29/03/2006


 

عندما أصبح المسجد مخزنا ..ذكرياتي قبل النفي

 

 

مرسل الكسيبي

 

ألحت علي الذاكرة في استحضار مؤلم للتاريخ ألا أصمت عن شهادة أمينة وصادقة على أحداث وقعت بمديمنة صفاقس العاصمة الاقتصادية للبلاد التونسية في حقبة التسعينات ,وتحديدا في سنوات التسعين وماتلاها من سنوات قلائل لأغادر بعدها البلاد ملتفا بجنح الظلام بعد أن أيقنت بأن البلاد قد دخلت في منعرج لامخرج ولامنجي منه الا الله ثم وحدة هذا الشعب والتفافه حول مطالب التصحيح والاصلاح والتغيير .

ولنبق الى حد هذه الساعة مع أحداث ذات دلالة خطيرة على سياسات مازالت تضعني أمام حيرة التساؤلات ,حول هوية من قاد هذه الحقبة وسطر لها ودبر أحداثها الكبرى باتجاه دفع البلاد نحو حالة الانزلاق الأمني المريع ومربع المواجهة مع معتقداتها وهويتها الاسلامية المعتدلة التي ناضلت في الذب عنها واستماتت أجيال وأجيال وأجيال .


واذا سبق لي وأن كتبت في مرات سابقة عن حزب سري يتموقع داخل الحزب الحاكم وأجهزة الأمن ومؤسسات الرئاسة والوزارات في مثلث جغراسياسي يريد اختطاف هوية البلاد وتحويل وجهتها باتجاه حالة مسخ غير معلومة الوجهة ,الا أن السؤال المطروح يبقى باتجاه مدى قدرة رئيس الدولة ومستشاريه المخضرمين من الذين كانوا على تجربة سابقة لمدة عقود بشؤون الحكم على التخلص من عبئ ثقيل وضعه هذه الحزب داخل مقافل الحكم ومفاتيحه الرئيسية ؟؟؟ .

وقبل القفز باتجاه مفاصل رواية هذه الحادثة الخطيرة التي حولت ثلثي مسجد بالمبيت الجامعي بطريق المطار بمدينة صفاقس الى مخزن سلعي تابع لادارة المبيت فانني أؤكد على أن تفاصيل هذه القصة تفاصيل حقيقية أرويها بأمانة للحاضر والقادم من الأجيال عسى أن تكون عبرة لأولي الحكمة والألباب .

ففي سنة 1990 ,وتحديدا في بداياتها وعندما كان مسجد المبيت الجامعي يغص برواده في سائر الأيام ليحتضن حالة اسلامية وسطية ومعتدلة كان من الممكن أن تشكل رافدا للدولة والمجتمع ,وبعدما كانت مساحة مسجد المبيت تحتاج أصلا الى توسعة تحتضن صلاة الطلاب ورغبتهم في معانقة عوالم العلم والايمان ,واذا بقرار جائر ومتجن وحاقد على العبادة والفضيلة والسعي في الخيرات يصدر في حق المسجد عبر تضييقه واختزال مساحته الى مجرد الثلث ليتحول بقرار بلغ الى الطلاب عبر مدير المبيت الجامعي للمدرسة القومية للمهندسين ... الى مساحة متقاسمة في غير عدل ولاخير بين مسجد صغير لاتتجاوز مساحته الخمسين متر مربع على التقدير ومخزن يفوقه ضعفا في الحجم .

وللأمانة والصدق في رواية حيثيات هذه القصة الحقيقية فان ممثلي الطلاب حاولوا واجتهدوا لمرات عدة من أجل الاتصال بمدير المبيت الجامعي قصد تقديم التماس يطلب اعادة الأمور الى مجاريها ,كما يستنكر اتخاذ مثل هذا القرار بدعوى الافتقاد الى مخزن يحتضن بعض متطلبات التنظيف أو السلع التي كانت على ذمة ادارة هذا السكن الطلابي .


وأشهد الله تعالى على ماأقول لو أن ارادة سياسية تدخلت قصد ايجاد فضاء يحتضن بعض السلع والمخزونات خارج المسجد لكان من الممكن تجنب الوقوف تحت طائلة قوله تعالى في سورة البقرة الاية114
"ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ماكان لهم أن يدخلوها الا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الاخرة عذاب عظيم" ولست أدري حقا ان كان المسؤول عن هذا القرار البائس والذي يستخف بمشاعر المؤمنين هو مدير المبيت لوحده أم أن الأمر يتجاوزه الى جهة أعلى بالجامعة والجهة وربما الدولة غير أن تطورات الأحداث كانت تتجه مع الأيام الى بناء جدار لعين نصب بنيانه داخل المسجد بليل ,وهو ماأجج مشاعر الطلاب الغيورين على دينهم وعقيدتهم .


