28/10/2007
 

فوضى عالمية وفشل أميركي
 
فضيل الأمين (موقع آرام )
 
http://www.aaramnews.info/website/19420NewsArticle.html

 
 
زعماء روسيا والصين والولايات المتحدة
 
يعيش العالم اليوم مرحلة انتقالية صعبة وخطيرة في نفس الوقت. فنهاية الحرب الباردة منذ عقد ونصف من الزمن وضعت العالم قادة وشعوبا أمام مجهول جديد لم يسبق له أن عاشه من قبل على الإطلاق.
 
فانهيار الاتحاد السوفيياتي وبروز التكتل الأوروبي والتمدد الصيني العالمي اقتصاديا وسياسيا وعسكريا سعياً وراء بناء نفسها كقطب دولي يوازي الولايات المتحدة طمعاً في وراثة دور الاتحاد السوفيياتي المنهار، كما أن نهمها المتزايد للطاقة والثروات الطبيعية الأخرى وراء تغلغلها المتعاظم في أفريقيا.
 
يقابل ذلك محاولة روسيا لإعادة بناء امجادها القيصرية بزعامة فلاديمير بوتين. ولا يجب أن ننسى الصراعات والحروب الأهلية والأوبئة التي تعصف بأفريقيا. كما تعاظم التوتر في الشرق الأوسط وتعاظم الدور الإيراني في المنطقة عقب سقوط نظامي طالبان وصدام حسين. وفشلت إسرائيل في حسم حرب عسكرية لصالحها لأول مرة في تاريخها في العام الماضي، والانشقاقات التي تعصف بالصف الفلسطيني.
 
كما يجب ألا نغفل بوادر الحرب الأهلية التي تلوح في باكستان التي تمتلك أسلحة نووية. ناهيك عن وقوع الولايات المتحدة الأميركية في المستنقع العراقي وفشلها حتى الآن في ايجاد مخرج مشرف منه. إضافة إلى التوتر الراهن بين إيران والمنظومة الدولية إزاء مطامحها النووية. ولا يمكننا أن نغفل عن الإرهاب العالمي الذي تصاعد اليوم بشكل لم يسبق له مثيل وما نتج عنه مما يسمى بالـ"الحرب على الإرهاب".
 
كل ذلك وغيره من أحداث عالمية واقليمية أخرى تعود ليس فقط إلى حالة السيولة واللزوجة والهلامية في النظام العالمي اليوم وإنما إلى تلك المرحلة الانتقالية الصعبة التي نعيشها اليوم.
 
وإذا كان العالم قد عاش من قبل مراحل مراحل انتقالية مشابة عقب الحروب العالمية الساخنة والباردة من قبل إلا أن فرادة مرحلة اليوم هي في طبيعة وشكل عالم اليوم الذي يعيش ثورة معلومات واتصالات غير مسبوقة وعولمة جديدة حطمت الحدود والحواجز. عولمة لا تعيد اليوم تشكيل الدولة القطرية بشكلها التقليدي فحسب بل النظام العالمي ومؤسساته الدولية أيضاً.
 
ويفسر هذا الارتباك والتخبط في عالم اليوم الذي يمر بهذه المرحلة الانتقالية الحرجة والخطيرة. فالقيادات الدولية اليوم (قيادات انتقالية) Leaderships Transitional أفرزتها مرحلة ما بعد الحرب الباردة وانهيار النظام العالمي القديم.
 
والسياسات الخارجية لهؤلاء القادة سياسات انتقالية مترددة ومرتبكة في معظم الأحيان، تركّز على التكتيك وتفتقد الإستراتيجية التي لم تتبلور بعد. وهذا الأمر يسري أيضا على سياسات وقيادات معظم إن لم يكن كل الدول النامية أيضاً. عالم هذا شأنه هو عالم ملئ بالمخاطر واللامعلوم. وهو أيضا عالم ملئ بالفرص والاحتمالات بسبب حالة السيولة والانتقالية التي يعيشها.
 
