفاصيل تتعلق بتاريخ بدء المفاوضات، أو تاريخ الانتهاء منها، أو أي صيغة تتعلق بالقضايا الأساسية، أو حتى بأي إعلان عن نوايا مستقبلية تتصل، مثلاُ، بوقف الاستيطان، أو تجميده، أو إزالة بعض بؤره، أو الإفراج عن أسرى، أو الحد من القيود المفروضة على الحقوق الإنسانية للفلسطينيين. لم ير أولمرت أن تأكيده المتصل على عدم الالتزام بأي شيء كان كافياً، فأوغل في تأكيده على كل ذلك بتأكيد عملي (بعد الشفوي)، حيث أمر بخطوات عملية ميدانية مباشرة من بينها عمليات الاجتياح، والاغتيال، ومصادرة الأراضي، وزيادة التسارع في بناء المستوطنات في الضفة وقي القدس تحديداً، حيث تم الاستيلاء حديثاً على 1100 دونم من أراضي أبو ديس، والإعلان عن الشروع رسمياً في بناء 3500 وحدة استيطانية في المنطقة E-1، والسماح ببناء 6100 وحدة سكنية استيطانية على أراضي الضفة، مع الاستمرار بمواصلة عمليات الفصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، والاستمرار – بلا هوادة – في بناء جدار الفصل العنصري، والاحتفاظ بآلاف الأسرى، فضلاً عن أسرى جدد يتم اعتقالهم بما يزيد عن أولئك الذين تم الإفراج عنهم مؤخراً! وفوق كل ذلك، فقد تم حتى الآن إقامة 4 مستوطنات ضخمة حول القدس لتحيطها من جهاتها الأربع، والإعلان عن تسويق 2000 وحدة استيطانية، والمصادقة على الاستيطان في "حي اليمن" بسلوان، وإصدار أوامر عسكرية بالاستيلاء على 378 دونم في أراضي الطور والعيزرية وأبو ديس، ومطالبة 61 عضو كنيست في عريضة وقعوا عليها بعدم التنازل عن أي أرض في القدس. غير أن أكثر ما يلفت الانتباه، هو أن يؤكد شمعون بيرس على أن الأماكن المقدسة ستبقى في أيدي الإسرائيليين لا محالة، على حد قوله!
 
لا إمكانية ولا مكان، إذن، لطرح أي من القضايا الجوهرية (كالقدس واللاجئين والحدود والمياه والأمن والاستيطان)، ذلك أنها تُرَحَّل إلى نهاية المفاوضات. وأما "اتفاق المبادئ" الذي طرحه أولمرت في 25/7/2007 من أجل إقامة الدولة الفلسطينية التي لا تتمتع بسيادة حقيقية ولا بحدود دائمة، فإنه (أي اتفاق المبادئ) – على الرغم من ذلك – لا يمكن أن يكون نافذاً إلا بعد إجازته من الائتلاف الحكومي أولاً، ومن حزب كاديما الحاكم ثانياً، ثم من الكنيست ثالثاً!!!
 
