القس هنري
فيلدهاوس، يبدو لأول وهلة رجل دين مثل بقية رجال الدين، يجلس
في مكتبه المكتظ بالكتب والمخطوطات القديمة. ويتحدث بهدوء
ومنطقية لتوضيح وجهة نظره بعد أن أثارت أراءه ضجة كبيرة
أوساط الكنيسة البروتستانتية الهولندية. انتقد فيلدهاوس
انحيازالكنيسة لاسرائيل واتهمها بأنها تتجاهل الانتهاكات
الاسرائيلية لحقوق الشعب الفلسطيني. يعتقد فيلدهاوس أن
علىالكنيسة أن توثق ارتباطها بمفهوم اسرائيل المعرف به في
التوراه أي كل المؤمنيين الذين قبلوا ميثاق الله وليس مع
دولة اسرائيل والعرق اليهودي بأكمله.
في العام 2004
اندمجت ثلاثة كنائس لتشكل الكنيسة البروتستانتة الحالية،
والتي تعتبر ثاني أكبر طائفة في هولندا حيث يقدر عدد أعضائها
الاجمالي بمليوني مؤمن. يشارك القس فيلدهاوس في المجمع
الكنسي الذي يضم رجال الدين من جميع الكنائس التي اندمجت في
2004. وقد ألقى الشهر الماضي كلمة في حفل افتتاحية لجمعية
"أصدقاء من اجل هولندا" التي تهدف لمساندة مركز سبيل للاهوت
التحرر في مدينة القدس. وكرر في كلمته انتقاداته للكنيسة مما
أثار غضب بعض الأعضاء المتشددين. وتلقى فيلدهاوس رسالة
تحذيرية لاذعة من القادة البارزين في الكنيسة البروتستنتية
اتهموه فيها بالوقوع في حفرة لاهوت التحرير الفلسطينية.
تحدثت مع القس فيلدهاوس لتوضيح ما يرمي اليه.
ما الذي تهدف اليه باقتراحاتك للكنيسة لاعادة النظر في
علاقاتها مع اسرائيل؟
هدفي الأول أن
افتح باب النقاش حول الموضوع. منذ الثمانينات وأنا اعبر عن
اعتراضي على موقف الكنيسة تجاه اسرائيل. كتبت عن هذا الموضوع
في السنوات الماضية وبعد أن زرت الأراضي المحتلة العام
الماضي أعطاني هذا دفعة للأمام لكي اطرح الامر للنقاش من
جديد.
ينص دستور المجمع الكنسي الحالي أن الكنيسة البروتستانتية
بأكملها لها "ارتباط أبدي" لا يمكن التخلي عنه باسرائيل. فما
هو المقصود من مصطلح الارتباط الأبدي في رأيك؟
من الصعب التعريف
بهذا المصطلح. يجب علينا أن ندرك أولا الأحداث التاريخية
التي دفعت بالكنيسة لتبني هذا المصطلح. ولّدت الحرب العالمية
الثانية شعورا بالذنب لدى المسيحين الأوروبيين. وحتى في
القرون الماضية كانت الاتجاهات اللاسامية منتشرة في أوروبا.
وعندما أنشأ اليهود دولتهم في أرض فلسطين، كانت الكنيسة من
المناصرين للدولة الوليدة بسبب الشعوربالذنب، ولكن أيضا لأن
الكنيسة أرادت توثيق الصلة مع جذورها العميقة في التراث
اليهودي، ومن هنا بدأت العلاقة الوطيدة بين الكنيسة
واسرائيل.
