|
26/03/2006
مرسل الكسيبي
تونس :ماذا بعد خمسين سنة من عبادة الأرقام والزعامات؟
كم أكون سعيدا برؤية الوطن متحررا من عبادة الأوثان الجديدة !,فعندما يتحول الرؤساء في نظرنا الى خدام لقداسة الوطن وسماحة المواطن ,عندها يجوز لنا أن ننعم براحة البال والسريرة ونحسب أننا في جمهورية الاستقلال التي طالما حلمنا بها.. كم أكون مسرورا بتحول منصب رئيس الدولة الى جزء من الام هذا الشعب ,عندما يقترب بذهنه وقلبه الى معاناة ذلكم المواطن البسيط في قرانا النائية وفي سجوننا البائسة وفي منافينا القاسية وفي مستشفياتنا التي تبعث أحيانا على الحزن والألم والغثاء وفي أسواقنا التي تبعث فيها الأسعار وشططها على الدوار والقيء وفقدان الوعي والبصيرة ..
كم أكون أسعد لو تخلى المواطن في بلدنا عن عبادة الأرقام وصناعة الفأل والشؤم من تاريخها ,فتستوي الأيام كلها عندنا على أنها هبة ومنحة من عند الله ,الا ما على فضله بمولد رسول أو خصه نص مقدس برفعة عن سائر الأيام.
لن ألقي في مبحثي هذا باللوم على قداسة الحاكم في بلادنا ,اذ أننا نحن الذين عظمنا ظله وممشاه ,حتى غدونا غير قادرين على التخاطب معه الا من خلف القضبان أو من وراء البحار ...لن ألقي في مبحثي هذا باللوم الا على سحرة الاعلام وعلى الذهن الجمعي الذي مازال يفكر على أيام الملوك والقديسين والأباطرة والقياصرة ,اذ أننا مازلنا في تفكيرنا لم نرتق الى التعاطي مع ظواهر التمثيل السياسي على أنها تفويض شعبي لواحد من أبناء جلدتنا ,يتمتع بجملة من المهارات الخاصة في عوالم الادارة والقيادة وتسيير الشأن العام.
لقد حولنا نحن أولا ونحن أخيرا الحاكم في أذهاننا الى موضوع محاط بالطلاسم والتعويذات والأحاجي ,حتى اسـتأسد علينا جنده وحاشيته وكل من قدم له خدمة من حزبه وكل من صفق له يوما عند ممشاه وعند تحدثه وعند صمته وعند رؤية صورته وعند ذكره على مشهد من العامة وعند رؤية مواكب السير المهدجة بهيلمان صناعة القديسين.
لقد دق الحاكم في بلدنا باب السلطة منذ سنة 1956 على أنه جزء منا يريد خدمة وطننا والوقوف الى جانب مواطننا الذي عانى الويلات على أيام الاستعمار البغيض ,ولكننا بتصفيقنا وتكبيرنا وتهليلنا وتعظيمنا ووشايتنا ومسحنا للأحذية وتضخيمنا للصور وبالخطاب الذي قدمناه له على شاشة التلفاز وبالعبارات التي كتبناها له في أروقة الصحف وبالبرامج التفصيلية التي تحدثنا فيها بالنيابة عنه ,جعلنا منه صنما مقدسا في أذهان الناس حتى غدى النقد أو التصحيح أو المراجعة أو النصح أو الاضافة أو التعقيب من قبيل الخيانة للأوطان والمتاجرة بالسيادة والاستخفاف بهيبة ورهبة الزعيم.
