بعد رئاسة غول لتركيا.. هل ستفتح
الابواب لمراجعة العلمانية ؟

بقلم: محمود الناكوع
شهد اليوم الثامن والعشرون من شهر آب
(اغسطس) 2007 حالة سياسية فريدة من نوعها، وهي حالة اثارت وسوف تثير الكثير من
الجدل السياسي علي مستويات عدة.. في تركيا، وهي آخر بلد افل فيه هلال الخلافة
الاسلامية في عشرينيات القرن الماضي، كان في هذا اليوم لعبد الله غول موعد مع
تاريخ جديد لتركيا ولو رمزيا، فاصبح غول صاحب السيرة الاسلامية رئيسا لدولة ظل
يراسها العلمانيون لاكثر من سبعين عاما، وظلت الكلمة العليا فيها لاصحاب القبعات
من العسكريين والمدنيين، وهي قبعات غربية وترمز الي الغرب وثقافته.
فتركيا عرفت منذ ان حكمها اتاتورك انها
قطعت الصلة بالاسلام قطعا واضحا. واذا كانت حركة الناس والافكار لا تظل علي حالة
واحدة جامدة فلماذا تبقي العلمانية علي حالة واحدة، ومضمون واحد.
لماذا لا يطور العقل المسلم العلمانية
لتصبح منسجمة مع الاسلام او غير معادية له علي الاقل، خاصة انها تعني الدنيا
والانشغال بها، والاسلام يعطي للدنيا حقها من الاهتمام. وهي في ذلك مثل
الديمقراطية التي كانت مرفوضة او قليلة التداول ثم اصبحت مصطلحا مقبولا لدي كل
الحركات الاسلامية المعتدلة، وذات البرامج السياسية الاصلاحية، ولدي كثرة من
المفكرين.
ولعباس محمود العقاد كتابه المعروف
المعنون بالديمقراطية في الاسلام، وهناك كتب اخري كثيرة في هذا الموضوع، تبحث عن
التوافق بين ما انتهجته الحضارة الغربية من نظم ومصطلحات مهمة، وبين ما في تراثنا
الاسلامي من ثروة لغوية ومعرفية قادرة علي الهضم والاستيعاب، وقادرة علي احتضان
المفردات اللغوية من لغات وثقافات اخري والتعامل معها ايجابيا ودمجها في ثقافتنا.
ومن الواضح ان الحركات الاسلامية
المشاركة في العمل السياسي قد قبلت عمليا بمصطلح الديمقراطية الغربي واصبح جزءا
من خطابها الاسلامي مع تحفظات قليلة عند البعض. والعلمانية بفتح العين لها
تعريفات كثيرة قديما وحديثا، وفي كتاب د. عبد الوهاب المسيري (العلمانية الجزئية
والعلمانية الشاملة) تفصيلات مهمة عن تلك التعريفات واختلافاتها وتطوراتها.
والعلمانية اليوم في اوروبا ليست
واحدة، فعلمانية بريطانيا تختلف عن علمانية فرنسا، وهناك دول علمانية غربية كثيرة
قد قبلت لابسات الخمار او الحجاب، فلهم حق العمل في مؤسسات الدولة والمجتمع.
وربما سيقود الجدل في تركيا وخارجها الي ان العلمانية في تركيا ليس من المحتم ان
تظل بتفسير واحد ثابت لا يقبل التعديل او التغيير، او ان تظل علمانية فاشية كما
وصفتها بعض الصحف الغربية في سنوات مضت حسب ما ورد في المجلد الاول من كتاب
المسيري عندما تحدث عن مراجعة الغرب لمفهوم العلمانية.
لا شك ان العالم في تغير مستمر، يتغير
في علومه وثقافاته وسياساته واقتصادياته، وتغيرت الكثير من نظمه السياسة خلال
القرن العشرين من وضع الي نقيضه، واكبر مثل علي ذلك ما حدث في الاتحاد
السوفييتي.. وما حدث في تركيا هذا العام يمكن ان نضعه في سياق حركة التاريخ وسنن
التغير ودوراتها المتعاقبة، وقد تختلف اسباب التغيير ووسائله، وتظل النتيجة
واحدة، وهي ان التغير قد حدث فعلا.. وكما يبحث الانسان دائما عن الجديد في الطب
والهندسة والغذاء وكافة العلوم، هو كذلك يبحث اجتماعيا وسياسيا عن الجديد في
موضوع الدولة ونظمها، ويبدع في البحث عن صيغ جديدة للتوافق والتماسك والنجاح داخل
المجتمع الواحد، ومن الواضح ان عبد الله غول ومن جاء به لمنصة الرئاسة قد ابدعوا
فكرا سياسيا نجح في الفوز بتلك الاغلبية البرلمانية التي رفعته الي رئاسة الدولة
رغم معارضة العسكريين والمدنيين من بقايا مدرسة كمال اتاتورك وحزب الشعب الذي فشل
في الحصول علي دعم شعبي يؤهله للمعارضة.