العديد من علماء
الدين في ذلك الوقت رؤوا أن الله لم ينس شعبه وأن هذه علامة
للمسيحيين أجمعين. في العام 1970 نشرت الكنيسة مذكرة بعنوان
"اسرائيل: الشعب، الأرض، والدولة". نصت المذكرة على أن عودة
شعب اسرائيل الى أرض الميعاد هي علامة من الله وأن الله قد
وفى بوعده لاسرائيل باقامة الدولة العبرية. وبما أن المسيحية
وليدة التراث اليهودي أرادت الكنيسة أن توثق صلتها بجذورها
مما ادى إلى مساندة دولة اسرائيل دون شروط. كانت هذه المذكرة
فعالة للغاية لأنها وهبت قيام الدولة العبرية تبريرا مبنيا
على أسس دينية ثيولوجيه. وبالرغم من انتقادات عديدة ومتكررة
لهذا الارتباط تبنى المجمع الكنسي في دستوره هذا الموقف منذ
ذلك العام. وما زال هذا الموقف هو السائد في الكنيسة.
ما هو اعتراضك على الارتباط مع اسرائيل؟
موقفي من هذا
المنطق هو أنني لا أنكر أن المسيحية لها جذورها في التراث
اليهودي. نصوصنا الدينية المسيحية بدأت من اليهودية ولقد
درست النصوص والتراث اليهودي لعدة سنوات. ولكن المنطق الذي
تتبعه الكنيسة الآن مبني على علاقة مع العرق اليهودي بأجمله
وهذا ما أعترض عليه.
هنالك فرق بين
اليهود كمجموعة عرقية واليهود كمجموعة من المؤمنيين أو "شعب
التوراة". أي اليهود المؤمنيين بالعهد القديم. عندما تستخدم
الكنيسة مصطلح الارتباط الأبدي مع الشعب اليهودي أعتبر هذا
علاقة مع العرق اليهودي أينما كان وبغض النظر عما اذا كانوا
من المؤمنيين بالعهد القديم أو لا. في رأيي هذا يتعارض مع
قراءتنا للعهد القديم. لأن الله لم يختار الشعب اليهودي
بناءا على صفات العرق اليهودي، وانما المقصود هنا هو اليهود
الذين أمنوا بميثاق الله وتبعوه. اختار الله شعبه من
المؤمنيين الذين تبعوه. وليس المقصود هنا اليهود أينما كانوا
وكيفما أمنوا. وليس المقصود هنا أيضا دولة اسرائيل الحديثة
لأنها أيضا دولة شأنها شأن جميع دول العالم وليس هناك ما
يميزها عن الآخرين. نحن نستخدم الأيمان والدوافع الدينية
لنجعل من اسرائيل المثال الأعلى.
كيف تعاملت المذكرات والتقارير الكنسية مع الفلسطينين حتى
الآن؟
في جميع التقارير
ذُكر الفلسطينيين بالطبع. وشددت الكنيسة عل ضرورة ايجاد حل
عادل. كما تساند الكنيسة حل الدولتين. لكن كل هذه المواقف
بقيت حبرا على ورق لأن الكنيسة من الناحية العملية لم تفعل
أي شئ للتواصل مع الفلسطينين ومناصرتهم. هنالك جزء متواضع من
أعضاء الكنيسة نادوا بمناصرة الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني
بعدل في مصطلح جديد سموه ب"الولاء المزدوج" ولكنهم لم يحظوا
بدعم المجمع الكنسي.
أنت الصوت الوحيد الذي يدعو لإعادة للنظرفي موقف الكنيسة .
لماذا لم نر أو نسمع أي من الأعضاء الآخرين الذين يوافقونك
الرأي؟
نحن أقلية الآن
لكن من الممكن أي يتغير هذا بسرعة. هنالك شعور مصحوب بالقلق
والجميع يترقب مذكرة الكنسية حول الموضوع والتي نتوقع أن
نناقشها خلال اجتماع المجمع الكنسي في شهر تشرين الثاني من
هذا العام. سيتم نشر المذكرة أيام قليلة قبل الاجتماع بسبب
حساسيتها.
