04/04/2008

 

مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة) - القسم الأول (8)
لمؤلفها وجامعها: عبد المالك بن عبد القادر بن علي
1386 هجري - 1966 ميلادي
 
تصنيف – صلاح عبد العزيز (1428 هجري – 2007 ميلادي)

 
(التعريف بحقيقة الزوايا السنوسية)
 
السنوسية علم وعمل... دعوة وتربية و جهاد
 
في الحقيقة أن الزوايا حسبما هو معروف في لغة العرب (هي ملتقى كل رُكنين) وزاوية كل شيء تعني رُكنه وجمعه زوايا وزوايا كل شيء أركانه ، مثلما أُحدثت الملاجئ في العهدين الأُموي والعباسي وأصبحت معروفة ومبذولة بكثرة، ولقد أوجدوا بداخل هذه الملاجئ أماكن للغرباء والفقراء والمنقطعين .. وخصصوا لهم معلمين يعلمونهم القرآن وشيئاً من العلوم بصفة مشجعة لطلب العلم .. واشترط أصحاب هذه الملاجئ أنَّ الساكن بها لا بُد وأن يكون من طلبة العلم .. ومع الوقت تغيرت أسماء الملاجئ إلى مدارس وأصبحوا يطلقون عليها مدارس. ولا تزال بعض هذه الأماكن معروفة بهذا الاسم إلى تاريخه في عموم بلدان المسلمين وأغلبها في دمشق ومصر ومكة والمدينة .. ثم تطورت هذه المدارس وكثُر بها الطلبة وسُميت بأسماء الشخصيات الكبيرة التي أسستها، وهذه الشخصيات لها شأنها العظيم من العلم والصلاح والزهد.. كما أصبح لأتباع هذه الشخصيات زيُ مخصوص في أوقات مخصوصة بكيفية مخصوصة، وعُرِفوا بالسادة الصوفية جمع صوفي والصوفي معناه حسب الإصطلاح (هو ذاك الرجل العابد الزاهد في الدنيا وشهواتها والمنقطع لعبادة الله والمشتغل بما يقربه لربه ويبعده عمَّا لا يرضاه و يسعد به في الآخرة). وطبعاً حسب رسوخ هؤلاء السادة في العلم الشرعي وصلاحهم ومكانتهم أصبح لهم أتباعٌ يُعرفون باسم الشخصية التي اختاروها واتبعوها. وكما هو معلوم أن المذاهب الفقهية عند المسلمين محدودة والمعتمدة المتفق عليها أربعة (الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي) لذلك لم يستطع الأتباع أن يتسموا باسم المذهب الفقهي .. فاصطلحوا على اسم جديد وهو الطريق (أي طريق فلان) ومعناه "طريقة سلوكه في عبادته وزهده وتعليمه وإرشاده" وأصبح معلوماً لدى عموم المسلمين أن أتباع أي شخص هم أهل طريقته .. ثم اصطلحوا على تسمية المدرسة التي يجتمعون بها ويتعلمون فيها العلم الشرعي ويقيمون فيها أذكارهم وأورادهم (بالزاوية) وعادة تكون الزاوية هي مقر صاحب الطريقة ومقر من يقوم مقامه .. ومع الوقت تطورت هذه الزوايا حتى أصبحت أماكن معروفة للضعفاء والعجزة والمنقطعين والمتطلعين إلى حسنة المحسنين باسم الدين ويغلب عليهم الجمود والكسل.. وربما يظنون أن هذا مما يوجبه الدين لإسلامي !!! وطبعاً لا يقول بهذا إلا الجهلة والراكنون إلى الكسل والبطالة.
 
(حقيقة الطريقة السنوسية وأصولها)
 
أما حقيقة الطريقة السنوسية عند السادة السنوسية فهي كما قال مؤسس الطريقة السيد الإمام محمد بن علي السنوسي حيث قال : طرقتنا الكتاب والسنة أي القرآن والحديث وهي مبنية على ثلاثة أصول.
 
1 – تعلم العلم و تعليمه.
2 – إرشاد العباد لرب العباد ودعوتهم إليه.
3 – الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته .(*)
 
