|
16/03/06
أم زياد والهاشمي المكي ومحمد عبو عناوين لمأساة تونس
مرسل الكسيبي
مرة أخرى أفتقد اللفظ والرمز وتتداخل لدي مشاعر الأمل بالألم وأنا أتأمل في مأساة شريحة واسعة من أبناء هذا الوطن ,فبعد أن أعلن في تونس عن اطلاق سراح نيف وسبعين من المساجين السياسيين قبيل أسابيع فقط من تاريخ كتابتي لهذه الخواطر وبعد أن لامسنا من خلال تصريحات الأستاذ حمادي الجبالي القيادي الاسلامي ومدير جريدة الفجر القدرة العالية لخيرة أبناء وشباب تونس على التعالي على الجراح برغم ماأصابهم من شديد المحن ,هاهي الذاكرة تطل بنا من جديد على ممارسات قذرة وعفنة كنا قد ظننا بأنها ولت الى غير رجعة يوم أن طويت حقبة التسعينات وظن التونسيون انهم قد طووا معها ذاكرة مليئة بالجراح والألم
بالأمس تحدثت الصحفية والمناضلة السياسية السيدة نزيهة رجيبة أو أم زياد بجسارة الرجال وزأرت كما يزأر الأسد في وجه المستخفين بحرمته وعرينه وهي تروي قصة تهديد ملغوم ومشبوه لوح به واحد من خفافيش الظلام عبر الهاتف وعبر البريد لزوجها المحترم المحامي محمد المختار الجلالي فكانت هذه السطور كما روتها :
هكذا يحدث في بلد القانون والمؤسسات ,وهكذا يعلن الأبطال عن بطولاتهم الوسخة من وراء حجاب !...نعم الحدث مليء بالدلالات وهو يكشف أولا عن جرأة قلم أم زياد التي لم "ترشفها" على حد تعبير التونسيين للكثير من الظلمة والمظالم في بلد لازال ينخدع زائروه بفنادقه الفاخرة ذي الخمسة نجوم وشواطئه التي تعرض في كثير من الأحيان الجسد العاري للاتجار ,بعد أن وقع البعض من مواطنيه ضحية تعرية للعقول.
ببساطة دلالية اما أن نكون أمام جلل التهديد الذي تعرض له الأستاذ المحامي والبرلماني السابق محمد المختار الجلالي وحرمه وعائلته أمام دولة غاب فيها سلطان القانون ,أو أن نكون أمام دوائر عديدة في الحكم تتصارع بالافك والدسيسة والتوسيخ للاخر من أجل خلافة على الحكم أو ربما يكون الأمر موحيا باحتراف متطور وصناعة متقدمة للجريمة في بلد مثل تونس وهو مانستبعده فعلا في قضية الحال بحكم أن المستهدف معروف بمواقفه السياسية المعلنة.
وفي كل الحالات فان الحدث بعد قصص الأفلام المفبركة من قبل استديوهات متخصصة لدى بعض دوائر النفوذ الأمني في بداية وأواسط التسعينات في حق نخبة من أبرز وألمع المعارضين التونسيين لن يدل الا على مأساة أطلت برأسها من جديد على أبناء هذا الوطن العزيز.
كلماتي للأستاذة الفاضلة أم زياد وزوجها المناضل ورجل القانون المحترم الأستاذ الجلالي لن تغير كثيرا في معادلة المعنويات التي يتمتعان بها ,فقد عرفت الأستاذة الكريمة على الأقل أسدا جسورا يتحدث بصراحة الرجال لاأشباههم عبر الهاتف ,وهو مايؤكد لي أن طينتها وطينة زوجها الفاضل وأبناءها الأكارم لن تكون أقل من طينة المحامي محمد عبو والأستاذ الهاشمي المكي الذي أطلق سراحه شرطيا وياللعجب شرطيا!!! حتى بعد أن أتى على غشاء رئتيه مرض السرطان
محمد عبو محامي تونسي شكل أسطورة معاصرة في تاريخ مهنة المحاماة التونسية حين كتب يوما مقاله الشهير في توصيف ماحل بالتونسيين من بلاء نتيجة دعوة مشبوهة لشخصية كانت سبيا في بلاء الشعب الفلسطيني الشقيق ,وبعدها غيبته بالاختطاف والمحاكمة أيادي تتذرع بتطبيق القانون في بلد لازال القانون فيه سيفا مسلطا على الأحرار والضعفاء وألعوبة وتسلية وأحبولة وأنشوطة يتلاعب بها الأقوياء,ولكن قوتهم أمام عدالة قضايا الشعوب لن تساوي عند الله مثقال حبة من خردل في الأرض أو في السماء
عائلة الأستاذ محمد عبو ليست فقط السيدة سامية عبو زوجته التي حملت عبء زيارته وراء القضبان أو عبء القيام على أبنائه بعد أن حرموا من دفئ عناق ولمسة حب وأمل من أغلى وأشرف الاباء,وانما وجب على التونسيين أن يدركوا أن عائلة الأستاذ عبو وعائلة الأستاذ الجلالي وعائلة الأستاذ الهاشمي المكي هي كل عوائل الخير والأمل والمحبة والتضامن فوق سماء وتراب تونس بل هي عوائل التونسيين في مهاجرهم ومنافيهم يوم أن اختاروا الكرامة على حساب "خميس وعاشور" وهي عناوين مبالغ الرشوة التي تحدث عنها رئيس الجمهورية التونسية نفسه منذ سنوات قلائل ,ويوم أن اختاروا قوت عيشهم بحرية على حساب سياسة المن والأذى التي تتناقل أخبارها بالصوت والصورة قناة 7 في اطار الحديث عن الانجازات العظيمة لصندوق التضامن الوطني
بلا شك ان أسماء هؤلاء الشرفاء الثلاثة وعوائلهم التي عنونت بها مقالي هذا هي جزء من قصة تراجيدية نأمل ممن تولى أمرنا فكان أن نفينا الى أصقاع الأرض ,أن يتدارك ماألحقته بالوطن والمواطن من معرة وشعور بالاحتقان والأسى ,فيسارع الى تضميد جراح أهلها عبر وضع حد نهائي لمثل هذه الفضائح والمظالم عبر الشروع في حركة اصلاح ومراجعة واسعة تبدأ باطلاق سراح كل المساجين السياسيين وتمر الى اعلان العفو التشريعي العام وعودة المنفيين والشروع في مراجعة جذرية لما حصل لتونس من أذى وخراب نتيجة استئساد الكثيرين ممن دخلوا السلطة بوشاية وخفي حنين فاذا بهم اليوم يلبسون قميصا من نار عبر ماأكلوه من سحت وربى لن يربو عند الله أبدا.
والى أن يحدث ذلك تبقى تونس الخضراء حبلى بالأوجاع والألم الى أن يأذن الله سبحانه بوضع اما أن يكون طبيعيا عبر التدارك بالاصلاح والمراجعة الداخليين أو أن يكون قيصريا عبر تدخلات خارجية قد تأخذ شكل مفاجأة من داخل السلطة أو تأخذ شكل ارادة أجنبية تستثمر الأوضاع الداخلية بانفاذ التغيير
مرسل الكسيبي كاتب واعلامي تونسي 15-03-2006 15-02-1427هجري
|