|
15/03/06
نظام بشار الأسد وهدف تخريب العلاقات العربية أولا !
د. أحمد أبو مطر
مؤتمر ما يسمى الأمانة العامة للأحزاب العربية الذي عقد في دمشق عاصمة الصمود والتصدي والتوازن الإستراتيجي الإسبوع الماضي ، كان حلقة من مسلسل الانهيارات العربية حيث سيادة الخطابات العاطفية النارية من ممثلي الأحزاب ورئيس الدولة المضيفة بشار الأسد ، وفي الوقت ذاته السعي الدؤوب لتوتير العلاقات العربية-العربية ، والتغني بالتضامن العربي المفقود في الوقت ذاته ....وسنرى في التفاصيل :
أولا: الأحزاب العربية
هذه الأحزاب العربية التي لها ما يسمى أمانة عامة ، هي واحدة من سلسلة عربية لكافة المهن ، فلدينا في الأقطار العربية صرعة لا مثيل لها في أي من القارات الخمس أو الست لا أدري ، وهي كمثال : الإتحاد العام للكتاب العرب ، الإتحاد العام للمحامين العرب ، الإتحاد العام للمعلمين العرب ، الإتحاد العام للمرأة العربية ، الإتحاد العام للصحفيين العرب ، الإتحاد العام....إلخ ، وهي إتحادات شكلية لم تقدم خطوة واحدة في مجال عملها طوال نصف قرن ، سوى إتاحة الفرصة للقائمين عليها للفسحة والتنقل في الأقطار العربية لإصدار بيانات خطابية لدعم الأنظمة الديكتاتورية تحديدا ، فمن الملاحظ أن غالبية مؤتمرات هذه الإتحادات عقدت في دمشق وبغداد لدعم النظامين المستبدين في هذين القطرين ، حيث لا مثيل لإستبدادهما وجرائمهما بحق الشعبين السوري والعراقي . والكل يتذكر سلسلة المؤتمرات والبيانات والزيارات التي قام بها مسؤولو تللك الإتحادات لبغداد قبل سقوط الطاغية ونظامه ، متحدين عذابات وآلآم الشعب العراقي . ونفس المسلسل المصلحي الهزيل يتكرر منذ شهور مع النظام السوري ، فما إن إرتاحت أبصارنا وأنظارنا من مطبلي ومصفقي إتحاد المحامين العرب قبل أسابيع قليلة ، حتى أتحفتنا الأمانة العامة للأحزاب العربية بمؤتمرها الغوغائي في قلب العروبة النابض دمشق لدعم النظام القومي في مواجهة الصهيونية والإمبريالية ، التي تموت غيظا وقهرا من قدرته الفائقة على إقامة التوازن الإستراتيجي خلال أربعين عاما فقط ، والضربات القاتلة التي وجهها للعدو الإسرائيلي ، وأسفرت عن اندحاره خائبا من الجولان المحتلة وعودتها للوطن الأم ، وهاهي قوات النظام الضاربة تستعد لخوض معارك تحرير فلسطين ومن قبلها الإسكندرونة المحتلة منذ عام 1936 فقط ، وأيضا سبتة ومليلة رغم أنف الحاقدين !!!.
وتكشف الأسئلة التالية المصيبة الكبرى التي يعيشها المواطن العربي من جراء هذه الإنتهازية الغوغائية:
أولا: لماذا لم يتجرأ ممثلو الأحزاب العربية على سؤال الرئيس بشار الأسد عن مصير المئات من ممثلي وأعضاء الأحزاب السورية في السجون ، والآلآف منهم في الخارج غير مسموح لهم أن يعودوا إلى بلادهم ؟ .
ثانيا : لماذا يقبل ممثلو هذه الأحزاب بالقمع ومصادرة الحريات التي يعيشها المواطن السوري منذ أربعين عاما ، ويرفضون ذلك في بلادهم ؟. أم أن الشعب السوري لا يستحق الحرية والديمقراطية ؟. وهذا يذكرنا بالدفاع الإنتهازي الدائم والمستميت لواحد من أعضاء هذه الأحزاب عن هذا النظام الدموي ، وهو عزمي بشاره ممثل ما يسمى التجمع القومي العربي الوحدوي في إسرائيل ، حيث دأب على التغني بأمجاد هذا النظام إلى درجة أن هاجم الكتاب والسياسيين السوريين الذين يناضلون من أجل الحرية والتعددية السياسية ، ونصّب نفسه محاميا عن الشيطان البعثي السوري متحديا مشاعر كافة القوى السياسية السورية . وفي دفاعه المصلحي الإنتهازي عن الشيطان البعثي ، استهتر بعموم الشعب اللبناني أيضا عبرتساؤله اللامنطقي الموجه للشعب اللبناني إبان إنتفاضته الشعبية ضد الإحتلال العسكري السوري : ( ماذا يريد اللبنانيون من سورية ؟ ) ، وأجابه يومها العديد من الصحفيين والكتاب اللبنانيين : نريد حريتنا والديمقراطية التي تسمح لك بالمجيء من إسرائيل للقاء الطغاة وتعود إلى بيتك دون أن تعتقل !!.
