22/03/06


 

 

مرسل الكسيبي

 

تونس والاستقلال :السلطة تلتهم أبناءها والزعيم كان دمويا

 

كتاب الصديق العزيز والأب الفاضل الدكتور أحمد القديدي,هذا الاعلامي والأكاديمي البارز والذي سبق له تقلد مناصب عليا على عهد الوزير الأول محمد مزالي وحتى على فترات سابقة من حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة,كتابه المعنون بذكرياتي من السلطة الى المنفى مازال يثير في منذ فترة شجون ومخاضات التفكير والكتابة ,ولعلني اليوم في ذكرى مرور خمسين سنة على استقلال تونس يؤلمني جدا أن يتواجد واحد من الشاهدين على عصر تونس مابعد الاستقلال بين أحضان المنفى القسري كما هو حال الالاف الاخرين من بنات وشباب تونس ورجالاتها منذ فترة لاتقل عن العقد ونصف.

 

يوم التاسع عشر من مارس2006 أي قبيل يوم واحد من ذكرى خمسينية الاستقلال ,أعلمني الصديق العزيز وصاحب الكتاب الوثيقة الد.القديدي بأنه الان يعيش واحدة من لحظات ألمه وهو يزف بنتا له داخل تراب الوطن في بعد تام عن المشاركة في مراسم الاحتفال بزفاف فلذة كبده ,فكان جوابي له مواسيا بأنني أنا الاخر لم أشهد من منفاي زفاف كل أشقائي ومراسم دفن والدتي وشقيقي الأكبر الذي افتقدته في حادث أليم وهو مازال لم يتجاوز العقد الرابع من عمره ,أضف الى ذلك اخرين من دائرة أقرب المقربين.

 

في ذكرى مرور خمسين سنة على ماسمي بالاستقلال,يكون هذا حال من ناضل وكافح من أجل أن يرى بلده يعيش في كنف الحرية والانعتاق ,وفي ذكرى مرور خمسين سنة على استقلال تونس يستمع الد.أحمد القديدي الذي كان واحدا من أعمدة الدولة التونسية الى شيء من مراسم الاحتفال بزفاف ابنته في شكل زغروتة*عبر الهاتف! ,وفي ذكرى مرور خمسين سنة على استقلال تونس مازال المئات من قادة الرأي قابعين وراء القضبان ومازال الالاف من خيرة أبنائها يعيشون حالة النفي القسري وفيهم وزراء سابقين ومنهم قادة أحزاب ومحاممين بارزين وأساتذة جامعيين ورؤساء منظمات ومراكز بحوث وكتاب وصحفيين ,ومناضلين في أحزاب وجمعيات حقوقية وطلاب....الخ.

 

ولعله مما المني حقا أن يجهل الناس بعد مرور كل هذه الحقبة الزمنية على تاريخ الاستقلال الأول,أن بعض من تحولت مقابرهم الى مزارات وطنية كانوا سببا في زرع ميراث التسلط والاستبداد ,ولعل شهادات وزراء سابقين على حقبتهم كانت خير ادانة لحقبة قرنت بين التحديث والشمولية والفردية في الحكم.

 

وعودة سريعة الى كتاب ذكرياتي من السلطة الى المنفى للد.القديدي فان صفحة هامة من تاريخ تونس المعاصر لازالت قابعة طي الجهل والنسيان,ولعلني أسوق شهادات بعض وزراء الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة عن طريقة ادارة هذا الأخير للحكم, فأنقل مايلي:

 

أحمد بنور: بورقيبة مصاب بغريزة الدم

 

في يوم ما تحدث السيد أحمد بنور وبمرارة عن شخصية الرئيس بورقيبة فقال عن بورقيبة انه مصاب بغريزة الدم,فقد قضى على كل رفاقه بداية من شقيقه محمد بورقيبة والزعماء صالح بن يوسف ومحمود الماطري والبحري قيقة وسليمان بن سليمان ثم بعد الاستقلال على الطيب المهيري والمنجي سليم وعلالة البلهوان والباهي الأدغم والهادي نويرة والصادق المقدم... وصولا الى الجيل الثالث أمثال أحمد بن صالح والباجي قايد السبسي وحبيب بن عمار وراضية الحداد ومحمد مزالي والطاهر بلخوجة وأحمد بنور ...ولقد ذكر السيد بنور في احدى جلسات مسامرات الغداء من منفاه بأن "ان بورقيبة يمارس السلطة دائما بجهازين,جهاز وزارة الداخلية الرسمي وجهاز اخر على رأسه البشير زرق العيون والمحجوب بن علي وحسن بن عبد العزيز...وهو على حد تعبير السيد أحمد بنور جهاز ناجع وخفي -انتهى كلام السيد بنور.*1