ولا شك ان الفضل يرجع الي الديمقراطية
التركية التي حافظت علي الممارسة الصحيحة في تحقيق العدالة والقبول بنتائج صناديق
الاقتراع، وهي النتائج التي تعكس توجهات الراي العام وخياراته، وقد قال الشعب
كلمته واختار حزب العدالة والتنمية التركي عن وعي وعن طيب نفس، ولم يلتفت الشعب
التركي الي اصوات قيادات حزب الشعب، وغيرهم من الذين حذروا من نوايا قيادات حزب
العدالة والتنمية... هنا يكتشف المراقب والمحلل ان هناك وعيا جديدا لدي الاوساط
التركية، هذا الوعي يتمثل في الخطاب السياسي الاقتصادي الذي طرحه حزب العدالة،
والذي بدأ في تطبيقه اولا علي مستوي البلديات وما يحتاجه المواطن التركي من خدمات
يومية، ونزلت قيادات الحزب الي الشوارع، الي الاسواق، الي كل مؤسسات الخدمات
العامة، وشمرت تلك القيادات عن سواعد العمل والاصلاح، ومارست العمل اليومي بروح
التجرد والاخلاص بطرق لم يعرفها الشعب التركي من الاحزاب الاخري.
وأحس المواطن التركي من خلال ما انجز
انه وجد القوة السياسية التي تستحق ان يعطيها ثقته وصوته اثناء الانتخابات.
وعندما جاءت فرصة الاختيار، وضع بطاقته في صندوق مرشح حزب العدالة والتنمية ونجح
الحزب باغلبية ساحقة، واصبحت المؤسسات الرسمية في الدولة تحت تصرفه وبقيادة من
يختارهم لتحقيق التحول الذي يسعي اليه الحزب.
والآن تبدأ المرحلة الصعبة، وهي مرحلة
المحك العملي، وتحقيق مطالب المواطن، وكسب تاييده المستمر وعدم اعطاء اي مبرر
للمتربصين وخاصة قيادة الجيش التي قبلت علي مضض وصول عبد الله غول الي قصر رئاسة
الجمهورية بتكوينه الاسلامي وزوجته المحجبة وخلفه مجلس للوزراء وآلاف من القيادات
السياسية والمهنية التي تجسد بفكرها وفعلها منعطفا جديدا في تاريخ تركيا، وربما
في تاريخ المنطقة التي يحلو دائما للغرب ان يسميها الشرق الاوسط.
مجمل هذه المكاسب التي حققها حزب
العدالة والتنمية، وخاصة اتساع شعبيته، ستزوده بقدرة معتبرة للتفاوض مع الاتحاد
الاوروبي، وكلما تطورت المحادثات نحو قبول تركيا عضوا في الاتحاد كلما ضاق الخناق
علي الفاشية العسكرية، لان الدول الغربية لن تقبل باي انقلاب علي الديمقراطية،
وعندها يتعزز موقف الرئيس عبد الله غول بشان اتخاذ خطوات حاسمة تهدف الي مراجعة
(العلمانية التركية) وتحديثها بحيث يتم الغاء عدد من القرارات غير الديمقراطية،
ومنها منع المحجبات من دخول الجامعات والبرلمان والمؤسسات الاخري، وغير ذلك من
السياسات المتطرفة في بلد اغلب سكانه من المسلمين. ان تركيا اليوم لم تعد تركيا
الكمالية، وان ابواب التجديد ستفتح ولكن بحذر وعقلانية. وسوف نتابع ميلاد تجربة
سياسية جديرة بشعب لم تجف فيه منابع الاسلام، رغم كل عمليات التجفيف المتعمد.
نقلا عن القدس العربي
|