31/03/2006


 

أي تفكيرهذا ياسدنة التفكير!؟

 

 

مرسل الكسيبي

 

كان البعض من سدنة التفكير والحداثة السلطوية المخادعة في بلادنا يتهم خصومه من أبناء مدرسة الوسطية الاسلامية بالأمس القريب بالتكفير!!!,ثم شاءت أقدار الاله يوما أن أعيش لأرى أن دعاة الحداثة المغشوشين من المتمترسين بجلباب السلطة وأدوات قهرها الغاشم ينقلبون الى تكفيريين حقيقيين بقرارهم في تونس الغاء مادة التفكير الاسلامي والغاء تدريس مواد العربية والتربية المدنية والتاريخ والجغرافيا من التعليم الثانوي!!! ,واذا كان التكفير العقدي مرفوضا من العوام ومشروطا لدى العلماء بشروط صارمة تجعله في بوتقة أشبه بالمستحيلات ,فان التكفير السياسي والعلمي والمعرفي يصبح أمام شبه استحالة الأول في عداد الكبائر والموبقات وأشد الاثام والمحرمات. ولست أدري حينئذ أي تفكير هذا وأي عقل بل أي مرض وأي سقم يسمح لنفسه اليوم أن يقود بلدنا العزيز الى سياسة تجهيل معرفي لم يسبق لها مثيل منذ مرور خمسين سنة على ذكرى الاستقلال.

 

واذا كنت اليوم وبكل صراحة أستبعد تماما أن يكون المخضرمون من الساسة الذين صاحبوا الرئيس الراحل في رحلة الحكم منذ سنة1956 وراء هذا القرار فانني أتهم صراحة الحزب السري الحاقد على لغة البلاد ومعتقداتها وميراثها وتاريخها الحضاري بالتخطيط لسلخ شباب تونس وأجيالها القادمة من مربع الانتماء الى حضن العروبة والاسلام والمعرفة الانسانية بأبعادها الحضارية الشاملة.

 

ولن أتهم عندئذ التيار العريض في الحزب الحاكم بهذه الفعلة الشنيعة أو بهذا البالون الاختباري المفزع ,فهؤلاء ميالون بطبعهم الى الحفاظ على لغة ولسان البلد وهويته الحضارية وهؤلاء يستحقون فعلا ومهما اختلفنا معهم في بعض القضايا السياسية  منا صادق التحية ,فيكفي أن تعرف حب هؤلاء للعلامة الراحل عبد الرحمن خليف وحزنهم على فقدان تونس لواحد من أبرز علماء العصر حتى تدرك أن الخطر لايكمن في أسماء سياسية عريقة البعض منها يتقلد اليوم مناصب ووزارات غير سيادية وانما يكمن في دعاة الحداثة المغشوشين الذي بنوا داخل أجهزة السلطة من خلال الاستعداء على التيار الاسلامي الوسطي والمعتدل ممالك ومواقع وثروات وعلاقات جعلتهم يرون في كل اصلاح أو مصالحة وطنية أو بوادر انفتاح سياسي صيحة عليهم. فهؤلاء اليوم أصبحوا يأسرون القرار بالوشاية والكذب والدسيسة ولايرون مخرجا لأزمتهم التي تعمقت بعد ميلاد حركة الثامن عشر من أكتوبر الا عبر الحفاظ على الوضع الحالي ومزيد من المراوغة والانغلاق والتحجر في وجه دعاة الاصلاح في تونس,بل انهم تجردوا من انسانيتهم كي يتمتعوا برؤية الموت يأتي على بقايا أجساد وهمم تقبع في السجن والزنزانات منذ عقد ونصف لمجرد أن أصحابها من أنصار العروبة والاسلام والحداثة المتوازنة.

