27/09/2007
 

سرد تاريخي من العهود القديمة الى أيامنا ...
العرب والبلغار... نقاط لقاء حضارية وسياسية
جورج حداد * - الحياة

 
 

مشهد من صوفيا عاصمة بلغاريا

اعتبرت مشكلة الممرضات البلغاريات في ليبيا استثناء سلبياً في العلاقات الإيجابية العربية – البلغارية. هنا عرض لهذه العلاقات يعود إلى تواريخ قديمة وصولاً إلى أيامنا الحاضرة.
 
< المكتشفات الأثرية الغنية في تراقيا وغيرها من مناطق بلغاريا، والمدونات التاريخية، تكشف العلاقات الوثيقة، الثقافية والدينية والسياسية والاقتصادية، بين البلغار، والإغريق، والعرب، القدماء، في ما بين النهرين، وفينيقيا، ووادي النيل. ونشير في شكل خاص الى كتاب «رسالة ابن فضلان»، للرحالة والعالم العربي احمد بن فضلان، الذي زار بلغار الفولغا في 921 م، على رأس بعثة كبيرة، بناء للرسالة التي وجهها القيصر البلغاري ألموش بن يلطوار الى الخليفة العباسي المقتدر بالله طلباً للإرشاد الديني والدعم ضد مملكة الخزر اليهودية المعادية. وكانت بعثة ابن فضلان تتألف من 5000 رجل من الفقهاء والمعلمين والصنّاع والحرفيين ومعهم حمولة 3000 دابة.
 
ونجد من الضروري تسليط الضوء على العلاقات الحضارية العربية - البلغارية العريقة:
 
1 - التاريخ «الروحي» (الديني) للبلغار القدماء، يماثل التاريخ الديني لسكان ما بين النهرين (ميزوبوتاميا). فالديانة القديمة للبلغار القدماء كانت في إحدى المراحل تقوم على الزرادشتية، التي كانت الديانة المنتشرة في ما بين النهرين وإيران، ولا تزال الى اليوم تجد امتداداً تاريخياً لها في الديانة الايزيدية التي يتبعها حتى الآن قسم من أبناء الشعب الكردي في سورية والعراق.
 
2 - في لغة البلغار القدماء، التي لا تزال محفوظة في الآثار التاريخية، هناك الكثير من المفردات ذات الأصل السومري والاكادي (= العراقي).
 
3 - في مرحلة تاريخية لاحقة تبنى البلغار القدماء الدين الإسلامي، كخيار حر، وقبل أن يصل الفتح العربي - الإسلامي إليهم. ومن الملفت انهم - اي البلغار القدماء - سبقوا الأتراك في تبني الديانة الإسلامية. ولكنهم عادوا فتخلوا عنها، عندما قام الأتراك بتبنيها. إلا ان البلغار تبنوا أخيراً ديانة أخرى، عربية (سورية ـ فلسطينية) الأصل أيضاً، هي الديانة المسيحية. (ونذكر هنا مقولة المؤرخ ارنولد توينبي، بأن كل شعب مسيحي في العالم له «انتماءان قوميان»: الأول، انتماؤه القومي الخاص، والثاني، انتماؤه «السوري»، من خلال انتمائه المسيحي. ويعتبر توينبي، مثله مثل الكثير من العلماء الغربيين والشرقيين، ان الديانة المسيحية هي «ديانة سورية»، وان «العائلة المقدسة» كانت عائلة «آرامية = سورية» وان عيسى المسيح كان يتكلم ويبشر باللغة «الآرامية = السورية»).
 
