18/03/06


 

مرسل الكسيبي

 

بلد بلا دستور واخر دستوره بلا حرمة

 

راسلني أحد الاخوان الغيورين على الأوضاع في ليبيا واختار أن يعاتبني على المقارنة بين الأوضاع في كل من تونس وبلد عمر المختار,وذهب اخرون وهم في موضع المهجة والفؤاد والتقدير الى أن يصدروا صفحاتهم الرئيسية بمقالي المنشور تحت عنوان تونس وليبيا وقضايا الاصلاح.

 

تأملت جيدا في الام الأخ العزيز من ليبا والذي لاتربطني به أي معرفة مباشرة ,سوى ماأرسله لي من رسالة اليكترونية تحت اسم مجهول ,فأيقنت أن بلاءنا قد يكون واحدا ,فوجه العتاب الحاصل في كلام الأخ الكريم أن تونس تتمتع بقانون ودستور ,وليبيا لم تتوفق نخبها السياسية الحاكمة الى سن هذه الوثيقة المرجعية التي تعلو على ماعداها من قوانين أساسية وعادية في الدول الحديثة المعاصرة.

 

عادت بي الذاكرة على ضوء هذا العتاب الأخوي المرحب به كوجهة نظر نقدية الى أجمل أيام الجامعة حين حدثنا في مدرجات كلية الحقوق بعاصمة الجنوب التونسية العميد والأستاذ في القانون الدستوري السيد ناجي البكوش عن الاشكال الذي تعاني منه أنظمة العالم الثالث ,الا وهو البون الشاسع بين سمو نص القانون وتدني الممارسة والتطبيق على ضوء محك الواقع.

 

وسبحت بي الذاكرة الجميلة في عمق ماأورده نص الدستور التونسي من نصوص جميلة تكاد لاتقل شأنا عن نظيراتها في أرسخ الديمقراطيات الغربية والعالمية ,وتذكرت ألفاظا جميلة مثل حرية التعبير والاعتقاد والتفكير والتعبير والاعلام والتنظم والاجتماع وحرية السفر والتنقل وسرية الاتصالات والمراسلة والحق في مجانية التعليم والعلاج...وحرية تأسيس الأحزاب والجمعيات وعدم جواز التعذيب وعدم جواز الاعتقال بدون مبرر قانوني وعدم جواز الاعتقال دون اذن قضائي ...وربما اذا غاب البعض من هذه العبارات لفظا فانه يحضر معنى في ثنايا تفسيرات فقهاء القانون الدستوري, وغير ذلك من القوانين الأساسية المكملة.

 

ثم تأتي بعد ذلك امضاءات تونس على المواثيق الدولية المناهضة للتعذيب ومنها الاعلان العالمي لحقوق الانسان ومواثيق الشرعة الدولية لحقوق الانسان ممثلة تحديدا في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية وبعد ذلكم ينضم بلدنا العزيز الى اتفاقية الشراكة الأوربية المتوسطية ويمضي على قبوله باتفاقية برشلونة بما تتضمنه من بند خاص باحترام التعددية وحقوق الانسان ...الخ.

 

ولكن يكفي أن تلقي نظرة على واقع المعتقلات والسجون في تونس وتعود بك الذاكرة الى مأساة بداية التسعينات وحملات الاعتقال العشوائي ومامورس أثناءها وبعدها من ترويع وتعذيب وتتأمل اليوم في حالة الانغلاق السياسي الذي يعيشه البلد وماال اليه وضع وسائل الاعلام من مشاهد في الفولكلور السياسي وغيرها من مشاهد تعرية ثقافية ,حتى غدت وزارة الثقافة ومهرجان قرطاج مرتعا لمثيلات نانسي عجرم,وقناة تليفزيون سبعة مسرحا لبطولات موزيكا وفرجة وليالي بلحسن الملاح ,وبعدها تتأمل في صنبور الانترنيت حيث تخضع حركة السيلان فيه لمقص الرقيب كما يحدث في سنوات الحرب الباردة على عهد صحيفة البرافدا ,ثم تنتقل بك المسامع في كل بيت الى ذلك الحائط الذي يتنصت حتى غدى الناس في مكالماتهم الهاتفية مقتصرين على ألفاظ عالسلامة !واش أحوالك؟ وبالسلامة!, أما عن سرية البريد والمراسلة فذاك مما تحدثك عنه الرسائل الضائعة والظروف المفتوحة ,...وعن حرية الابداع والتفكير فيكفي أن تنظر ماكتبه في أواخر التسعينات الدكتور محمد الطالبي عميد المؤرخين التونسيين عما ال اليه وضع رسائل الدكتوراة والمحاضرات الجامعية من خضوع لسلطان مراقبة وزارة الداخلية ,وكيف ال اليه وضع نشر الرسائل الجامعية, لتوقن أننا فعلا بلد قد يكون لديه أجمل دستور فيما عدى بعض الفصول التي فصلت على مقاس كبارات البلد ,ولكننا وطن ومواطن بلا حرمة للقانون.

