17/07/2008
 

اتحاد من أجل المتوسط ..أم تحالف للمتناقضات!
بقلم: سعد بن أحمد  - نواكشوط - "لإسلام اليوم"

 
وأخيرا وجد حلم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي طريقه إلى النور في حدث احتفالي مهيب احتضنه القصر الكبير بالعاصمة الفرنسية باريس، وبحضور أكثر من أربعين رئيس دولة أوروبية وعربية يتجاوز تعداد سكانها 800 مليون نسمة.
 
لكن ما الذي ستستفيده الدول العربية المتوسطية من الدخول في مبادرة ساركوزي، وبهذه الدرجة من الحماس والاندفاع ؟ وما الذي تنتظره بلدان جنوب وشرق المتوسط بتناقضاتها السياسية المعروفة، وتحدياتها الاقتصادية والاجتماعية المزمنة، في مقابل كتلة أوروبية موحدة ومتجانسة سياسيا واقتصاديا وثقافيا ؟
 
قد يكون من السابق لأوانه الإجابة على هذه التساؤلات الآن، لكن يمكننا القول مع ذلك إن جميع المعطيات الحالية، والتجارب السابقة لا تبعث كثيرا على التفاؤل والأمل.
 
قمة الاتحاد من أجل المتوسط والتي شهدت حضورا لافتا فاق كل التوقعات لقادة ورؤساء 43 دولة من إفريقيا وأوروبا وآسيا ، تأتي إذن تتويجا لحملة دبلوماسية مكثفة، بدأها الرئيس الفرنسي ساركوزي منذ وصوله لقصر الأليزيه قبل أكثر من سنة . ومع أن ساركوزي حرص في خطابه الافتتاحي للقمة على توجيه تحية خاصة "لجميع الدول العربية " التي مثل حضورها "بادرة سلام " مشيرا إلى أن شعوب وبلدان حوض المتوسط معنية أكثر من غيرها بتحقيق السلام والمصالحة فيما بينها، إلا أن الرئيس الفرنسي - والذي تتولى بلاده حاليا الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي - لم يقل لنا ما نوع السلام الذي يبشر به، وما الثمن المطلوب لبلوغه ومن أي طرف يتعين تقديمه، ولا على أي قاعدة تكون المصالحة المنشودة !
 
بين الواقعية وأمجاد الماضي
 
ويسعى ساركوزي إلى تجسيد طموحه المتوسطي من خلال شراكة فعالة ، تتحول فيها بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط من مجرد دول متجاورة، إلى بلدان تجمعها الشراكة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. بل وحتى السياسية. فهل هي مبادرة واقعية وقابلة للبقاء من خلال "إقامة نسيج تضامني حول مشاريع حيوية" كما يرى الرئيس الفرنسي، أم هو مجرد حلم للتميز والريادة، ومحاولة - ربما جاءت في الوقت الضائع - لاستعادة مجد فرنسا الضائع ؟
 
الإعلان المشترك للقمة التأسيسية للاتحاد من أجل المتوسط والذي جاء في عشر صفحات، لم يخرج عن المألوف، واتسم بالضبابية فيما يتعلق بملف السلام في الشرق الأوسط، وهكذا جاءت الإشارات العابرة "لانسحاب إسرائيلي من الأراضي الفلسطينية" بين قوسين، للدلالة على أنها لا تلزم سوى أصحابها، بينما تم الإبقاء على المطالبة باحترام المعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، وهي نفسها توصيات مسار برشلونة الذي يبدو أن الاتحاد من أجل المتوسط قام على أنقاضه.
 
وعكسا لما كان منتظرا لم يحظ موضوع الهجرة السرية إلى أوروبا بكبير اهتمام خلال قمة باريس، وهو ما ولد شعورا بالارتياح لدى دول الجنوب التي لا ترغب في أن تتحول إلى مجرد شرطي لحراسة حدود أوروبا الجنوبية ، وحمايتها من موجات الهجرة السرية القادمة من البلدان الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء.
 
المسكوت عنه ..
 
فكرة الاتحاد من أجل المتوسط قوبلت بتحفظ من بعض الدول، ورفض صريح من البعض الآخر كما حال ليبيا التي اعتبرتها "مشروعا عنصريا وتهديدا خطيرا للاتحاد الإفريقي"، بينما عبرت الجزائر عن مخاوفها من أن يمثل هذا المشروع محاولة للتطبيع المجاني تحت شعار التكامل والشراكة الاقتصادية، وهو المسعى الذي فشل مسار برشلونة السابق في تحقيقه منذ إعلانه منتصف التسعينيات من القرن الماضي.
 
ولعل مما يعزز هذا التخوف الجزائري العلاقات الوثيقة التي تربط الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بالدولة العبرية وباللوبي الصهيوني في فرنسا، هذا إضافة لتحالفه الاستراتيجي مع الرئيس الأمريكي بوش منذ اللحظات الأولى لوصوله لقصر الأليزيه بباريس.
 
وإذا أخذنا في الاعتبار فشل المشاريع الأمريكية الهادفة للتطبيع مع الدولة العبرية منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 يكون من الوارد جدا في هذا السياق أن يقوم ساركوزي بحملة علاقات عامة لتسويق مشروعه المتوسطي - في تقاسم مكشوف للأدوار بين واشنطن وباريس - هدفه النهائي هو فرض "إسرائيل" على شعوب وبلدان حوض البحر الأبيض المتوسط تحت شعارات ولافتات وهمية من قبيل التعاون والشراكة الاقتصادية !
 
وينتظر أن يجتمع قادة الاتحاد من أجل المتوسط في قمة دورية كل سنتين، على أن يجتمع المجلس الوزاري للاتحاد مرة في السنة ، مع إنشاء أمانة عامة لم يحسم موضوع مقرها خلال قمة باريس، وينتظر أن يتم اختيار دولة المقر خلال الأسابيع القادمة، علما بأن تونس والمغرب تعدان أبرز المرشحين لاستضافة الأمانة العامة للاتحاد الجديد، الذي تتولى مصر رئاسته الدورية للسنتين القادمتين.
 
 
نقلا عن صحيفة "الإسلام اليوم" 14/7/2008"
 
 
للتعليق على الموضوع
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

libyaalmostakbal@yahoo.com