هذا الأمر يبدو واضحاً في شكل الخيارات السياسية وطبيعة القيادة في الولايات المتحدة الأميركية التي تعيش ظرف السيولة والانتقالية مثل غيرها. وتسري هذه الحال على روسيا اليوم بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين الذي ظهر في خطابه الأخير وكأنه يحن إلى ماضي الحرب الباردة عندما كانت القضايا أقرب إلى الأبيض والأسود منها إلى الألوان الرمادية والمختلطة التي تلوّن حالة العالم اليوم. ولهذا نلاحظ الارتباك والتناقض في بعض الأحيان في السياسة الخارجية للولايات المتحدة وغيرها من دول العالم والمؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة. وهذا أمر ليس بالغريب بالنسبة لعالم عاش أسير مبادئ ونظم وتحركات ارتبطت بحرب باردة استمرت أكثر من أربعين عاما وشُكلت على أساسها استراتيجيات وسياسات مختلفة حكمت حركة العالم طوال تلك العقود.

بالطبع استطاع دعاة الإرهاب ومنظروه استغلال الفوضى الكونية وعدم قدرة القوى الدولية سواء كانت الدول الكبرى أو الأمم المتحدة على ملء الفراغ وتطوير نظام عالمي جديد على أسس جديدة. فاستشرت ظاهرة الإرهاب العالمي بشكل لم يسبق له مثيل، وعمّت حالات الفوضى.
 
الكثير منا يذكر حديث الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الأب المتكرر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عن نظام عالمي جديد ولكن الحديث ظل حديثا فقط حينما فشل عمليا عندما صرف النظر عن العمل على تطوير وتأطير هذا النظام العالمي الجديد وبدا عليه الإنهاك السياسي في أواخر فترته الرئاسية وعقب حرب تحرير الكويت.
 
وقد اتجهت الولايات المتحدة الأميركية نفسها تحت قيادة بيل كلينتون نحو سياسة الانكفاء على نفسها تنشد استراحة المحارب بعد عناء صراع طويل. ولم يطل أمد هذا الانكفاء الخطأ إذ بهجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية على التراب الأميركي تعيد أميركا إلى عالم الحقيقة، إلى واقع العالم الممتلئ بالمخاطر والأخطار.
 
ولن يكون التاريخ رحيماً عند تقييمه لفترة حكم بيل كلينتون الرئيس الأميركي السابق الذي فشل على مدى ثماني سنوات في تطوير سياسة أميركية خارجية وأخفق في المساهمة في تطوير نظام عالمي جديد. ومن ثم ولّد وورّث فوضى عالمية كبرى نتجت عنها مشكلة الفوضى الدولية في كل المجالات وعلى رأسها الإرهاب العالمي الذي نعيشه والذي دفع العالم وخصوصا العالم العربي والإسلامي والولايات المتحدة نحو دوامة خطرة إذا لم يتم التحكّم فيها ستقود العالم كله نحو مستقبل قاتم ومجهول، في أفضل الأحوال. سياسة كلينتون التي اعتمدت على مبدأ "أن لم تكن مكسورة فلا تصلحها" If it is not broken don't fix it لا بد من تحميلها مسؤولية تجاه ما يجري اليوم.
 
ومن منا لا يذكر خطاب جورج بوش الأبن عن نشر الديموقراطية ومحاربة الطغيان وبناء نظام عالمي جديد يقدس الحرية وحقوق الانسان ويدعم الديموقراطية. إعلان بوش الابن النظري تلته سياسات المحافطون الجدد التي مهدت لغزو العراق وانتجت غوانتامو وأبوغريب وولدت من وراء ذلك فوضى خرجت عن نطاق التحكم والإدراة. وفي غياب النظام، أي نظام، تسود الفوضى وهذا ما كان.
 
أن ما حدث أدى إلى فقدان الولايات المتحدة والعالم من ورائها لزمام المبادرة. وتحوّلت السياسة الخارجية الأمريكية، والداخلية في بعض الأحيان إلى ردود فعل متعددة وغير مترابطة في معظم الأحيان. لقد فشل كلينتون في وقاية الولايات المتحدة من تخطيطات وهجمات الجماعات الإرهابية وعلى رأسها القاعدة الأمر الذي انتهى بالهجمات على نيويورك وواشنطن وهو أمر لم يحدث في تاريخ أميركا من قبل.
 