 

وعودة الى الأخ العزيز من ليبيا ,فانني أقول لك أبشر! ,اذا أصبح القانون مجرد ديكور والدستور مجرد وثيقة بالية لاتحظى بأي حرمة أو وقار ,فعندها سأختار الوضع الليبي لما يحمله من بشائر اصلاح وتصريحات جديرة بكل الانتباه والعناية عندما أستمع اليها على لسان سيف الاسلام القذافي,فالرجل عندما وعد باطلاق أكثر من 130 من تيار الاخوان المسلمين فانه وعد ووفى ولو كان ذلك بعد حين ,وعندما تحدث عن الاصلاح فانه وصفه على أنه ليس مطلب فرد أو جماعة وانما مطلب الشارع الليبي,وحين تحدث عن الفراغ القانوني في ليبيا فانه أشار الى ضرورة وضع دستور حديث لليبيا ,ووضع حد للمحاكمات الجائرة خارج اطار القانون ...الخ.

 

ولايعني هذا أن ليبيا لاتعيش تحت وقع تيار نافذ ومؤثر مازال متشبثا باليات الحكم القديم والتي عانى منها الشعب الليبي كثيرا,ولكن تبقى هناك امال كبيرة في التغيير في ظل جيل ونخبة جديدين أصبح البعض من ممثليهما في سدة صناعة القرار ,وأحسب أن دور المعارضة الوطنية الذكية في دعم هذا التيار الذي من المؤكد في ظل مناخ دولي جديد أنه من مصلحته ومصلحة بلده وشعبه ومن مصلحة علاقات ليبيا مع العالم الخارجي أن يضع دستورا وقانونا ينظم الحريات الأساسية ويكفل حقوق الانسان على الوجه المرتضى داخليا وحتى عالميا.

 

أما عن بلدنا تونس فهو يحتاج اليوم وغدا وأكررها الى المرة الألف الى ارادة سياسية نافذة تضع نصوص هذه القوانين وهذا الدستور مع بعض التعديلات المطلوبة بالاضافة الى العهود والاتفاقيات الدولية الممضى عليها من قبل الحكومة التونسية حيز التطبيق والتنفيذ لتضع بذلك حدا لجدل طال زمانه في الحديث عن خروقات حقوق الانسان وغياب حرية التعبير وانعدام التعددية الحقيقة التي تحولت الى تعددية خطابية لانسمع عنها الا في الصحف والتليفزيون. 

 

وعندما يحدث كل هذا في بلد مثل تونس,وعندما يقع الاصلاح في ليبيا على قاعدة الوفاء عمليا وتطبيقيا لتصريحات سيف الاسلام القذافي ,ثم يتناسق كل هذا مع ماتشهده الجزائر من اصلاحات سياسية مشهودة ومع ماتعرفه المغرب من عظيم تطورات وموريتانيا من ديناميكية سياسية واعدة ,عندها فقط يمكن الحديث عن مغرب عربي كبير طالما حلم به قادة الحركة الوطنية في منطقتنا ومازال يحمل اليوم حلمه قادة ورجالات مازالوا في المنافي أو وراء القضبان.   

 

مرسل الكسيبي

كاتب واعلامي تونسي

17-03-2006

17-02-1427ه

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com