|
28/03/2006
عندما يخدع الجمهور الساسة:أي معنى يحمله الرأي العام؟
مرسل الكسيبي
منذ أسابيع عدة وأنا أعكف يوميا على دراسة كتابين متخصصين في علوم الاتصال والاعلام ومباحث الرأي العام, ولقد هالني فعلا وأنا أقف بين دفات دراسات المتخصصين في قضايا الحرية وعلاقتها بشفافية مايعكسه الرأي العام من مواقف واهتمامات حجم الكارثة والغش الذي تقدمه وسائل اتصالنا ولا أقول اعلامنا في تونس وكثير من دول المنطقة العربية.
كثيرا ماتردد على مسامعنا ونقل أمام أعيننا في بلاد مازالت تعيش حقبة التخلف الاعلامي ,ألفاظ وصور تستبله جهل الكثير منا بمعاني الرأي العام وأقوال المتخصصين والباحثين فيه ,حتى أصبح جزء من النخبة السلطانية كثيرا مايردد هذا اللفظ متثاقفا ومتفاخرا ومتعالما متناسيا أن حقيقة الرأي العام لايمكن أن تتشكل في شفافية وصدق الا في مناخات الحرية والديمقراطية ودولة تحترم القانون وتستوعب اليات العمل الاعلامي في مجتمع حديث يتوق بطبعه الى الكلمة الصادقة والخبر النزيه والتحليل المعمق والرأي النابه والأصيل.
مفهوم الرأي العام
لم يستخدم مصطلح الرأي العام الا مع أواخر القرن الثامن عشر مع بروز ظاهرة النمو السكاني السريع والتجمهر حول المدن الصناعية الكبرى ,ولئن اختلف الفلاسفة والمفكرون انذاك في التعبير عن ألفاظه ,الا أن مصطلحات شبيهة ظلت حمالة لمضمونه ومعانيه, حيث عمد مونتسكيو الى تسميته بالعقل العام وجنح روسو للتعبير عنه بلفظ الارادة العامة غير أن هناك اجماعا برغم تعدد المصطلحات المعبرة عن هذه الظاهرة التي تشغل أكثر من علم واختصاص انساني على أن النفوذ الذي يتمتع به الرأي العام لابد أن يحظى باهتمام الساسة والفلاسفة والمفكرين.
ولقد عرف "ماكينون" الرأي العام بأنه رأي في موضوع ما يضمره أشخاص متميزون بالذكاء وحسن الخلق ينتشر في المجتمع تدريجيا بين الناس على اختلاف مستوياتهم التعليمية ,أما "جيمس براون" فقد لامس بعدا اخر في تعريفه له في كتابه الديمقراطيات الحديثة ,حيث رأى فيه اصطلاحا يستخدم للتعبير عن مجموع الاراء التي يدين بها الناس ازاء مسائل تؤثر في مصالحهم العامة.
غير أنه وان تعددت فنيات المفكرين والعلماء في التعبير عن مكنون هذه الظاهرة الانسانية الا أن المجمع عليه هو أن الرأي العام يشكل حكما عقليا يصدر عن جمهور تربطه مصالح مشتركة وشعور بالانتماء ازاء موقف من المواقف أو تصرف من التصرفات بما يثير جدلا عقليا يكون حصيلة نقاش حر بين قوى محافظة وأخرى مجددة فالرأي العام حينئذ هو رأي تعبر عنه الأغلبية تجاه قضايا معينة بعد أن تخوض فيه النخب وطلائع المجتمع ووسائل الاعلام لا الدعاية بشكل حر يعكس مناخا ديمقراطيا وتعدديا في العملية الحوارية.
واذا كان الرأي العام يفترض رأيا تعبر عنه الأغلبية وتجنح اليه في ظل مناخات الحرية الحقيقية,الا أن كينونته ووجوده لاتلغيان أبدا حقيقة اراء تعبر عنها الأقليات ولكن قد تحملها الظروف السياسية والاجتماعية على أن تصبح رأيا للأغلبية وبالتالي تشكيل رأي عام.
هل لدينا في تونس وبلاد تغيب فيها حرية الاعلام رأي عام حقيقي ؟
اخذين بعين الاعتبار المشهد المسرحي والتمثيلي المخادع والمزيف للحقائق في بلدنا تونس وحالة المناخات التي تعرفها وسائل الاتصال الجمعي والجماهيري كالصحافة والاذاعة والسينما والتليفزيون ...فاننا نكون في بلدان العالم الثالث وحصرا في بلدان التخلف السياسي والتقهقر في تسيير الشأن العام أمام رأي عام كامن غير ظاهر للعيان يوحي للحكومات بأن كل شيء على أحسن مايرام.