ولعل البعض يتساءل عن سبب تكرار الحديث عن أحداث سبتمبر التي وقعت منذ سنوات. أقول إن السبب هو أن العالم كما نعرفه كنا قد تغيّر إلى الأبد بعد ذلك اليوم. وما سيصبح عليه العالم في المستقبل سيكون حصيلة ما تتمخض عنه أحداث اليوم. وهذا يعني أننا نعيش مرحلة اليوم مرحلة تشكيل المستقبل شئنا أم أبينا.
 
وهذا يقودنا إلى ما يسمى اليوم بـ"الحرب على الإرهاب"، التي وجدت الولايات المتحدة نفسها تخوضها كحرب "مفروضة" عليها بعد هجمات سبتمبر.
 
لا شك عندي أنه لابد من مواجهة سرطان الإرهاب العالمي واستئصاله أو محاصرته ومنعه من الانتشار وتقليص مضاره. ولا شك أن استخدام القوة العسكرية هو جزء من الحل وليس كل الحل. فالمواجهة العسكرية للإرهاب يجب ألا تتجاوز نسبتها 20% من مجموع المواجهة الشاملة لسرطان الإرهاب.
 
وهنا مكمن المشكلة في السياسة الأميركية تجاه هذا الأمر. ففي حين يجب على الدولة العظمى، والتي حدث أنها أيضا كانت الدولة المستهدفة، لعب دور قيادي في مواجهة هذا الخطر إلا أنها لا يجب ألا تظهر للآخرين كأنها المتولية قيادته وإدارته والمتفردة بقراره، الأمر الذي من شأنه أن يولّد حالة من الاستقطاب قد تتبلور فتأذن بتفسير أممي قائم على صراع الشرق والغرب والأيدولوجية والدين خاصة عندما تكون الظروف كما هي الآن.
 
المجموعات الإرهابية المتحركة دولياً تشن حربها باسم الدين الإسلامي والدولة المستهدفة هي قائدة العالم الغربي. وأترك لكم بقية التفسير.
 
لقد فشلت الإدارة الأميركية الحالية في أمرين. أولهما جعل الحل العسكري يبدو للجميع وكأنه كل الحل، وثانيهما فشلها حتى الآن في إقناع العالم بأنها ليست هي الدولة الوحيدة المستهدفة بالإرهاب. فالحرب على الإرهاب لا يجب أن تكون حرباً أميركية خالصة. فالإرهاب ضرب أنحاء العالم، من أسبانيا إلى السعودية ومن أميركا إلى مصر ومن المغرب إلى كينيا ومن اليمن إلى الأردن وإندونيسيا ومن الكويت إلى بريطانيا. وينبع الأمران من حالة الارتباك تعيشها الدبلوماسية الأمريكية.
 
إن الفشل في معالجة هذين الأمرين سينجم عنه تأكيد شعور مصطلح صراع الحضارات الذي يروج له أصحاب النوايا السيئة في الولايات المتحدة وفي العالم العربي والإسلامي أيضاً.
 
فشل الرئيس بوش وإدارته حتى الآن في أن يقنعا العالمين العربي والإسلامي بأن الحرب على الإرهاب ليست حربا عليهما ولا على الإسلام، كما اخفقا في إقناعهم بأنها حرب ضد عدو مشترك يستهدفهم كما يستهدف الأميركيين سواء بسواء وأن الولايات والمتحدة والعالمين العربي والإسلامي والعالم كله هم حلفاء ضد عدو مشترك.
 