وكان الإمام السنوسي يأمر أصحابه ومريديه و متبعيه بالجد والإجتهاد والمثابرة على العمل وترك التكاسل والكسل .. وكان يقول لهم : الكيمياء في سكة المحراث .. ويقول أيضا: الإسلام قولٌ وعملٌ .. والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وكان يأمر أصحابه ويحتم عليهم بعد تلقيهم العلم الضروري أن يتعلموا أنواع المهن والحِرَف وكيفية الإشتغال بها .. فكان بين أتباعه العلماء الفطاحل والبناؤن الحاذقون والنجارون والخياطون والخرازون والحدادون والمزارعون .. وكان من بينهم أيضاً من يُحسن عمل البارود وأنواع الأسلحة وكيفية إصلاحها .. وفيهم من يجيد عمل السيوف وأنواع آلات السلاح الأبيض .. وبإختصار كانت الزاوية السنوسية بالمعنى الصحيح في كل مكان عبارة عن (وحدة كاملة صغيرة) تحتوي على عموم المستلزمات لحياة الإنسان في دنياه ودينه .. ولذلك عندما قامت الحرب بين السنوسيين والفرنسيين في السودان "قرو – تشاد" وأخيراً مع الطليان في ليبيا .. وجدت الدولتان (فرنسا وإيطاليا) أهل ليبيا على عمومهم جنوداً مجندة مُسلحة بكل ما يلزم وهم يحسنون استعمال أنواع الأسلحة والآلات الحربية ..كما أنهم يتقنون ركوب الخيل ويعرفون فنون المهن الضرورية لهم .. وبذلك استطاعوا المقاومة والصمود أمام عدوهم القوي والمدجج بكافة أنواع السلاح حتى "سلاح الطيران الذي أستخدم لأول مرة في التاريخ" ومع ذلك صمدوا لمدة أثنين وعشرين عاماً مع قلة عددهم وعتادهم أمام قوات الأعداء المؤلفة والمزودة بأحدث آلات الحرب المدمرة من طيارات ودبابات ومدافع ورشاشات ...
 
ومن هنا يتضح للقارئ الكريم أن (الشخص السنوسي) معناه هو "ذلك الأخ المتعلم والعامل بعلمه ... الداعية الحركي المحترف والمجاهد في سبيل الله. وفي حقيقة الأمر إن السنوسيين لم يأتوا بجديد في دين الإسلام، كما أنهم لم يخرجوا عن كونهم إخوان مسلمين يعملون بأوامر دينهم الحنيف ويطبقونها فعلياً: فهم للصلاة المفروضة مقيمون في أوقاتها وللزكاة هم مؤدون للسائل والمحروم وللعلم هم به آخذون وبه يعملون وهم يعدون العُدة لدفع العدو الصائل المعتدي الغشيم (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) ويأكلون من عرق الجبين وما كسبت أيديهم (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) ويذكرون الله صباح مساء (والذاكرين الله كثيراً والذاكرات) وذكرهم تلاوة القرآن وحفظه عن ظهر قلب والعمل بأوامره وإجتناب نواهيه. هذه حقيقة الفرد السنوسي وحقيقة الزاوية السنوسية أينما وُجِدَت.
 
(استجابة الإمام السنوسي لداعي الجهاد في الجزائر)
 
