في الساحة
العربية يُقال بإلحاح إنّ «الاتحاد المتوسطي»، وعلى وجه الدقة: عملية
برشلونة.. اتحاد من أجل حوض البحرالأبيض المتوسط، لن يكون بوابة لما يسمّى
التطبيع، كما لو أنّ «التطبيع» ينتظر هذه الخطوة ليتحقق، فهو غير مطروح
خارج هذا الإطار، ولا يجري السعي له على أرض الواقع، وليس معروضاً عبر «مبادرة
سلام»، ولا هو قائم عبر العلاقات العربية-الإسرائيلية في عدد من البلدان
العربية!!!
إنكار شبح «التطبيع»
اللقاءات
والمصافحات التي جرت أكثر من مرة، على هامش أكثر من ملتقى، في الأرض
العربية وخارجها، وآخرها مع رئيس العراق تحت الاحتلال، لم تنتظر نشأة اتحاد
متوسطي، وستتكرّر خلاله.
الزيارات
المتبادلة، من مثل زيارة الرئيس الإسرائيلي في الدوحة، فضلاً عن زيارات
جارية مع دول «مطبّعة» كمصر والأردن، لم تنتظر نشأة اتحاد متوسطي، وستستمر
بعده.
ولا ينفي ما سبق
أنّ المشروع الجديد ينطوي على جانب «تطبيعي» أيضاً وهو أساسي في إعطائه
صورة تقويمية، ولكن مع عدم إغفال جوانب أخرى، وهنا لا يغيب عن الأذهان أن
المحطة الأولى للمشروع ليست باريس رغم الاحتفال الضخم فيها، بل كانت في
برشلونة قبل 13 عاماً.
التركيز في
الساحة العربية على مسألة «التطبيع» كبير، مع استبعاد مخاوف تسلله عبر «اتحاد
ساركوزي» -كما يجري التهكم عليه أوروبياً- وأبرز من ركّز على ذلك وزير
الخارجية المصري أحمد أبو الغيط بقوله إن 13 سنة من العمل عبر «عملية
برشلونة» لم تؤدِّ إلى «تطبيع» عربي - إسرائيلي.
هذا التركيز
يكشف عن أمور عديدة، أبرزها:
1- المسؤولون
الذين مضوا في هذا الطريق أشواطاً بعيدة، وهو ما يسري على مصر أكثر من
سواها، يدركون حجم المعارضة الشعبية لما يصنعون «تطبيعاً»، فيشعرون بضرورة
استبعاد هذا الشبح المرفوض شعبياً، عند تسويغ مشاركتهم في هذه الخطوة
الأوروبية الجديدة.
2- توجد في
المشروع عناصر ترجّح قابلية اعتباره بوابة لمزيد من خطوات «التطبيع»، ويشير
إلى ذلك تصريح وزير الخارجية الفرنسي كوشنير قبل انعقاد المؤتمر التأسيسي
بأنّه «خطوة تاريخية»، ثم تعليل نظرته هذه بأنّ مؤتمر باريس «يجمع لأول مرة
بين الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت في
لقاء دولي مشترك».
3- يكشف التركيز
المشار إليه في الساحة العربية أيضاً عن إحساس المسؤولين بأن المشاركة في
المشروع تحتاج إلى التسويغ، ولا ينشأ هذا الإحساس دون إدراك وجود خلل فيه
يستدعي التسويغ.
خلل برشلونة القديم
ما هو الخلل في
خطوة تمّ تحجيمها أوروبياً كيلا تتجاوز حدود أمرين، أولهما إشباع غرور
الرئيس الفرنسي ساركوزي وتطلّعه إلى تسليط الأضواء على وجود «دور دولي كبير»
لفرنسا في عهده، وثانيهما اختصار الجانب العملي للمشروع في حدو «استئناف»
ما هو موجود منذ 13 سنة تحت عنوان عملية برشلونة، وهذا ما جعل المشروع
يتحوّل من تسميته «الاتحاد المتوسطي» كما أراده ساركوزي إلى تسميته «عملية
برشلونة.. اتحاد من أجل المتوسط» وبالتالي حصره في نطاق مشروع تابع لإدارة
«الاتحاد الأوروبي»، فهو الذي يعمل من أجل حوض البحر الأبيض المتوسط،
بمشاركة من يريد المشاركة.
لكن الإخفاق
بالمنظور الأوروبي يتجلّى في أنّ المشروع لم يحقق كلّ ما كان يراد منه. هل
تبدّلت المعطيات الآن؟..
بمنظور صناعة
القرار السياسي بدا قبل فترة وجيزة، أن العقبة الليبية حُسم أمرها بعد
تجريد ليبيا نفسها من «تهمة» مشروع نووي، وأن العقبة اللبنانية زالت بعد «تحرير»
لبنان من قبضة السياسة السورية.. وبقيت مشكلة «السلام التطبيعي» مع سورية،
وهذه بدأت «حلحلتها» في ما يوصف بالمفاوضات غير المباشرة، والتلويح أمام
بوابة مؤتمر باريس بمفاوضات مباشرة أيضاً برعاية فرنسية وأمريكية.
بمنظور استهداف
«التطبيع» -مع تأكيد وجود عناصر أخرى يلي الحديث عنها- أصبحت خطوة تطوير
مسيرة برشلونة بدفعة جديدة ضرورية أوروبيا، فانتُزع من المشروع الجديد ما
كان «جديداً» فيه وفق تصوّرات ساركوزي وطموحاته، وأعيد إلى «سكة برشلونة»
الأوروبية.. الغربية، وتُرك الإخراج للرئيس الفرنسي.