ثانيا : النظام البعثي وأساليبه
المثير للإستهجان والإدانة هو خطاب الرئيس السوري بشار الأسد في هذا المؤتمر ، فالمؤتمر يعقد للتضامن مع هذا النظام ، ورئيس النظام يثير الفتن والمشاكل مع جيرانه العرب بدون أي مبرر أو مناسبة ، فقط لاعتقاده الأرعن أن المزيد من الخلافات والتوتير مع جيرانه ، يلفت الأنظار بعيدا عن الضغوط الدولية على نظامه بسبب ملف جريمة إغتيال رفيق الحريري . فبعد أن أشعل الساحة اللبنانية توتيرا عبر وكلائه المحليين وبقايا مخابراته، وإستعمال مسألة إقفال الحدود بين البلدين للضغط على الإقتصاد والمواطن اللبناني ، إلتفت بدون سبب للجار الأردني متمحكا لخلق مشكلة بين القطرين ، من خلال نقده اللامنطقي وغير المقنع للشعار المطروح في الساحة الآردنية منذ ثلاث سنوات ( الأردن أولا ) . وهو المنطق المطبق لدى كافة الأنظمة العربية بدون استثناء بما فيها النظام السوري ، فكل هذه الأنظمة تفكر في مصلحة بلدانها أولا ، ثم تطبق التزاماتها إزاء الأقٌطار العربية الأخرى حسب ما بينها من اتفاقيات وتعاقدات ، وهذا هو المنطق في ظل غياب وحده عربية أو سوق عربية مشركة ، فما هو العيب أو الخلل الذي يجعل الرئيس السوري ينتقد هذا الشعار الأردني وبطريقة لا تهدف إلا لخلق المشاكل وتوتير العلاقة مع الجار الأردني ، عبر قوله أمام مؤتمر الأحزاب العربية الذي أنهى إجتماعاته في دمشق قلب العروبة النابض يوم الأربعاء الموافق الثامن من مارس الحالي : ( شخصيا أعتبر شعارات من طراز الأردن أولا مقدمة لشعارات مثل إسرائيل وأمريكا ثانيا ) ، بالإضافة إلى أنه تعبير غبي بكل المقاييس ، فما دخل إسرائيل وأمريكا بذلك ، وكأنه لا يسعى بكل ما يملك لرضى أمريكا ، وتوقيع إتفاقية صلح مع إسرائيل ، وهولا يخفي إتصالاته المباشرة وغير المباشرة مع إسرائيل وأمريكا .
إن هذا النظام بعد توتير علاقاته حتى القطيعة مع لبنان والعراق ، عبر تصدير المشاكل للبنان والإرهاب والإرهابيين للعراق ، لم يجد ملفا حقيقيا لإفتعال المشاكل مع الجار الأردني فلجأ إلى هذا الإسلوب الصبياني الذي يؤكد ما قاله عبد الحليم خدام وغيره عن صبيانية هذا الرئيس وعدم قدرته على التفكير المنضبط والتصرف بهدوء وحكمة والتحكم في تصرفاته . فهل هذا الإسلوب يخدم التضامن العربي الذي تسعى إليه الأحزاب العربية ، ولماذا سكوتها على هذه التصرفات التي تخدم القطيعة العربية ، وتصفيقها لمن يسعون ويخدمون ذلك ؟. هل هذا يصب في صالح مصداقيتهم أم إنتهازيتهم ؟؟.
وماذا عن ممثلي الأحزاب الأردنية في المؤتمر المذكور؟؟
في ذلك المؤتمر في عاصمة الصمود والتصدي والتوازن الإستراتيجي ، كان يوجد ممثلو العديد من الأحزاب الأردنية : حزب جبهة العمل الإسلامي وحزب البعث السوري ، وحزب البعث العراقي وآخرون من الشخصيات مثل إسحق الفرحان الذي كان يجلس على المنصة الرئيسية ، وكلهم صفقوا بحماس منقطع النظير لكلام بشار الأسد ، وبعد انتهاء المؤتمر عادوا إلى عمّان ، وإلى بيوتهم وعائلاتهم حاملين الحلويات الدمشقية من ساحة المرجة ، دون أن يعتقلوا في الحدود أو يطلب منهم أن يراجعوا دوائر الأمن والمخابرات ، وليتهم يتذكرون ماذا كان سيكون مصير زملائهم السوريين لو كانوا في مؤتمر خارج سورية ، وتعرض النظام البعثي للنقد ، وصفقوا لهذا النقد ولم يتصدوا للمنتقدين بالسباب والشتائم ؟؟. الكل يعرف أن مصيرهم السجن والتعذيب والمنع من السفر لاحقا ....وليت الحاضرون من الأردن تأييدا ودعما للنظام البعثي ، حملوا معهم ملف السجناء والمفقودين الأردنيين في سجون بشار الأسد ؟. ليتهم قبل سفرهم إلى عاصمة الحرية والوحدة والصمود ، اتصلوا بعائلة الفتاة والشاب ( وفاء وماهر عبيدات ) في قرية ( كفر سوم ) بشمال الأردن ، اللذين إعتقلتهما المخابرات البعثية عام 1986 وهما في السنة الجامعية الأولى ، وحتى اليوم بعد مرور عشرين عاما لا تعرف عائلتهما شيئا عنهما !. ليت واحدا من المصفقين الأردنيين لبشار الأسد يتحرك ضميره إن وجد، ويعود إلى دمشق ليسأله عن وفاء وماهر كي يخفف من أحزان ودموع والدتهما ووالدهما وعائلتهما !!. ألا يستحق ماهر ووفاء عناء رحلة لدمشق أيها المصفقون المعجبون بالطغاة والمستبدين، أم أن حياة وفاء وماهر أرخص من حياة بناتكم وأولادكم؟؟. أم أن شعاركم أصبح ( الطغاة والمستبدون أولا ! ).
هذه الأمة الموصوفة ب ( العربية )، لن تقوم لها قائمة طالما مثقفوها وممثلو أحزابها ومحاموها في الغالب يقفون مع الظالمين والمستبدين ، وطالما هم يصفقون في بلد لما لا يقبلونه في بلدانهم .... وهذا يستدعي السؤال: هل حقا نحن أمة عربية واحدة ؟؟؟.
|