بعد تأسيسه لزاوية الطائف .. تاق الإمام (محمد بن علي السنوسي) للمساهمة في دفع "الصائل الغاشم الفرنسي" عن أرض الجزائر الإسلامية مدفوعاً بالغيرة الإسلامية والحمية الدينية .. فعقد النية لخوض غمار الجهاد المقدس .. فأحضر الإخوان (السنوسيون) وأخبرهم بعزمه قائلاً لهم: من رغب مرافقتنا فليجهز نفسه، ومن أراد جوار الحرمين فله الإذن ولا حرج عليه .. وهذه زاويتنا وبها خليفتنا (الشيخ عبد الله التواتي) - وهو أول شيخ تولى مسئولية زاوية أبي قبيس من بعد المؤسس ابن السنوسي .. ثم توجه الأستاذ السنوسي وبصحبته عدد كبير من (الإخوان السنوسيون) وذلك آخر عام 1255 هجري - مارس 1840 ميلادي. حسبما هو مدونٌ في مذكرات مرافقه الشيخ (محمد صادق البكري) والذي تولى فيما بعد مسؤولية زوايا الجريد بتونس . فتوجه الإمام السنوسي من مكة إلى المدينة المنورة ثم إلى القاهرة و كان قد ذاع صيته في كافة الأمصار الإسلامية، فلما حل بالقاهرة ونول بالجامع الأزهر .. وفد إليه الوفود من طلبة العلم الشرعي من مختلف طبقات الأمة .. وطلب منه بعض شيوخ الأزهر إسماعهم بعضاً من دُررِِ علومه النافعة، فعقد لهم عدة محاضرات ومجالس للعلم.. وفي أثناء إحدى دروسه وقف أحد كبار شيوخ الجامع الأزهر وقال مخاطباً العلماء: أنصتوا أيها العلماء .. فقد حل بين أظهركم إمام الأمة المحمدية ونبراس الشريعة المُطهرة وشمس المعارف الإلهية ألا وهو الشيخ (محمد بن علي السنوسي) - وهذا القول مثبت حرفياً في مخطوط الرحالة التونسي (محمد بن عثمان الحشائشي) والمحفوظ بدار الكتب المصرية - هذا ولقد حاز الإمام السنوسي رضا الجميع عدا شخص واحد وهو الشيخ (عُليش المالكي) والذي رأى في شخص السنوسي منافساً له ونجماً سطع نوره .. فوقعت الغيرة في قلبه !! وأثناء تواجد الإمام السنوسي بالقاهرة كانت صحته معتلة وكان لا يأكل شيئاً سوى شراب من الحليب صباحاً ومساءً فقط .. وكان الذي يقوم على خدمته أحد تلامذته - وهو طالب علم تركي - كان يقدم له كأس الحليب .. فأغواه الشيطان من الإنس أو الجن فوضع له السُمَ في الحليب !!! فما أن شرب الكأس حتى سقطت جميع أسنانه .. واشتد به ألم السُم حتى تدهورت صحته وأشرف على الهلاك. وأخيراً منَّ الله عليه بالشفاء بعد الإسعاف والعلاج إلا أن تداعيات المرض قد أصابته بأوجاع مزمنة في العظام وطفح جلدي كان يظهر عليه سنوياٌ بعد هذه الجريمة.. ثُم أرسل الإمام السنوسي في طلب الشيخ (عبد الله التواتي) من مكة، وعزم على السفر إلى الجزائر .. فاتخذ طريق الصحراء ماراً بواحة (سيوة) ثم واحة (جالو) و قد كان الشيخ (عمر بو حوا الأوجلي) في صحبة ابن السنوسي .. ثم انتقلوا إلى واحة (أوجلة) لزيارة صاحب رسول الله ( عبد الله بن سعد بن أبي السرح) وقد تعرف أهل أوجلة على الإمام السنوسي من قبل حيث مر بهم عام 1238 هجري - 1823 - ميلادي. ففرحوا بمقدمه فرحاً لا يكاد يوصف خاصة أن أوجلة هي بلدة الشيخ (عمر بو حوا) وبعد أسبوع توجه إلى برقة فنزل على نجع عائلة (اللواطي) من قبيلة العواقير فأكرموا نُزله ثم رافقوه إلى منتجع قبيلة المغاربة حيث شيخ قبيلتها (علي لطيوش) والذي تشرف بمعرفة السيد السنوسي من قبل وذلك خلال سفره الأول قاصداً مصر والحجاز. وبعد كرم الضيافة الحاتمي .. رافق الشيخ (علي لطيوش) الإمام السنوسي إلى منطقة (الهيشة) ما بين (سرت) ومصراتة .. وهناك استقبله (آل المنتصر) ومعهم أعيان مصراته ... ولم يلبث طويلاً بمصراته حيث غذى السير إلى (زليتن) ومنها إلى (طرابلس الغرب) حيث نزل سراً عند تلميذه ومُحبه (أحمد باشا المنتصر) ثم سافر إلى (زواره) ودخل الحدود التونسية - وكانت حكومة فرنسا الملعونة - تتتبع تحركات الإمام السنوسي وتنقلاته بإهتمام بالغ !! حيث أوعزت للحكومة العثمانية أن هذا الرجل مثير وله أتباع وأهداف تضر بمصلحة الحكومة التركية والخلافة !! ولا يُؤمن تحريضه للأهالي وقيامه بالدعوة ضد الحكومة التركية .. ولقد أزعجت هذه التقارير الزائفة حاكم ولاية طرابلس (علي عشقر باشا) كما قامت فرنسا أيضاً بإخطار حاكم تونس وطالبته بضرورة منع الإمام السنوسي من الوصول إلى الجزائر.
 
يتبع....
 
تصنيف – صلاح عبد العزيز
 
salahalimami@yahoo.com
 

- طبعة إلكترونية منقحة
(*) لعل هذا الأصل وهو "الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته" قد ميز الحركة السنوسية بميزة جعلت الفرنسيس في تشاد في مواجهة المجاهدين برئاسة السيد (ممد المهدي السنوسي) والإنجليز في حدود مصر الغربية في مواجهة المجاهدين تحت راية القائد (أحمد الشريف السنوسي) ثم الطليان الذين ذاقوا الأمرين في حروبهم المتتابعة لإحتلال الوطن الليبي.. حيث امتد جهاد الليبيين من سنة 1911 ميلادي - حتى سنة 1932 ميلادي. أي بعد استشهاد المجاهد البطل شيخ الشهداء (عمر المختار) كل هذه المواقف مجتمعة لعلها كانت سبباً رئيساً في اجتماع كلمة الأمريكان و الإنجليز والفرنسيين على التخلص من رمز هذه الحركة والتي أصبحت دولة في شخص ملك ليبيا الراحل (محمد إدريس السنوسي) ومما يؤكد هذا الترجيح موقف بريطانيا من الإنقلاب العسكري سنة 1969 ميلادي . حينما أرسل الملك إدريس مبعوثه الخاص السيد (عمر الشلحي) إلى لندن لتذكير الإنجليز بمعاهدة الدفاع المشترك بين بريطانيا وليبيا .. فجاء الرد سريعاً من لندن " إن هذا شأن داخلي .. ولا يمكن لنا التدخل بأي شكل من الأشكال !! وكذلك كان موقف الأمريكان في أكبر قاعدة لهم في الشرق الأوسط ساعتئذ (قاعدة هويلز) بطرابلس الغرب .. حيث كانت تراقب أحداث 1/9/1969 عن كثب ولم تحرك ساكناً !!
- راجع بقية الحلقات
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com