14/03/06


 

كيف كان سيتصرف الرسول (ص) لو كان حيّا ؟

 

 

 أحمد أبو مطر

 

أقصد كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم سيتصرف إزاء الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إليه لو كان حيّا؟. وهذا السؤال إفتراضي لأن الرسول (ص) قد إنتقل إلى الرفيق الأعلى ، ورغم ذلك يمكن الوصول إلى إجابة تقريبية على هذا السؤال ، من خلال إستعراض ردود فعل الرسول (ص) إزاء أعمال مشابهة أساءت إليه في حياته وبشكل صارخ أكثر بكثير من هذه الرسوم . في البداية من المهم أن نوضح أن إستعراض السيرة النبوية الشريفة ، يعطينا أجوبة على العديد من مشاكل  حياتنا المعاصرة التي تتطلب تحديد مواقف منها ، إذا أردنا أن نقتدي ميدانيا بسلوك الرسول (ص) ونجعله قدوة لنا بدلا من التغني اللفظي بهذه السيرة الشريفة وفي الواقع نمارس عكسها ونقيضها تماما ،وبالتالي تكون إساءتنا للرسول (ص) مضاعفة . هل هناك في حياة الرسول (ص) من أساء له وأهانه أكثر من إساءة الرسوم الكاريكاتورية ؟. وكيف كان يتصرف إزاء هؤلاء المسيئين له والمهينين لكرامته ؟؟.

 

كانت الإساءات والإهانات والتحقيرالذي واجهه الرسول في بداية البعثة في مدينة مكة، ومن قومه المقربين من قريش، أمر يكاد لا يصدق خاصة أنه من عشيرته وأهله (وظلم ذوي القربى أشد مرارة ..) ، وسوف أعتمد في رصد هذه المواقف على كتاب (الرحيق المختوم: بحث في السيرة النبوية) للشيخ صفى الرحمن المباركفوري ،الطبعة الثانية لدار إحياء التراث العربي -  بيروت ، وبالتالي فالإشارة إلى الصفحة تعود إلى هذه الطبعة ، ومن المعروف أن هذا البحث من الكتب المعتمدة ، فهو قد حاز على الجائزة الأولى لمسابقة السيرة النبوية التي نظمتها رابطة العالم الإسلامي  ، عام 1396 هجري الموافق 1976 م .

 

أول ما أستخدمه خصوم الرسول (السخرية والتحقير والتكذيب والتضحيك ....فرموا النبي بتهم هازلة وشتائم سفيهة ، فكانوا ينادونه بالمجنون...ويصفونه بالسحر والكذب ...وكانوا إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه ، إستهزأوا بهم وقالوا : هؤلاء جلساؤه ) ص 77 – 78 . وكانت (امرأة أبي لهب ...لاتقل عن زوجها في عداوة النبي (ص) ، فقد كانت تحمل الشوك وتضعه في طريق النبي (ص) وعلى بابه ليلا ، وكانت إمرأة سليطة تبسط فيه لسانها ، وتطيل عليه الإفتراء والدس ، وتؤجج نار الفتنة ، وتثير حربا شعواء على النبي (ص) لذلك وصفها القرآن بحمالة الحطب ) ص 81 . ( قال ابن إسحق: كان النفر الذين يؤذون رسول الله (ص) في بيته أبا لهب ، والحكم ابن أبي العاص بن أمية ، وعقبة بن أبي معيط ، وعدي بن حمراء الثقفي ، وابن الأصداء الهذلي - وكانوا من جيرانه - ....... فكان أحدهم يطرح عليه (ص) رحم الشاة وهويصلي ، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له ، حتى اتخذ رسول الله (ص) حجرا ليستتر به منهم إذا صلى ، فكان رسول الله(ص) إذا طرحوا عليه ذلك الأذى يخرج به على العود ، فيقف به على بابه ، ثم يقول : يا بني عبد مناف ! أي جوار هذا ؟ ثم يلقيه في الطريق )ص82.

 

وقد روى البخاري عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : أن النبي كان يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس ، إذ قال بعضهم لبعض أيكم يجيء بسلا جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد . فانبعث أشقى القوم (وهو عقبة بن أبي معيط) جاء به فنظر ، حتى إذا سجد النبي لله وضع على ظهره بين كتفيه ....فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض (أي يتمايل بعضهم على بعض مرحا وبطرا) ورسول الله ساجد لايرفع رأسه ، حتى جاءت فاطمة ، فطرحته عن ظهره ، فرفع رأسه، ثم قال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات) ص 82 . وأخيرا فإن قصة الرسول (ص) مع جاره اليهودي معروفة ، ذلك الجار الذي كان يلقي كل صباح الزبالة والقمامة على باب بيت الرسول(ص) ، وعندما إنتبه الرسول يوما أن لا قمامة ولا زبالة ملقاة على باب بيته ، وعرف أن ذلك الجار مريض ، ذهب الرسول (ص ) وزاره في منزله .

  

هل تصرفنا إزاء الرسوم بمنطق وأخلاق الرسول؟

 

بعد هذه الإستشهادات الموثقة من السيرة النبوية الشريفه ، أليس من المنطقي أن نراجع تصرفاتنا كعرب ومسلمين إزاء الرسوم الكارتونية التي أساءت للرسول (ص) ، كي نكتشف أن أغلب هذه التصرفات خاصة حرق السفارات في دمشق وطهران، كانت أعمالا همجية تتنافى مع سلوك الرسول (ص) وأخلاقه، وأنها أساءت لصورته وأخلاقه أكثر من الرسوم ذاتها !!. هذه الرسوم لاتساوي نقطة في بحر الإهانات المذكورة التي تعرض لها الرسول(ص) في حياته، وتمعنوا كيف كانت ردوده أخلاقية مفحمة للمسيء له، عارضة الوجه الأخلاقي لرسالته . تخيلوا لو كانت ردودنا على الرسوم بنفس المنطق النبوي كم كنا سنكسب إحتراما ، وكم كنا سنعطي من الصور الرائعة المقنعة عن الإسلام ورسالته ؟؟.

 

ونحن نعرض هذا السلوك النبوي الرائع ، ما يزال الجدل قائما بين دعاة الإسلام وشيوخه حول مؤتمر أولقاء الحوار الذي جرى في الدانمرك ، حيث عارضه وقاطعة الشيخ يوسف القرضاوي ، وذهب إليه وشارك فيه الداعية عمرو خالد ، وأنا لا أضع نفسي مطلقا في مستوى علم وفقه الشيخ القرضاوي ، ولكن مجرد تساؤل: إنسجاما مع سلوك الرسول(ص) سابق الذكر، أما كان من الفائدة للإسلام والمسلمين أن يذهب الكثيرون من الشيوخ والدعاة للحوار والنقاش ، كي نبين لهم في عقر دارهم سماحة الإسلام ورسالته الإنسانية ؟؟. أعتقد كنّا سنكسب أكثر بكثير من المقاطعة وحرق السفارات ، كما أنه من جانب آخر بالنسبة للمسلم العادي حيث في الأقطار العربية وحدها  ستون بالمائة من الأميين ، هل يسترشدون بموقف الشيخ القرضاوي أم الداعية عمرو خالد ؟؟. ومن المهم التأكيد أن لكل منهما الآلآف المؤلفة من المريدين والمتابعين لبرامجهما في الفضائيات .

 

ahmad64@hotmail.info

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com