تتركز أنظار العالم خلال
الأيام القليلة المقبلة على مدينة أنابوليس الأمريكية، التي لا تبعد
كثيرا عن واشنطن. تحت زعامة الرئيس الأمريكي جورج بوش، يحاول رئيس
الحكومة الإسرائيلي إيهود أولمرت والزعيم الفلسطيني محمود عباس، بدعم من
الجامعة العربية، ان يطلقا روحا جديدة في عملية السلام بمنطقة الشرق
الأوسط، إلا أن مستوى تمثيل الدول المشاركة في المؤتمر لا يبعث الكثير من
الأمل في التوصل إلي اختراق هام في مباحثات السلام.
في البداية، كان الحديث عن
مؤتمر في أنابوليس، ولكن الآن يسمى "لقاء". لقاء لن يشهد مفاوضات واسعة
وجدية أكثر مما سيكون إعلانا عن أن مفاوضات السلام ستبدأ من هنا. وستتعلق
المفاوضات في الحين بمواضيع مثيرة، أعدتها إسرائيل بحبكة بارعة.
إذن فأنابوليس لا تعني أكثر من
انطلاق سلسلة من الاجتماعات، التي ستعرف عملا جادا، والتي ستخضع لضغوط من
طرف الرئيس الأمريكي بصفته المباشرة والمجتمع الدولي، اللذين سيعملان على
إنجاح المفاوضات.
لاعبين كبار ضعفاء
ويعود سبب الشكوك الواسعة إلى
الأوضاع الهشة والضعيفة للاعبين الكبار الثلاثة في هذا اللقاء. فرئيس
الحكومة الإسرائيلي مهدد بأزمة داخل ائتلافه الحاكم إذا قدم التنازلات
الضرورية للتوصل لاتفاق مع الفلسطينيين. كما أنه ملاحق بتحقيقات في قضية
رشوة وخسارة الحرب ضد حزب الله في صيف 2006 وبالإضافة إلى ذلك كله، فانه
مريض أيضا.
الزعيم الفلسطيني محمود عباس،
يحكم بعد الهزيمة الانتخابية التي لحقت بحزبه فتح، وبعد استيلاء حماس على
غزة، لم يعد يحكم الآن إلا الضفة الغربية. بل وفي الضفة أيضا، فان حكمه
لها رهين بما يسمح له به جيش الاحتلال فقط. ولذلك ومن باب التهكم، يطلق
عليه اسم: " عمدة رام الله".
وأخيرا الرئيس بوش الذي يتقدم
نحو نهايته ولايته الرئاسية الثانية مثخنا بجرح مغامرته الكارثية في
العراق. باختصار، انه لقاء بين المشلول والأعمى، بزعامة مضيف مسئول بشكل
كبير عما يحدث في العراق. ولكن ولأن ذوي الأدوار الرئيسية الثلاث ضعفاء،
يعتقد المتفائلون أن أنابوليس قد تحقق بالرغم من ذلك شيئا ما، مادام
الثلاثة في حاجة ماسة إلى نجاح ما.
وعلى أية حال، فقد سجل كل من
الأمريكيين والأوروبيين هدفا واضحا لمصلحتهم بمشاركة المملكة العربية
السعودية وعدد من الدول العربية الأخرى في ممثلة بوزراء الشؤون الخارجية
فيها، بل أن سوريا أيضا حاضرة، وان كانت دمشق لم تبعث إلا بمساعد وزير
الخارجية.
وتبدو السعودية مصممة على
التمسك بمبادرة السلام العربية التي تنص على انسحاب إسرائيل من الأراضي
العربية المحتلة وإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين، مقابل اعتراف كامل بها
من طرف كل الدول العربية بما يعنيه من تطبيع العلاقات.
تطبيع تدريجي
لقت الخطة قبولا من طرف كل
الدول الأعضاء في الجامعة العربية. ولكن إسرائيل امتنعت عن القبول بها
وطالبت بأن تتفاوض الدول العربية مع إسرائيل حول الخطة. بمعنى آخر، لبدا
التطبيع قبل أن تضع إسرائيل حدا لاحتلالها. والآن وبمشاركتها في لقاء
أنابوليس والجلوس مع إسرائيل إلى مائدة واحدة، تلبي العربية السعودية
بشكل غير مباشر طلب إسرائيل. وهو السبب الذي جعل حماس والقوى الراديكالية
الأخرى في العالم العربي، ترد بذعر، وتتهم السعودية وبقية دول الجامعة
العربية بالتطبيع التدريجي مع إسرائيل.
لماذا أقدمت العربية السعودية
على ذلك؟ البلد الذي عرف دائما بمعارضته التي لا تلين لمصالحة دولة
إسرائيل؟ يتعلق الأمر بتنامي نفوذ النظام الشيعي في إيران في الشرق
الاوسط. توسع طهران من هيمنتها على المنطقة، ليس فقط في العراق، وإنما
أيضا في لبنان، عبر حزب الله، وعبر حماس في قطاع غزة. بالإضافة إلى ذلك،
فإيران حسب الكثير من المراقبين في طريقا لأن تصبح دولة نووية.
ليس الولايات المتحدة
الأمريكية وإسرائيل فقط هم الذين يرغبون في تفادي هذا الخطر، بل الدول
السنية الحليفة للغرب مثل العربية السعودية، مصر والأردن أيضا. هذا هو
السياق الاستراتيجي الذي يأتي في إطاره لقاء أنابوليس.
لا بد من الحد من النفوذ
الإيراني، وحتى تكون هنالك فرصة حقيقية للسلام لا بد من دعم الرئيس
الفلسطيني ابومازن لإبعاد حماس من الساحة، وفي هذه الحالة، على عباس أن
يعود إلى وطنه بنتائج واضحة وملموسة.
مخاوف أم أمل
وهذا يتطلب تنازلات إسرائيلية
وضغوطات أمريكية ظلت بعيدة لحد الآن. بدأت أنابوليس مثل مؤتمر من الخوف.
ويجب أن تحدث أمور كثيرة لتحول أنابوليس إلى مؤتمر للأمل.