واليوم تبدو هذه المشكلة جلية في الفشل الثاني. في طريقة التعامل الأمريكي مع مشكلة انتشار اسلحة الدمار الشامل. فالادارة الأميركية حوّلت مشكلة ملف أسلحة الدمار الشامل من مشكلة أمن عالمي وإقليمي إلى صراع ثنائي بين أميركا وبين الدول الساعية للحصول عليها، ومن ثم تضاعفت الكراهية في العالم العربي والإسلامي لأميركا على أساس (صراع الحضارات)، وازداد التعاطف مع إيران وكوريا وكل الدول التي تناكف الولايات المتحدة والعالم بشأن هذا الملف. مع أن انتشار اسلحة الدمار الشامل في الحقيقة أمر لا يهدد الولايات المتحدة فقط بقدر ما يهدد السلام والاستقرار العالمي عموماً.
 
فشل الإدارة الأميركية في إقناع الرأي العام العالمي وخصوصاً الرأي العام العالم العربي والاسلامي بخطورة انتشار اسلحة الدمار الشامل على السلام العالمي والإقليمي واحتمال وقوعه في أيدي إرهابيين. هذا الفشل جعل الرأي العام العربي والإسلامي ينظر إليها بمنظار المتشكك والمتخوف في أفضل الحالات والمعادي في معظم الأحيان. وهذه مرة أخرى مصيبة الإدارة في فشلها الفظيع على شرح مواقفها واقناع العالم.
 
إن الاعتماد المفرط والوحيد على القوة العسكرية أمر له محدوديته مهما كانت قدرات وامكانيات تلك القوة. إن مقارعة الإرهاب العالمي عابر الحدود لا يمكن أن يتم بطرق فردية أو بقرار آحادي. وكذلك الحال مع بقية مشاكل العالم المتكاثرة اليوم في ظل اللانظام العالمي.
 
والأمم المتحدة في شكلها الحالي لا يمكن أن تلعب دورا فاعلا، إذ أن مؤسساتها السياسية هي وليدة نتائج الحرب العالمية الثانية ولا يمكن لها بأي حال من الاحوال أن تكون مجدية في عالم القرن الحادي والعشرين.
 
لقد انتصرت الولايات المتحدة وحلفائها في الحرب الباردة نتيجة تعدد وسائل الصراع وليس بالقوة العسكرية فقط التي كانت بمثابة عامل الردع لا غير. وعند الوقوع في شباك ردود الفعل فقط وعدم القدرة على التخطيط من أجل انتزاع عامل المبادرة وغياب الرؤية الإستراتيجية، عادة ما يلجأ القادة إلى القوة العسكرية على حساب الدبلوماسية وقوة الحجة والمنطق والإقناع. وينسى هؤلاء أن انهيار الكتلة الشيوعية خصوصاً في أوروبا الشرقية الذي عجّل بنهاية الاتحاد السوفييتي، جاء نتيجة استخدام "القوة الرخوة" Soft Power التي تعتمد على نشر القيم والمبادئ مثل مبادئ وقيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان والديموقراطية وحقوق الفرد ومبدأ المواطنة واعتمدت في ذلك على قوة الإعلام والعلاقات العامة وتلجأ إلى قوة الإقناع وتبيان الحجة وقوة المنطق في كسب الآخرين ودحر من يشكلون خطراً على مستقبل العالم.
 
إن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش اليوم عصر البنتاغون الذي غاب فيه دور الدبلوماسية الحكيمة. ما يقلل من تشاؤمنا هو أن الديمقراطية الأمريكية عادة ما تصحح مسارها ولو بعد حين.
 
الأمل أن يكون ذلك قريباً.
 
عن موقع آرام

 

 


أرشيف الكاتب بموقع ليبيا المستقبل


للتعليق على المقال
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

تعليقات القراء:

 

Libyan brother in exile: A thorough and good analysis to the world politics at present and the influence of superpowers on it. I wish you highlighted the position of the Arab countries in your analysis and in particular Libya. We all notice that most of the superpowers conflicts centre around our Arabic countries especially the oil producing ones. Hence they beinfoe hot spots and target for any superpower foreign policy. This fact has made the question of democracy quietly whispered and not loudly forced or raised.  The oil need has exposed the double standards and hypocritical democracy rhetoric of America & Europe. Don't you agree that America or Europe don't care about the question of democracy as long as the oil supply rout is secure.
 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com