كان من الممكن جدا بعد أن تحول الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الى جزء من ذاكرة هذه البلاد ,وبعد أن دخلت البلاد مربعها السياسي والتاريخي الجديد ,أن نكون أوفياء الى شعارات الاصلاح التي جاءت في خطاب السابع من نوفمبر,وأن نعين المسؤول الأول في الدولة على التخلص من اصر هيلمان الزعامة وقداستها التى وضعه في سجنها مجموعة كبيرة من المتنفعين حتى غدت الدولة هي الزعيم والزعيم هو الدولة ولكن يبدو أن لهؤلاء جذورهم العميقة في السلطة وأنهم أحسنوا التلون يوم أن تغير رأس الدولة ,فبعد أن كانوا يتفانون في تلميع صورة الزعيم الراحل ومدحه والاحتفال بعيد ميلاده والتطبيل الى كل أخطائه وتحويلها الى أعظم النجاحات ,هاهم اليوم يتسلقون حصن السلطة من جديد ليشكلوا حجابة دون اسداء النصح والمشورة واحاطة مسؤولها الأول في الدولة بالدقيق من المعطيات والاحصاءات ...وهو مايجعلني أقدر بأن أزمة تونس تكمن أيضا في نخبتها التي تولت مناصب عليا على علاقة بالشأن العام ,وهي أيضا أزمة اعلامها الذي يحجب الحقائق ويغطيها ويكذب ويصور الأمور في يوم البهرج ويوم العرس الأكبر على أنها على أحسن ما يرام.
أزمة تونس لايمكن أن نرمي بثقل المسؤولية فيها فقط على من تصدر أعلى مسؤولية فيها ,وانما يتقاسم فيها المسؤولية مجموعة من القيادات والهيئات والأشخاص الذين تولوا ادارة الشأن العام ,أو كانوا على علاقة مباشرة بها ,وأزمة تونس تكمن أيضا في ذهنية شعبها العامة التي أتاحت الفرصة لهؤلاء كي يلتفوا من جديد على مشروع التغيير ليجهضوا روحه وجوهره ومعالمه التي وعد الشعب بها.
ان حالة الاستقالة التي تعيشها النخبة ,وحالة التردي والهبوط الذي يشهده الاعلام ,وحالة الخوف التي أشاعها بعض النافذين من خلال مسكهم بالأزرار الأمنية في الدولة ,كل ذلك ساهم في حالة الانغلاق العام الذي تعيشه البلاد منذ مايزيد عن العقد ,وان مشروعا وطنيا للاصلاح لن ينجح في حل طلاسم ماوصلنا اليه عبر تشخيص الأزمة وتحويلها الى مسؤولية تقصيرية فردية ,وانما عبر النظر بانصاف الى الاليات التي حولت القرار الى حالة من العبادة والتقديس الذين لم يقصدا في اصل التشريع ,وانما كان من الممكن مراجعة كثير من الأوضاع على ضوء رغبة عامة في التعادلية والتوازن يكون أطرافها متعددون ابتداء من المستشارين وصولا الى الوزراء ومرورا بالحزب الحاكم وامتدادا الى المعنيين بالشأن العام في المجتمع المدني والمعارضة وكل النخب الجادة في ارادة التغيير والارتقاء.
لايهم اليوم أن تمر خمسون سنة أو أقل من ذلك أو اكثر على تاريخ اعلان الاستقلال وانما المهم والأهم أن نعرف المشاعر الحقيقية للرأي العام تجاه مايحصل من تطورات عظيمة سلبا أو ايجابا في بلادنا ,ولن يتاح لنا ذلك قطعا الا اذا وفرنا للناس مناخا حقيقيا للحرية والتعبير بعيدا عن اشاعة الخوف والتلويح بالتهديد والوعيد والاتهام بالعمالة والخيانة,لأننا عندها سنصنع بلا شك رأيا عاما قشريا مخادعا لن نعول عليه في أوقات الأزمات الاجتماعية والسياسية الخطيرة التي من الممكن أن يمر بها بلدنا اذا ماعلمنا حجم الكذب والخداع الذي مارسته وسائل اعلامنا طيلة الخمسين سنة من عمر بناء الدولة الناشئة والتحديث.
فهل نشرع في تونس في طرق أول خطوات الاصلاح من خلال فتح الباب واسعا أمام حرية الاعلام والتعبير؟ فيتضح للحاكم بأمانة حجم ماحققه من نجاحات واخفاقات ,ونقف بعدها على أول شروط النهوض عبر توزيع أسباب الفشل والنجاح ليس على الأرقام والزعامات وانما على الحقائق ووفق القانون وما تقتضيه دولة الحق والمؤسسات.
|