 

أي ضمائر يحملها هؤلاء وقد جاب بعضهم السجون بصفة عالم النفس ليقدم لسجناء الرأي دروسا ومواعظ في مشروعية الشذوذ الجنسي والحض عليه والدعوة الى تعاطيه بدعوى أنه مما اقتضته الحداثة والعصرنة ,بل وصل الأمر بواحد منهم الى توزيع الكتب والمراجع الفاسدة على سجناء حزب العمال الشيوعي كي يناظروا المعتقلين النهضويين بهذه الأدبيات الفاسدة,وكان أن خيبه الله أكثر هو وأمثاله من الحداثيين المغشوشين والقمعيين والمتلذذين بعذابات شباب واطارات تونس العليا داخل السجون وخارجها يوم أن انطلق الأستاذان حمة والعياشي الهمامي بشهامة الرجال ليقولا لأمثال هؤلاء ان الفكر اليساري والمشروع العقلاني هو أرفع من مثل هذه القذارات التي تلبست بالعقل لتئد انسانية الانسان وشهامة الرجال فيصبحوا مساحين على عتبات الظلم الذي تمقشر فقط بظاهر هذه الألفاظ ووأد جوهرها.

 

المسؤولية اليوم ملقاة على معشر الجمهور العريض داخل التجمع الدستوري الديمقراطي وقادته الكبار من الذين تجردوا من هذه العقد والأمراض كي ينقذوا تونس من هذه الحفنة المتسلقة التي زحفت الى ديار حزب عريق أسسه قادة عظام بحجم الشيخ عبد العزيز الثعالبي وزعيم تاريخي مثل الحبيب بورقيبة والذي وان انحرف في بعض فترات حكمه بالدولة الا أنه يظل زعيما لم يحمل في تاريخه مثل هذا الغل ومثل هذا الحقد على الانتماء العربي والاسلامي لتونس ,والذي لم يكن يوما ما يرى الحداثة بالغاء ومسح لسان العرب من معارف مناهج التعليم في تونس ولا في تجريد شبابها وبنيها من معارف التاريخ والتربية الوطنية أو الالغاء النهائي لمادة التربية الاسلامية ,فيكفي أن نرصد طيلة فترات حكمه حتى نسجل بأن هذه المواد التعليمية بقيت على مدار ثلاثة عقود من حكمه محل تواجد وفعل في الساحة المعرفية والمناهجية بالتعليم الثانوي وغيره.

 

أي مصيبة هذه حلت بتونس!,وأي نخبة هذه تمترست بالحكم !,وأي فساد بلغه هؤلاء حتى تبلغ بهم الحيلة هذا المبلغ ! ,بل انني مازلت أستبعد أن يحضى هذا القرار برضى رئيس الدولة,الذي خاطبنا في بيان 7 نوفمبر بلسان عربي مبين ووعدنا باحترام هوية البلاد ودعمها ومزيد من دمج تونس في محيطها العربي والاسلامي ..,ولست أظن أن مثل هذا القرار اذا ماتخذ فعلا في القادم من الشهور بصفة عملية سيعزز من مناخات الرضى والاستقرار في بلد بات تحت رصد الدوائر الخارجية قبل الداخلية.

 

امل أن تكذب الأيام نهائيا هذا البالون الاختباري الذي وزع في شكل مناشير من وزارة التعليم على الأساتذة في ثانويات تونس وعقدت من أجله نقابة الأساتذة منذ يومين فقط ندوة صحفية طارئة,غير أن المطلوب يبقى أضخم من التراجع عن هذه الخطوة البائسة والحاقدة والمريضة ,حيث أن الجميع يبقى في انتظار قرارات رئاسية وسياسية شجاعة تعيد الابتسامة الى شعب تونس وشبابها وبناتها وهم يرون بلدهم يدخل بجدية أطوارا جديدة من حقبة الاصلاح السياسي العادل والشامل بعد ماحققه من نسب نمو محترمة لابد أن نفخر بها حتى وان اختلفنا مع معاشر القائمين على شؤون الحكم ومسيريه.

 

مرسل الكسيبي

كاتب واعلامي تونسي

 

الأول من ربيع الأنور1427هجري

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com