4 - من الملاحظ ان احمد بن فضلان، وفي رسالته الشهيرة عن بعثته التاريخية الى بلغار الفولغا وشعوب الشمال، يسمي الروس روساً، بينما يسمي البلغار القدماء بالذات «سلافيين» (بالتعبير العربي الكلاسيكي القديم: صقالبة)، مع العلم ان الروس هم اكبر شعب سلافي. وقد تكون في ذلك دلالة على ان التسمية «السلافية» هي في الأساس وصف حضاري، وليست وصفا «قومياً = عنصرياً». ودلالة على ان الروس، وغيرهم من الشعوب السلافية، هم الذين اخذوا التسمية «السلافية» من البلغار القدماء، وليس العكس. والبلغار القدماء كانوا يحملون تسميتين: بلغار وسلافيين. وبعد ان تعممت التسمية «السلافية»، على الشعوب الأخرى، «المسليفة» حضارياً، احتفظ البلغار بتسميتهم «البلغارية» الخاصة. وما يرجح هذا الاستنتاج التاريخي هو واقع ان البلغار القدماء كانوا في تلك المرحلة أكثر تقدماً حضارياً من الروس والشعوب الواقعة اكثر الى الشمال، وهو ما يجد تأكيده في ان البلغار هم الذين عمموا الأبجدية السلافية (الكيريلية) على الروس وباقي الشعوب السلافية.
 
5 - عندما تبنت الدولة البلغارية بقيادة بوريس الأول ـ ميخائيل، الديانة المسيحية في أواسط القرن التاسع، كان هناك صراع كبير بين البابوية في روما والبطريركية المسكونية في القسطنطينية البيزنطية، لاستمالة البلغار الى جانب كل منهما. ولعبت العلاقات البلغارية ـ الشرقية، التاريخية، دوراً أساسياً في الخيار البلغاري للاتحاد مع القسطنطينية والحضارة الهيلينية، وهو ما يجد انعكاسه لاحقاً في انقسام الكنيسة الى «شرقية» و «غربية» في القرن الحادي عشر، واختيار بلغاريا الانتماء الى الكنيسة المسيحية «الشرقية» الارثوذكسية، مع ان القديس كيريل كان قد دفن في روما وطوبه الفاتيكان قديساً.
 
6 - من المعروف تاريخياً ان ظهور الأبجدية الفينيقية يمثل تجسيداً للارتباط القومي للأقوام القديمة التي تشكلت منها الأمة العربية، حيث انها - أي الأبجدية الفينيقية ـ ظهرت كنتاج لتزاوج نوعي خلاق (قام عبر الفينيقيين) بين «الأبجديتين» الهيروغليفية المصرية والمسمارية العراقية - السورية، من جهة، والرمزية الرياضية الشرقية، من جهة ثانية. ومن الفينيقية أخذت الأبجدية الإغريقية القديمة، التي يمكن اعتبارها بجدارة الابنة الشرعية للحضارة الفينيقية - الأم. ومن الإغريقية أخذت الأبجدية اللاتينية التي تفرعت عنها أبجديات اللغات الأوروبية الغربية. وفي هذه العملية الحضارية التتابعية، أُخذت من الإغريقية أيضاً الأبجدية السلافية (الكيريلية) التي كرست اللغة البلغارية القديمة والهوية القومية المستقلة للثقافة البلغارية. ومن الكيريلية أخذت أبجديات جميع اللغات السلافية الأخرى، بحيث اضطلعت الثقافة البلغارية بدور أم حقيقية لثقافة جميع الشعوب السلافية الشقيقة. وفي أيامنا تحتفل الشعوب السلافية في 24 أيار (مايو)، يوم ظهور الكيريلية، بوصفه يوم الثقافة السلافية. وهذا الدور السلافي المميز للبلغار لم يكن صدفة، بل هو تكريس لكونهم همزة وصل قديمة وحضارية خلاقة بين العوالم الشرقية الكبيرة الثلاثة: العربي والإغريقي والسلافي.
 
7 - وبانتمائهم السلافي - الأرثوذكسي، فإن البلغار، مثل اليونانيين والروس وغيرهم من المسيحيين الارثوذكس، لم يشاركوا في الحملات الصليبية ضد العرب والمسلمين، بل كانوا ضحية لها، وحاربوها.
 
8 - وخلال مرحلة الاحتلال العثماني لبلغاريا، تعززت العلاقات المعنوية والروحية بين البلغار والعرب، بفضل ما كان ينقله المواطنون البلغار (لا سيما الحجاج الى القدس، والمعتقلون والمنفيون من الأحرار البلغار في المناطق العربية) من انطباعات عن التعاطف الشعبي العربي ضد الظلم العثماني.
 