أما ما يلف (اجتماع أنابوليس الخريفي الدولي!) من غموض وتشاؤم، وما يرتبط بذلك من انحسار للتوقعات والآمال والتطلعات، فإن الغموض ما يزال –حتى اللحظة– مستمراً حول الموعد النهائي للاجتماع، وحول الدعوة إلى المشاركة فيه، وحول الدعوات المتصلة بذلك. في سياق الغموض هذا، فقد أكد مبعوث الرئيس/ محمود عباس، وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وعضو المجلس التشريعي الفلسطيني، الدكتور/ نبيل شعث، في تصريحاته للصحفيين، عقب لقائه مع الأمين العام لجامعة الدول العربية، السيد/ عمرو موسى، على "ضرورة توافر كل المعلومات حول هذا المؤتمر قبيل انعقاده ليكون هناك موقف عربي وفلسطيني موحد وواضح بشأنه، مضيفاً القول إنه رغم إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على عقد المؤتمر الدولي للسلام وسعيها الجاد لعقده، إلا أنه "لا يوجد حتى الآن موعد محدد لانعقاده ولم توجه الدعوات بعد للمشاركين فيه، يضاف إلى الغموض الكبير الذي يحتوي الاجتماع غموض آخر أبرزُه رفض الرئيس الأمريكي مطالبة الرئيس الفلسطيني "بوجود جدول زمني للمفاوضات!"، فالغموض والتشابك والتشاؤم لا يقف، فقط، عند حدود القضايا التي ستتم مناقشتها في الاجتماع والنتائج المتوقعة منه، ولا عند حدود الجدول الزمني للمفاوضات الذي طالب به الرئيس الفلسطيني ليرفضه الرئيس الأمريكي، ولا عند حدود موعد انعقاد الاجتماع الذي لم يحدد على نحو نهائي بعد، بل إنه يتعدى كل ذلك ليصل إلى التشكيك في إمكانية عقد الاجتماع من الأصل، لاسيما وإن وزيرة الخارجية الأمريكية أفادت أنه إن لم ينعقد الاجتماع في السادس والعشرين من نوفمبر، فإن الخريف يظل مستمراً في ديسمبر! هذا، وإن زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" ووزير الشؤون الإستراتيجية في الائتلاف الحكومي، أفيجدور ليبرمان، قد أكد لصحيفة هآرتس، في 17/10/2007، أن أقصى ما يمكن لأولمرت أن يقدمه في اجتماع الخريف – إذا انعقد– هو "تحديد القضايا وعرضها وليس البحث فيها". وفي حديث أجراه، في 21/10/2007، مع القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي قال ليبرمان: "سننسحب من الحكومة إذا بحثت في مؤتمر السلام الذي سينعقد بعد حوالي الشهر في واشنطن مع الفلسطينيين، القضايا الجوهرية، مشيراً إلى أنه ينسق هذا الموقف مع رئيس حزب "شاس" ونائب رئيس الوزراء الإسرائيلي، يشاي، الذي أدلى هو الآخر بتصريحات مماثلة حيث قال: "إن شاس لن يشارك بمداولات حول القدس في مؤتمر أنابوليس"، مضيفاً أن تضمين القضايا الجوهرية، في بيان يصدر قبل انعقاد المؤتمر، أو بعده، سيثير مشاكل في حزبه. وكان يشاي قد قال، في تصريح له، لصحيفة هآرتس، إن مجرد ذكر القدس في وثيقة توقع في المؤتمر سيؤدي إلى انسحاب "شاس" من الحكومة، الأمر الذي قد يؤدي إلى حلها وانهيارها، منوهاً أن هذا الأمر أيضاً مرتبط بقرار ليبرمان بالانسحاب، وقد أكد ليبرمان ذلك بقوله إنه "إذا أجريت مداولات المؤتمر حول قضايا القدس واللاجئين والحدود فإن هذه الحكومة لن تستطيع الاستمرار في عملها، وهذا هو موقفي وموقف يشاي، ولن نستطيع البقاء كجزء من الحكومة، إذا بحثت القضايا الجوهرية في لقاء أنابوليس".
 
وبعيداً عن كل ما يلف اجتماع الخريف الدولي من غموض، وما يعتريه من ملابسات، وما يتصل بالدعوة إلى عقده من مبررات ودوافع ومسوغات – وهي جميعها ذات علاقة واضحة ومباشرة بالوضع الأمريكي من حيث مواجهة المستنقع العراقي، والتحدي الإيراني، والرغبة الأمريكية الجامحة في تحقيق الهيمنة الكلية الشاملة على العالم، وبعيداً عن التغييرات والتبديلات في المسميات والتوصيات التي أعطيت (للتجمع في أنابوليس) من "مؤتمر للسلام في الشرق الأوسط" إلى "لقاء دولي لإحياء مسار السلام العربي الإسرائيلي" إلى "اجتماع إجرائي" لا أكثر، فإن هناك عوامل وأسباباً جوهرية تدفع إلى المزيد من الالتباس والغموض الذي يتصل بالنجاح والفشل، ومن بين هذه الأسباب أو العوامل، العمل على دعم سلطة عباس لتأمين عزل حماس، وتعميق القطيعة بين أكبر فصيلين مقاومين، وترسيخ الانقسام الفلسطيني الحالي. غير أن ما لا ينبغي لأي أحد أن ينساه، أو أن ينكره، أو أن يتجاهله، هو أن إقصاء حماس وتعميق القطيعة وترسيخ الانقسام الحالي لا يمكن أن ينتج في النهاية حلاً، ذلك أن أي سعي من أي جهة إلى "سلام" مع جزء أو فصيل من الشعب الفلسطيني وسط استثناء الآخرين هو سعي ضال وغير منتج. فإذا كان الإسرائيليون وعلى رأسهم رئيس وزرائهم، أولمرت، يسعون أو يدعون السعي إلى دعم الرئيس عباس، فإننا ندرك، يقيناً، مدى الكسب الذي يتطلعون إلى تحقيقه في اتجاه عزل حماس من خلال دعم عباس، ومن ثم في اتجاه عزل عباس، سياسياً، بعد أن يتحقق إقصاء أو اجتثاث حماس. إن سعي إسرائيل إلى دعم سلطة عباس هو سعي مخلص تبذله بقدر قيمة الأهداف وأهمية المصالح التي تسعى إلى تحقيقها، وفي صدارتها تصفية النشاط الفلسطيني المقاوم.
 