ما هي مخاوف الكنسية في رأيك؟
لا تريد الكنيسة
أن تثير الضجة والخلاف بين رعاياها. تريد أن تتفادى الأمور
الحساسة. أحد الأشخاص الذين هاجموني هو السيد يان فان دير
خراف العضو البارز في المجمع. يبدو أنه لا يريدني أن أعبر عن
رأيي ويتخوف من أن أحظى بدعم في الكنيسة. كما أنه من الرجال
ذوي المناصب العليا في الكنيسة. لا يريد قادة كنيسة
البروتستانتية اشعال خلافات قوية لا سيما بعد اندماج الكنائس
الثلاثة بصعوبة في العام 2004. أحد انتقاداتي للكنيسة أنهم
يتخوفون من النقاش والخلاف. ولكنني أعتقد أن النقاش ظاهرة
طبيعية وبامكان رعايا الكنسية أن يشاركوا في النقاش البنّاء.
أفهم تماما أنه من الصعب أن نتوصل الى اتفاق يجمعنا تحت موقف
واحد لكن هذا لا يمنع ضرورة النقاش المفتوح.
هل تريد الكنيسة أن تتجنب خلط الدين
بالسياسة؟
أعتقد أنهم يهابون
الانتقادات لأن معظم الرعايا يحبون اسرائيل ويساندونها.
هل هناك عوامل أو مؤثرات ضغط على
المجمع الكنسي من الخارج؟
بالطبع هنالك
علاقات واتصالات مع السفارة الاسرائيلية، مع دائرة التوثيق
والمعلومات لاسرائيل. ومع بعض السياسيين. تقوم السفارة عل
سبيل المثال بزيارة المجمع الكنسي. هنالك محاولات لممارسة
الضغوط.
من خبرتي مع رعايا
كنيستي هنا في مدينة كولمبورج أرى أن الناس أدركوا أن الوقت
قد حان لإعادة النظر في موقفنا. هنالك قابلية واستعدادا
للنقاش على مستوى الرعايا.
منذ أن ألقيت الكلمة التي أثارت الضجة خلال حفل تأسيس جمعية
أصدقاء سبيل، احتد النقاش حول موقفك. تلقيت رسائل لاذعة من
قادة بارزين في المجمع الكنسي، وهّلت مئات من ردود الفعل عىل
مقالة عن نفس الموضوع نشرتها صحيفة هآرتس الاسرائيلية في
نهاية الأسبوع الماضي. معظم هذه الردور تتهمك باللاسامية، ما
هو ردك على هذه الاتهامات؟
لن استجيب لهذه
الاتهامات. أنا اطالب كل من يتهمي باللاسامية أن يعطيني
الدليل. كما أنني درست الثيولوجيا والفلسفة اليهودية بتعمق.
أعرف التقليد اليهودي بعمق وأحبه أيضا. لا أحب اسراتيجية
التلاعب بالمشاعر والاتهامات باللاسامية ولكنني لا اعبأ بها.
أدعم رأيي بالمنطق والدلائل ولا أتبع مسار التلاعب بالمشاعر
والشعور بالذنب. كما قلت سابقا الوقت تغير ولا أعتقد أن هذه
الاتهامات فعالة على المدى البعيد. رأى الهولنديون ما يكفيهم
من الانتهاكات الاسرائيلية. وحان الوقت لاتخاذ موقف حازم.
بالطبع ليس من هولندي يساند التفجيرات الانتحارية والعمليات
التي يقوم بها المسلحون الفلسطينون. ولكن هذا لا يعني أن نقف
مكتوفي الأيدي. والدي من المسيحيين المتشديين ومحبي دولة
اسرائيل. ولكنه عندما رأى رسالة الرد على رسالة الاعتراض
التي تلقيتها من قادة المجمع الكنسي كانت ردة فعله ايجابية
وهذه علامة جيدة لأنه من المتشددين.
ماذا ستفعل اذا لم تفلح المذكرة المنتظرة والاجتماع القادم
في تغيير موقف الكنسية؟
لن أتوقف عن
المناداة بما أومن به. لأن وجهات النظر تتغير وهذا التغيير
لا يمكن عكسه في رأيي. لن نفلح في تغيير دستور الكنيسة في
اجتماع واحد لكننا على الأقل نضع الفلسطينيين على أجندة
النقاش وهذا بذاته انجاز جيد.
عن موقع إذاعة
هولندا (العربية)
|