خلل باريس الجديد
في هذه الأثناء
نرصد كيف أنّ جميع ما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان وما إلى ذلك، تمّ
تغييبه غربياً، بعد أن أظهر مسلسل انتخابات بقيود مخففة جزئياً، أنّ
الحصيلة تصبّ في صالح وصول التيار الإسلامي إلى السلطة يوماً ما، وكان
انتخاب حماس فلسطينياً «القشة التي قصمت ظهر البعير الغربي» بهذا الصدد.
هذا النهج الذي
سرى على التعامل الغربي مع المشاريع الأخرى يسري على «عملية برشلونة..
اتحاد من أجل المتوسط».. ففي مشروع ساركوزي أيضاً استبعدت هذه الجوانب بشكل
ملحوظ، ولم تعد تحظى بأكثر من عبارات جانبية في الوثيقة التأسيسية التي
أعدت لمؤتمر باريس، كما استبعد تماماً أي دور أو دعم أو ذكر لمنظمات
المجتمع المدني غير الحكومية.
بتعبير آخر: لقد
كشفت مسيرة برشلونة وسواها، أنّ الإرادة الشعبية ترفض مسيرة «سلام تطبيعي
جائر»، فاعتبر ذلك مرضاً، وكان العلاج باستئصال «غدّة الإرادة الشعبية».
هذا خلل لا يكشف
فقط عن مدى خواء شعارات مرفوعة غربياً، كما يتردّد عادة في مثل هذه
المناسبات، بل يفتح أيضاً بوابة إخفاق أكبر ممّا سبق، يمكن أن ينال حتى
الجوانب الإيجابية في مشاريع اقتصادية وبيئية مطروحة في هذه الطبعة
المعدّلة لمشروع برشلونة.
الغائبون على حق
الإخراج فرنسي
وهذا ما تُرك لساركوزي أن يجعل من الاحتفال مهرجاناً ديبلوماسياً ضخماً
عشية «اليوم الوطني الفرنسي» بحضور جميع المدعوين من رؤساء ورؤساء حكومات،
باستثناءات لا يستهان بها، منها مقاطعة القذافي رغم محاولة «شراء حضوره»
باتفاقية فرنسية على الطاقة النووية، وهو ما استخدم أيضاً بين سبل إغراء
الرئيس الجزائري للحضور بعد ممانعة سابقة، بينما بدا أنّ الثمن الذي أغري
به الرئيس السوري ثمن سياسي عنوانه المبدئي هو «تطبيع» العلاقات
الفرنسية-السورية، وآثر الملك الأردني البقاء في «إجازته» مما يشير إلى عدم
توقعه من المشاريع الأوروبية المتعددة شيئا!..
تعليل الغياب
يكشف عن جوانب أخرى من جوانب الخلل في هيكل تعاوني يصعب تحقيق التوازن فيه
وهو منعدم بين المجموعتين الرئيسيتين المتقابلتين فيه، الأوروبية والعربية
تخصيصاً.
1- ليس المشروع
تعاونياً بين مجموعتين دوليتين أو أكثر، ولا حاجة إلى تفصيل في أمر واضح،
عبّر عنه القذافي بقوله إنّه يخشى من النتائج على الاتحاد الإفريقي، وهو
الذي تأسس بمبادرة منه بعد منظمة الوحدة الإفريقية، وقال إنه يخشى على
جامعة الدول العربية، وليس مجهولاً أنّه وقف منها موقفاً سلبياً في كثير من
الأحيان.
2- المشهد يعطي
كلام القذافي وزناً موضوعياً، فالمشروع ليس مشروعاً لحوض البحر الأبيض
المتوسط، أو على الأقل لم يعد كذلك يوم تأسيس «اتحاده». وعندما وُجد ما
يعطيه وجهاً متوسطياً في صيغته الأصلية، أثار ذلك الغضب الأوروبي، لا سيما
الألماني، فعورض بشدة. ومع تحويله إلى مجرد استئناف للمشروع الأوروبي
القديم تحت عنوان برشلونة، يتضح عدم قيامه على مبدأ «المشاركة» بين دول
أعضاء على قدم المساواة.
3- المطلوب
بوضوح تثبيت الإدارة الأوروبية لهذه المسيرة «البرشلونية-الباريسية» إذا
تجنبنا استخدام تعبير الهيمنة الأوروبية المحضة عليها، وهذا ما ينعكس في
المشاريع التطبيقية، ويكفي التنويه إلى ما يسمى التعاون الأمني ضدّ الإرهاب،
أو التعاون في مكافحة هجرة إفريقية إلى أوروبا.
4- من مظاهر «تعاون
الهيمنة» وليس التعاون على قدم المساواة، أنّ اعتراض الأوروبيين على فرنسا
أن تتحرّك بمشروع متوسطي محض، أدّى إلى أن يصبح الاتحاد الأوروبي «كلّه»
طرفاً في المشروع الجديد، أما تحديد الأطراف المتوسطيين غير الأوروبيين،
فكان من الأصل انتقائياً وبقي كذلك. مثال ذلك أنّه ليس لموريتانيا والأردن
سواحل متوسطية، وقد شملتهما الدعوة لحفل التأسيس، ولكن لم تشمل السودان أو
اليمن مثلاً.
ولا يعني ما سبق
غياب الأطروحات الإيجابية عبر هذا المشروع، لا سيما ما يتعلق بمشاريع كبيرة
مثل مكافحة التلوّث في البحر الأبيض المتوسط، أو رفع مستوى المواصلت
البحرية، ولكن يبقى ذلك في الوقت الحاضر «عناوين» مشاريع، يُنظر فيها على
ضوء التعامل التطبيقي معها، وإن كانت الخبرة سلبية مع عناوين شبيهة في مطلع
عملية برشلونة قبل 13 سنة.
|