لقد مر الفلسطينيون بتجارب الحوارات واللقاءات والمفاوضات والمبادرات، بغية تسوية سلمية، فمن "كامب ديفيد" بين مصر وإسرائيل، إلى "مدريد"، إلى "أوسلو"، إلى "كامب ديفيد" بين عرفات وباراك، إلى "واي ريفر"، إلى "واي بلانتيشن" إلى "شرم الشيخ"... إلى... إلى... حيث كانت الأمور تصل إلى الباب المسدود بمجرد ملامسة قضايا جوهرية ثلاث هي الأساس الذي بدونه لا تفتح أبواب الحلول: القدس واللاجئون والاستيطان.
 
ن الإدارة الأمريكية الحالية – بتورطها في كل مكان تواجدت فيه، كالعراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان، وبمحاولتها المستميتة لفرض هيمنتها – قد وصلت إلى إدراك فشلها دون التصريح به أو الإعلان عنه، فضلاً عن تراجع الجمهوريين أمام زحف الديمقراطيين وسيطرتهم على الكونجرس، وانخفاض جماهيرية بوش في الداخل الأمريكي على نحو غبر مسبوق، الأمر الذي دفع إلى محاولة استعادة شعبيته، وإلى إعادة التفكير الكلي على أمل استرجاع مصداقيته ومصداقية الولايات المتحدة الأمريكية من خلاله، فبرز الحديث عن "الاعتدال" و "التشدد"، فيما أخذت صورة "الشرق الأوسط الكبير" في الانحسار والتراجع لصالح تزايد الحديث عما يُوصف بـ "الشر"، و"محور الشر"، في إشارة واضحة إلى (التشدد والتطرف) مقابل "الاعتدال".
 
أما الرئيس الأمريكي بوش، فهو يحاول جاهداً – كما قلنا في مقال سابق – إلى قسمة حتى المعتدلين من العرب إلى قسمين، دون أن يضع في اعتباره –ولو على سبيل الاحتمال– أن المعتدلين من العرب لا يذهبون معه إلى حيث شاء سلباً كان ذهابه أم إيجابا، فالمملكة العربية السعودية – على سبيل المثال – لها شروط إن استجيب لها كانت مشاركتها في اجتماع الخريف، فضلاً عن التأكيد العربي الذاهب إلى أنه لا نية للتراجع عن مبادرة السلام العربية، أو تغييرها، أو تعديلها.
 
آخر الكلام:
 
إذا كان واضحاً تماماً أن اجتماع الخريف هو اجتماع إجرائي تشاوري، حسب رايس، وإذا كان الاجتماع لا يهدف إلى إيجاد حل حقيقي للقضية الفلسطينية، استناداً على القرارات الأممية، ومبادئ القانون الدولي، وخاصة فيما يتعلق بالقرار 194 القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم التي هجروا منها بالقوة عام 1948، أو القرار 242 القاضي بالانسحاب الكامل حتى حدود الرابع من يونيه 67 بما في ذلك الانسحاب من القدس الشرقية، وإذا كان الاجتماع سيستند – فيما سيستند إليه من رسائل وضمانات ووثائق– إلى وثيقة بوش التي تعتمد اللاءات الإسرائيلية الثلاث في وجه القضايا الفلسطينية الأساسية الثلاث، وإذا كان الاجتماع ستحضره قرابة 40 دولة ومنظمات دولية معنية، وإذا كان الاجتماع لم تَدْعُ إلى عقده منظمة الأمم المتحدة، بل دعا إلى عقده رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، على أن تقوم وزيرة الخارجية، رايس، برئاسته وإدارة أعماله، وإذا كان الاجتماع لا ينعقد بضمانات أممية تحت مظلة منظمة الأمم المتحدة بصفتها مرجعيته الرئيسية، وإذا كانت الدعوات إلى الاجتماع ستوجه من الرئيس الأمريكي الذي يقرر هو وإدارته من يُدعى إلى المؤتمر ومن لا يُدعى، فهل يكون هذا الاجتماع الخريفي الدولي الغامض مؤتمراً (أمريكياً) برعاية (دولية)، أم يكون مؤتمراً (دولياً) بآليات ضبط ووصاية ورعاية (أمريكية)؟!!
 
* كاتب وأكاديمي فلسطيني – جامعة الأزهر بغزة/ فلسطين.
 
نقلا عن موقع (الإتجاه الديمقراطي)
 
http://www.alhourriah.ps/show_article.php?type=1&artc_id=835
 

 

 

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

تعليقات القراء:

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com