واختلطت الأمور في تلك الأيام والأسابيع مع أحداث عدة كان من بينها طرد طلاب مرسمين بكلية الطب بالمدينة أذكر من بينهم صديقا عزيزا اسمه المنصف زيد وأعتقد أيضا فتاة كانت على غاية عالية من الهدوء والاتزان والتدين حملت على ماأعتقد اسم فاتن ,ثم أتت القرارات متتالية بطرد طالب اخر من جزء مدرسة المهندسين أوكلية العلوم وهو واحد من المسؤولين النقابيين بالاتحاد العام التونسي للطلبة وهو الصديق الفاضل على تلك الأيام السيد ادريس النويوي .


وازداد حنق الطلاب ولم يروا على تلك الأيام بعد استنفاذ كل سبل معالجة الأزمة عبر التفاوض والتحاور مع ادارة السكن الجامعي وربما حتى ادارة جامعة صفاقس ,غير حل واحد وهو اسقاط جدار برلين الذي وضع داخل فضاء قدسه الله سبحانه في كتابه في سورة النور الاية36 عبر قوله "في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والاصال رجال,لاتلهيهم تجارة ولابيع عن ذكر الله " . وكان قرار الطلاب باسقاط هذا الجدار وهو مافعلوه في احدى الليالي بعد أن تسرب اليهم كل اليأس من تصلب وقلة ايمان بعض المشرفين على اتخاذ هذا القرار .


وتتجدد لعبة الكر والفر وتتقرر اعادة بناء جدار برلين داخل بيت الله , ولكن مع استصحاب مشورة ابليس الذي أوحى لجنده هذه المرة باقامة الجدار مع استعمال الفولاذ والاسمنت المسلح كما حضور عناصر" البوب" أي النظام العام الذين تولوا حراسة مداخل المبيت وتطويق منفذ مدخل الأشغال في ساعة متأخرة من الليل . ولعله من الطريف أن بعض من شهد الحادثة المخجلة قد روى لي في شهادة عينية أن البناء قد سبق-بضم السين- بعملية تصوير قيل أن مؤسسة الاذاعة والتليفزيون ووحدتها بالمدينة قد أشرفت عليها ,ولعل المراد من كل ذلك هو الاقتصار على بث مشاهد جدار ائل الى السقوط ثم اتهام الطلاب العزل بممارسة أعمال تخريبية داخل الفضاء الجامعي غير أن الطلاب كما روي لي على تلك الأيام حاولوا ثانية اسقاط هذا الجدار الأصم الذي قزم بيتا من بيوت الله تعالى ,ولكن هذه المرة دون جدوى ,فقد أحكم البناة هذه المرة قسائمه وأعمدته الفولاذية حتى غدى من المستحيل احداث مجرد ثغر بسيط به .


وهكذا كانت الأحداث تتوالى تترى لتؤجج من غضب الطلاب حتى استيقن الكثيرون بأن ارادة سياسية عليا قد تقف وراءها جهة وزارية كانت وراء دعم هذه الخطوة المخجلة والتي أعطت انطباعا قويا لدى عناصر الطلاب وقادتهم على تلك المرحلة بأن مايحدث في تونس كان أكبر من مجرد انشاء مخزن تقتطع مساحته من بيت من بيوت الله .


وعلى تلك الأيام والأسابيع والأشهر توالت الأحداث على عهد وزير التربية والتعليم العالي محمد الشرفي ليصدر قرار بطرد نهائي من الجامعة التونسية للعلامة منصف بن سالم أحد أعضاء وكالة النازا للفضاء سابقا وأحد أبرز علماء الفيزياء والرياضيات على مستوى العالم وواحد من أشهر أعلام الحركة السياسية المعاصرة في تونس,وهو أيضا واحد من أشهر أعلام مدينة صفاقس وواحدة من ضواحيها المهملة والذي كان لي شرف اللقاء به في مرات عدة وسأقف على رواية بعض من تفاصيل الحديث معه في مذكراتي القادمة بمشيئة الله تعالى
 

مرسل الكسيبي

كاتب واعلامي تونسي

28-03-2006

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com