فاذا توقفت الصحافة أو الشاشة مستجوبة للمواطن في أحد الشوارع العامة عن رأيه في بعض المسائل المتعلقة بسياسة الأسعار أو بالسياسات الداخلية ومدى تجاوبه مع صناع القرار تراه مستبشرا ضاحكا مبديا من المواقف مايظنه المراقب والملاحظ قمة للرضى بالموجود ودرجة عالية من الولاء الذي لايضاهيه ولاء ,حتى اذا انقلب هذا الأخير الى بيته وحل بين أهله وثقاته وبنيه تراه لاعنا شاتما لليوم الذي عرف فيه مثل هذه الصحافة ومثل هذه الشاشة ومن قام عليها ومن وجهها ...ولئن دلت هذه الحادثة على حقيقة, فانها لن تدل على شيء غير دراية الناس بحقيقة الأوضاع السياسية التي تتطلب نوعا من الذكاء في تصريف جند وحشم الحاكم من رجال يحملون ظلما اسم الاعلام.
وبمعاينة ومسامعة ومعايشة غياب مشهد الحرية السياسية وحرية الرأي والتعبير,ناهيك عن غياب الدور الريادي الذي يفترض في وسائل الاعلام ,فان المشهد في تونس أو غيرها من الأقطار التي اعتمدت نفس النهج الاعلامي والسياسي في الحديث عن أصحاب الرأي والمعارضين ,فانه لن يكون لدينا في بلدنا وباجماع الباحثين والمتخصصين في قضايا الرأي العام سوى رأيا عاما ظاهرا يتظاهر بمودة الحاكم والقرب منه والرضا عن منجزاته وحركاته وسكناته في بعد تام عن التصريح بالمواقف الحقيقية التي تراوده في أكثر من مسألة تهم الشأن الوطني والمحلي.
ولعل خطورة مثل هذا الرأي العام المخادع تكمن في اعطاء مؤشرات مغلوطة عن دلالات السكينة الظاهرة التي تعتري جنبات المجتمع ,حتى اذا ماسنحت الفرصة واشتد الكبت والأذى انقلب السحر على الساحر,وبدت الجموع التي كانت تتظاهر بالولاء والتأييد في شكل جماهير غاضبة تأتي على رموز الاستقرار والأمن الذي كثيرا ماتتفاخر به الأنظمة الشمولية.
النسق السياسي وتأثيره في الرأي العام
أجمع الباحثون والمختصون في علوم السياسة والاجتماع والاعلام على أن الديمقراطية تشكل خير ضمان من أجل أن يكون الرأي العام معبرا حقيقيا عن مؤشرات الرضا أو السخط تجاه تقييم المسائل والمشكلات التي تواجه المواطن والمجتمع ,وتعد حريات الرأي والصحافة والكتابة والنشر والاعلام بوجه عام وحرية الاجتماع والتنظم مساعدا أساسيا من أجل بلورة رأي عام ينبثق عن ارادة وتصور عقليين واعيين في كنف التعبير عن الهموم والمشاعر والرؤى الناضجة التي تشق المجتمعات الحرة التي تخول نشاطا تفكيريا وتعبيريا حرا للمواطن في مختلف القضايا الداخلية والخارجية.
وكلما نمت مستويات التعليم وارتفعت معدلات النمو الحقيقي لا المغشوش واقترن ذلك بمناخات عتيدة وصادقة للحرية ,الا وكان الرأي العام الذي يشكله أساسا نخب المجتمع وقادته الحقيقيون ومفكروه ووسائل اعلامه لاالدعاية فيه ,الا وكان هذا الرأي العام شفافا وصادقا وأمينا في عكس تطلعات الناس وامالهم والامهم وتقويماتهم وتصوراتهم عما يستجد للوطن والمجتمع من قضايا وحاجات.
وعلى اعتبار أن المناخ الاجتماعي للناس والحاجات الاقتصادية تلعب هي الأخرى دورا مؤثرا في توجيه الرأي العام,فاننا قد نكون في بلد مثل تونس أو ربما ماجاوره من بلدان تعيش أوضاعا سياسية مشابهة أمام عملية رهن وضغط شديد على الجماهير من خلال تكبيل نواتاتها الصغرى وهم الأفراد بمجموعة قاسية من المكبلات الحياتية والمادية التي قد تفلح ردها من الزمن في تأجيل تطلعات الناس وامالهم تجاه معايشة العصر والياته في الحكم والتسيير وتحقيق حد أدنى من شروط العدالة الاجتماعية والاقتصادية ,غير أن ذلك لايلغي اللحظة التاريخية الملحة في ضرورة معالجة الأوضاع عبر التدارك والاصلاح الوطني الشامل أو دفع عجلة الزمن باتجاه مزيد من الاعتمال الداخلي والاحتقان الذي يكون دائما وفي قانون اجتماعي وسنة الهية نافذة وراء انفجار حقيقي للجماهير خاصة اذا مااستيقنت الجموع بأن صبرها على المكروه لم يعد يحتمل مزيدا من التأخير أو الارتهان لأدوات الغش الدعائي أو وسائل النهب الذكي أو أدوات القمع السلطوي.
|