9 - وبعد الحرب العالمية الثانية، والقضاء على النظام الاستغلالي القديم الموالي للفاشية، أقامت بلغاريا علاقات وثيقة وواسعة مع البلدان العربية، ربما اكثر من اي بلد آخر في أوروبا الشرقية. ودعمت القضايا الوطنية العربية، وفي طليعتها قضية الشعب الفلسطيني والنضال العادل ضد الاحتلال الإسرائيلي.
 
10 - وعمل في البلدان العربية عشرات الآلاف من أبناء الشعب البلغاري، من العمال المهرة والخبراء والمهندسين والأطباء والعسكريين والديبلوماسيين والصحافيين والمندوبين التجاريين والمهنيين الآخرين. والغالبية الساحقة من هؤلاء، وعائلاتهم، تحمل الانطباعات الإيجابية عن المواطنين العرب الذين عاشوا وعملوا معهم. وكان على رأس أهداف مؤامرة قضية الأطفال الليبيين المصابين بالإيدز، واعتقال المتهمين البلغار في هذه القضية، تقويض علاقات الصداقة الشعبية البلغارية - العربية، وإضعاف الجبهة الموحدة بين الشعوب العربية وشعوب المعسكر الاشتراكي السابق في النضال المشترك ضد سياسة الهيمنة الدولية للإمبريالية الأميركية والصهيونية العالمية.
 
11 - وسبق لبلغاريا الصغيرة، والمحدودة الإمكانات، ان قدمت المنح الدراسية لعشرات آلاف الطلاب العرب. ومن المخزي وضع هذا الإنجاز الحضاري تحت عنوان الاستغلال السياسي أو الحزبي الضيق، فالأحزاب تتبدل، لكن البناء الحضاري يبقى ويتطور. والخريجون العرب من بلغاريا، مثلما هم دعامة أساسية للنهضة العلمية والثقافية في أوطانهم، فهم أيضاً يشكلون جسراً متيناً للصداقة وللعلاقات الحضارية العربية - البلغارية.
 
12 – هناك قسم عربي قديم في الجامعة الوطنية البلغارية، تخرج فيه العشرات من المستعربين. وهناك المئات من الأساتذة الذين أشرفوا على تدريس طلاب عرب. وغالبية هؤلاء وأولئك اصبحوا أصدقاء أوفياء ومؤيدين صادقين للقضية العربية.
 
13 - ويعيش في بلغاريا، كجزء لا يتجزأ من الشعب البلغاري، وإضافة الى الأكثرية من السلافيين الأرثوذكس، مئات الألوف من المسلمين البلغار والأتراك والغجر والكاثوليك واليهود والأرمن وغيرهم، في صيغة مميزة من التسامح والتعايش الديني والاتني. وهو ما يجد انعكاسه الإيجابي على الجالية العربية التي تعيش حالياً في بلغاريا.
 
14 - الجالية العربية في بلغاريا الآن كبيرة نسبياً تعد بضعة آلاف. وقسم كبير من أبنائها يحملون الجنسية البلغارية. وهناك الكثير من الزيجات المختلطة. وتضم الجالية في صفوفها عدداً كبيراً من المثقفين، غالبيتهم من خريجي بلغاريا. ويشغل بعض رجال الأعمال العرب مواقع اقتصادية في بلغاريا. وتوجد ثلاث مدارس عربية يدرس فيها غالبية أبناء الجالية وعدد محدود من التلامذة البلغار.
 
15 - بعد الأحداث المؤسفة في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وإعلان الرئيس جورج بوش «حربه الصليبية» الجديدة، جرت في أميركا «الديموقراطية» خصوصاً وفي العديد من البلدان الغربية عموماً، حملة قمع وتحريض عنصرية مخزية ضد العرب والمسلمين، تذكر تماماً بالهتلرية. وخلافا لذلك، فإن الجالية العربية بخاصة، والمسلمين بعامة، في بلغاريا، لم يواجهوا أي وضع عنصري استثنائي.
 
* كاتب لبناني مقيم في صوفيا
 
عن صحيفة الحياة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com