راجع الحلقات السابقة(عودة الإمام السنوسي من الجبل الأخضر إلى الحجاز)تأسيس الزوايا السنوسية في القطر المصريفي منتصف عام 1262هجري – يونيو 1846 ميلادي. توجه الإمام السنوسي الكبير إلى الحجاز عن طريق البر من درنة إلى حدود مصر الغربية ثم واحة سيوة و كلما مر في طريقه على قبيلة من القبائل تعلقوا به وقاموا بخدمته وطلبوا منه إقامة زاوية لهم أُسوة بقبائل برقة والجبل الأخضر، فأسس في طريقه زاوية (أُم الرزّم) وزاوية (دفنة) ونزل ضيفاً على (عبد الله بوسويحل) شيخ مشايخ عائلة بو مريم واستراح في بيته أياماً .. ولمل دخل الصحراء الغربية أسس فيها زاوية (حوش عيسى) و(أُم الرخم) وزاوية (النجيلة) وزاوية (الحقنة) وقد مر في طريقه على عائلة (عميره) فأكرموا نزله و قام بالإصلاح بينهم وبين خصومهم، ثم أسس زاوية (الزيتون) ثم قصد الواحات البحرية ومكث بها أياماً ليؤسس زاوية.. وتعرض لسيادته أعيان من أهل الفيوم وطلبوا عودته إليهم وزيارتهم فاعتذر لهم لضيق الوقت وقُرب موسم الحج وأمر بتأسيس زاوية لهم ثم تابع سفره إلى واحة (الفرافرة) ولم يتسنى له تأسيس زاوية، وقد أسسها بعده أبنه السيد المهدي. ثم توجه من الفرافرة إلى الواحات الداخلة حيث أسس بها زاوية سنوسية لأهل تلك الناحية .. ثم استكمل سيره إلى الواحات الخارجة وأمر بتأسيس زاوية بها ثم والى سفره إلى مديرية (قِنا) ومنها إلى القصير "وهو ميناء على البحر الأحمر" وكان هو الميناء الوحيد الذي يركب منه الحجيج إلى الحجاز سواءً إلى جدة رأساً أو إلى الوجه المقابل ..(الوصول إلى المدينة المنورة)وركب الإمام السنوسي من ميناء القصير إلى ميناء الوجه، ففرح به أهل الوجه كثيراً وأقام عندهم أياماً قلائل وأمر بتأسيس زاوية لهم وذلك تلبية لرغبتهم وإلحاحهم .. ثم واصل المسير إلى (ينبع) ومنها عرَّج على المدينة المنورة – على ساكنها أفضل الصلاة والسلام – وكان بها حضرة الخليفة بالحجاز السيد (عبد الله التواتي) ومعه كثير من الإخوان والعرب ينتظرون قدوم الإمام؛ وكانت زاوية المدينة لم تُؤسس بعد فنزل خارج المدينة في خيام ولم يمكث أكثر من ثلاثة أيام .. ثم اتخذ طريق الحجيج المعروفة إلى مكة المكرمة والتي تمر بموقعة بدر.(وصوله إلى مكة المكرمة)وصل الإمام محمد بن علي السنوسي مكة آخر شهر ذي القعدة و حضر حج عام 1262 هجري - ديسمبر 1846 ميلادي. وكان أمير مكة وقتها هو الشريف (محمد بن عون العبدلي) وعند نزول الإمام السنوسي بزاويته بجبل أبي قبيس انهالت عليه الوفود من بادية وحاضرة لأنهم كانوا قد عرفوه وعاشوا معه ولمسوا بركته .. ولذلك كانوا متعطشين لرؤيته وزيارته واكتساب دعواته .. هذا وقد ظل شريف مكة يزوره من حين لآخر.