 

رضا بن علي وزير العدل السابق: بورقيبة شخصية دموية

 

روى القاضي والمدعي العام والذي تقلد منصب وزارة العدل سنة1984 وهو السيد رضا بن علي ,وكان ذلك تحديدا أثناء زيارته لرئيس الوزراء الأسبق السيد محمد مزالي ببيته في باريس ,روى انطباعا دقيقا وهاما له عن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة ولقد أورد فيه مايلي"ان بورقيبة شخصية دموية ,واكتشقت ذلك حين كنت وزيرا للعدل ,أعرض عليه وثيقة العفو الرئاسي على المحكومين بالاعدام وفي كلمات قليلة أحدثه عن الجريمة وعن التماس العفو ..لكنه بعد أن يسمعني يأخذ الورقة من يدي ويسألني عن مكان توقيع رفض العفو فأشير الى المكان فيأخذ بورقيبة قلمه ويوقع وهو يضغط على القلم باصرار وبما يشبه التشفي ,حتى أني وجدت بعض هذه الوثائق مخترقة مثقوبة بقلم بورقيبة "*2- انتهى كلام السيد رضا بن علي.

 

أحمد بن صالح : بورقيبة حاول اغتيالي

 

قصة محاولة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق السيد أحمد بن صالح كانت قصة حقيقية رواها أيضا السيد الطاهر بلخوجة وزير الداخلية الأسبق ,ولعلنا نقف في هذا الموضع حول شهادة رئيس الوزراء على فترة التعاضد وثاني شخصية تولت رئاسة الاتحاد العام التونسي للشغل بعيد اغتيال الزعيم الراحل فرحات حشاد السيد أحمد بن صالح والذي روى للد. القديدي وتحديدا يوم 22 من مايو سنة1995 وبالعاصمة الدوحة جملة من الأطوار التي كادت أن تنقلب فعلا الى قصة دموية , وقد جاء في حيثياتها على لسان من كان مستهدفا بها مايلي "أعتقد حسب المعلومات التي تصلني أن بورقيبة كلف الطاهر بلخوجة بتنظيم عملية اغتيالي..لكنه يئس أو شك في اقدام بلخوجة على ذلك فالقى خطابا ذكرني فيه قائلا: لقد تخلصت تونس من صالح بن يوسف ولم يبق الا هذا الأفعى - أحمد بن صالح ولذلك اقترح عليه محمد فرحات-الوكيل العام السابق للجمهورية وهو أعلى منصب قضائي-ومعه محجوب بن علي بأن يكلفا أحد السجناء العتاة بمهمة اغتيال بن صالح مقابل اطلاق سراحه,فطرب بورقيبة لهذه الفكرة وفرك يديه في نشوة وبالفعل تم تكليف أحد المجرمين الذي سلمته وزارة الداخلية انذاك جواز سفر باسم عبد العزيز شوشان -غير عبد العزيز شوشان المناضل المعروف-,وفي مدينة زيورخ السويسرية اكتشفه بن صالح وفشلت العملية باعانة الشرطة السويسرية والشرطة النمساوية -*3 انتهى الاستشهاد.

 

وهكذا يبدو جليا للمتابع والقارئ بأن تاريخ الدولة التونسية المعاصرة لم يكن البتة تاريخا نظيفا بالقدر الذي بدى فيه الزعيم بورقيبة الذي ملأ اسمه الشارع والدنيا ,رجلا دمويا بشهادة أكبر وزرائه,كما بدت فيه الدولة والى حد هذا اليوم ماكينة ضخمة تلتهم خدامها وحتى القائمين عليها وهو مايعكس فعلا أكبر مشكل تعاني منه الكثير من البلاد العربية والاسلامية ومنها تونس ,ألا وهو انعدام واضمحلال دولة القانون والمؤسسات وغياب الاليات التي تحمي وتحفظ الحكم الصالح والرشيد.

 

مرسل الكسيبي

اعلامي وحقوقي تونسي

21-03-2006

 


ملاحظة: الاستشهادات الثلاثة الواردة في المقال اقتبست من بعض فصول كتاب ذكرياتي من السلطة الى المنفى للد.أحمد القديدي, فله جزيل وخالص الشكر

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com