بدأ الشيخ محمد بن علي السنوسي كعادته دروسه المفيدة في زاوية جبل أبي قبيس .. فأصبحت تلكم الزاوية كعبة طلاب العلم ومحبي الخير .. وانتشر صيته بين أهل الحرمين الشريفين وما بينهما من البوادي .. فلقد سخر الله له قلوب المحبين وأنار به بصائر من أراد الله به خيراً. وأخذ الإمام يتردد ما بين الحرمين الشريفين لينشر العلم الشرعي والدعوة والإرشاد من خلال تأسيسه لزوايا : جدة – بدر – المدينة المنورة – الحسنية – ينبع – رابغ – الوجه – أملج – المويلح – ضبا. أمَّا الطائف فقد سيق أن ذكرنا أنه بدأ في تأسيسها قبل سفره الأول إلى المغرب العربي .. وقد شاع ذكر الإمام السنوسي في الحجاز واليمن والهند وجاوه والسودان والشام ومصر .. وانتفع به خلق كثير وهيأه الله لنفع الأمة على اختلاف طبقاتها (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم).(الأمير عباس الأول بن طوسون بن محمد علي حاكم مصر)حينما كان الإمام محمد بن علي السنوسي بمكة عام 1242 هجري – 1826 ميلادي. وصل إليها الأمير عباس الأول بن طوسون مُرسلاً من قِبل جده محمد علي ليكون في مكة بعيداً عن عمه (إبراهيم باشا بن محمد علي) لأنه كان يخشاه عليه، وكانت للقائد إبراهيم سلطة نافذة خاصة بعد أن نجح في محاربة السعوديين ومحاربته للأتراك أيضاً ..و فعلاً مكث الأمير عباس في مكة مدة تزيد على ثلاثة عشر عاماً كان يتردد خلالها على السيد الإمام محمد بن علي السنوسي في زاويته بجبل أبي قبيس و يشرب عنده الشاهي الأخضر الذي كان لا يتوفر إلا في زاويته إذ كان يُجلب إليه من الهند والصين بواسطة تلاميذ الإمام السنوسي .. وكان الأمير عباس يشكو للإمام جبروت القائد إبراهيم ويخشى بطشه وغائلته .. فكان رد الإمام السنوسي للأمير عباس: أنت إذا بلغت من العمر كذا "وحدد له سناً محددة" تكون عزيز (مصر). وكان عباس يستبعد ذلك .. فقدر الله وفاة القائد إبراهيم، فأرسل محمد علي حاكم مصر إلى عباس يستدعيه .. وولاه الحكم في حياته، ولذلك عقد عباس النية أن يبني للإمام السنوسي زاوية في القاهرة تكون وحيدة عصرها وزمانها .. وفعلاً قام بتخطيطها في محل محطة بوابة الحديد الموجودة بالقاهرة اليوم .. وبدأ في تشييدها وظل العمل جارياً مدة عام ونصف وقد بالغ في زخرفتها و فرشها و اقتطع لها ثلاثمائة فداناً وجعل هذه المساحة وقفاً للزاوية .. ولم يبق إلاّ تسليمها لمن يعينه لها الإمام السنوسي .. ولكن السيد الإمام لم يكن له حرص عليها ولا رغبة فيها .. فقدر الله بوفاة الخديوي عباس و تولية سعيد باشا .. وكان الأخير على العكس يكره الإمام السيد السنوسي فأمر بهدم مبنى الزاوية و جعل أرضها أميرية (ملكاً للدولة ) كما أمر بإلحاق أرض الوقف إلى إدارة الأوقاف .. ولقد أقيمت فيما بعد على هذه الأرض محطة بوابة الحديد الموجودة اليوم بالقاهرة.(إمارة الشريف عبد المطلب بن غالب الثانية لمكة المكرمة)في عام 1267 هجري – 1851 ميلادي. عزلت الحكومة العثمانية أمير مكة الشريف (محمد بن عون العبدلي) عن إمارة مكة ونفته إلى استانبول مع أولاده، وعينت مكانه الأمير (عبد المطلب بن غالب الزيدي) وكان الشريف عبد المطلب من المحبين المتفانين في خدمة السيد الإمام السنوسي ويُعد من تلاميذه لأنه كثيراً ما كان يحضر دروسه ومجالسه قبل توليته الإمارة وذلك خلال الأعوام 1242 هجري إلى 1255 هجري – 1827 ميلادي إلى 1839 ميلادي. فبذل الشريف عبد المطلب لسيادته شتى أنواع المساعدات وأقطعه أرضاً واسعة للزوايا بجبل أبي قبيس و كذلك مجموعة من الجياد و منحه صكاً بذلك ثم زاد وأقطعه أراض للوقف السنوسي في كل من جدة والطائف والمدينة المنورة .. كما سعى لدى السلطان عبد المجيد بن محمود العثماني وحصل له على فرمانٍ (قرار سلطاني) بإعفاء الزوايا السنوسية من العوائد الأميرية (الضرائب الحكومية) عموماً وأينما كانت، ودرج على ذلك بعده سلاطين وأمراء مكة وحكامها حتى هذا التاريخ "1386 هجري – 1966 ميلادي". وخلال الأعوام السبعة التي أقامها الإمام السنوسي في الحرمين الشريفين وبعد عودته من الجبل الأخضر كثر أتباعه وأصبح اغلب خواص أهل الحرمين في سلك الدعوة السنوسية وتلاميذاً للشيخ السنوسي و تعلق به كثيرٌ من أهل البادية والحاضرة والأشراف.(وفود من الليبيين تزور الإمام بمكة والمدينة)في موسم الحج من كل عام كانت تفد على الإمام محمد بن علي السنوسي وفود عظيمة لزيارته وأخذ العلم الشرعي عنه واكتساب دعواته الصالحات ثم تلتمس منه العودة إليهم .. ومن جملة من وفدوا إليه مراراً لهذا الغرض الشيخ (علي لطيوش) شيخ قبائل المغاربة ببرقة البيضاء والشيخ (بوشنيف الكِزَّة) رُغم كبر سنه والشيخ (يونس الكزة) والشيخ ( بوبكر بوحدوث) وابن عمه الشيخ (عمر بو جلغاف) والشيخ (مقرب بوحدوث) والشيخ (الكاسح بوديهوم) والشيخ ( الفضيل بوخريص) ومن الحاضرة (الحاج سنينة) والحاج (عبد الله شتوان) والحاج (محمد كاهية) والحاج (الأمين الشتيوي) والحاج (حمد بن علي) والذي توفي بالحجاز والشيخ (محمد بللو) كل هؤلاء وفدوا إلى الحجاز في موسم الحج كما وفد إليه من طرابلس الحاج (أحمد باشا المنتصر) وكان أمر الوصول إلى الحج صعباً جداً و خطراً على النفس والمال .. ولكن محبتهم القوية وعقائدهم المتينة دعتهم إلى تحمل المشاق واقتحام المخاطر لإتمام ركن الدين الخامس وكذلك للتشرف بزيارة الإمام السنوسي والتماس عودته إلى وطنهم الليبي.(زواج الإمام بالسيدة فاطمة البسكرية)تزوج الإمام السنوسي بمكة بعد عودته إليها من برقة بأمنا السيدة (فاطمة البسكرية) شقيقة السيد محمد حسن البسكري ووالدها هو السيد (حسن بن السيد أحمد البسكري) والذي وفد من الجزائر إلى مكة في النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري – الثامن عشر الميلادي. فحج و جاور مكة المكرمة .. وقد رزقه الله بنتين وولد .. أما الأولى فهي السيدة (فاطمة حسن البسكري) زوجة الإمام السنوسي، والثانية قد اقترنت بالشيخ (محمد وهبو) من الإخوان السنوسيين بمكة وهم موجودن بمكة ويشتهرون بلقب (بيت عالم) أما الإبن فإنه السيد (محمد علي حسن البسكري). ولقد كان السيد حسن البسكري من الإخوان الذين اخذوا العلم عن السيد (أحمد بن إدريس الكبير) ثم التحق بمولانا السيد (محمد بن علي السنوسي) وقد تلقى على يديه العلم الشرعي ثم رافقه في سفره عند عودته إلى برقة. |
||||||
|
|
||||||
|
|
||||||