راجع الحلقات السابقة(دور الإمام السنوسي الكبير في الدعوة و الإرشاد و الإصلاح)ظل الإمام محمد بن علي السنوسي خلال الأعوام الثلاثة - 1258 هجري إلى عام 1261 هجري – في برقة و نواحيها من الجبل الأخضر يزور القبائل ويؤسس الزوايا حتى تم تأسيس ما ينوف عن عشرين زاوية كما كان طيلة هذه الأعوام يصلح ما بين القبائل المتنازعة باذلاً كل جهد لإزالة الأحقاد والضغائن من قلوب الرجال والتي طال أمدها وعمّ ضررها واعظاً ومُذكراً وراشداً إلى مكارم الخلاق، آمراً بترك العقائد الفاسدة والعادات القبيحة مثل تبرج النساء الذي كانوا يتباهون به والإختلاط الذي كانوا لا يعيرونه بالاً، ونهب بعضهم بعضا. و قتل النفس بأتفه الأسباب وضعف الإنقياد لأوامر الدين والدولة، وكان الشيخ السنوسي يأخذ من الرجال العهود والمواثيق على أن تكون الزوايا السنوسية وشيوخها هي مرجعهم في مختلف قضاياهم و مشاكلهم، ويرشدهم إلى توجيه أبنائهم لتلقي علوم القراءة والكتابة وأمور الدين وحفظ القرآن من خلال الزوايا التي تأسست لتوعية الجيل، كما كان يأخذ عليهم العهد باحترام الزوايا وشيوخها الإخوان وأن يبذلوا جهودهم لمساعدة أنشطة الزوايا فيما هو ضروري لبقائها عامرة .. وكانت كل قبيلة تطلب إقامة زاوية لها يشترط عليهم الإمام السنوسي تلكم الشروط والتي كانت سبباً في بعث الروح الإسلامية في النفوس ونشر العلوم بين أبناء البلد.وهذه هي الزوايا التي تم تأسيسها خلال العوام الأربعة المتقدمة في الجبل الأخضر وبرقة وباقي بقاع القطر الليبي (البيضاء – شحات – بنغازي – مارة – درنة – أم الرزّم – العرقوب – توكرة – طلميثة – الطيلمون – الفايدية – المخيلي – القصور – المرج – أم رُكبة - مزدة – طبقة – الرجبان – تونين – مصراتة – زليتن – زلة - مرزق – واو – زويلة – هون – سوكنة). وفي تونس زوايا منطقة الجريد.(ولادة السيد محمد المهدي السنوسي)بعد زواج السيد محمد بن علي السنوسي بالسيدة (فاطمة أحمد بن فرج الله الفيتوري) بعامين رزقه الله تعالى بمولود اختار له اسم (محمد المهدي) فكان لولادته شأن عظيم حيث عمَّ السرور طبقات الإخوان لتحقيق ما كانوا يتمنون من الذرية للإمام السنوسي. ولقد بُشِر به والده قبل ولادته حيث أخبر الإخوان ليلة عقده على والدته إن الله سيرزقه ولدين يكونان من المهاجرين في سبيل الله، ومن الأنصار لدين الله. وحين جاءته البُشرى بولادة ابنه (المهدي) قال: الآن ظهر الصباح، وطُفِيء المصباح .. ويعني بالصباح ابنه وبالمصباح نفسه. وكانت ولادة السيد المهدي أول ليلة من شهر ذي القعدة عام 1260 هجري - ديسمبر 1844 ميلادي. عند طلوع الفجر بالمغارة التي سكنها والده في جبل (ماسّة) بالقرب من ضريح صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا (رويفع بن ثابت الأنصاري) بالجبل الأخضر، ولما وُلِد السيد محمد المهدي سماه والده أولاً باسم أستاذه السيد أحمد بن إدريس، وبقي مدة أسبوع بهذا الاسم .. وفي سابع ليلة أبدل اسمه باسم (محمد المهدي) وقال: سميته بهذا الاسم إمتثالاً لأمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث رأيته في المنام وقال لي: سمِّه (محمد المهدي) هذا ولقد بشره أستاذه السيد أحمد بن إدريس العرائشي بهذا الغلام و سماه بهذا الاسم قبل عشرين عاماً وقال لوالده: هو الخليفة بعدك. وبعد أن أتم المولود السعيد بضعة أسابيع عند والدته سلمه أبوه للشريف (حسين أبو خضراء) أحد تلاميذه لتقوم زوجه بإرضاعه.( تأسيس زاوية درنة )في منصف عام 1261 هجري - يوليو 1845 ميلادي. انتقل الإمام محمد بن علي السنوسي من الزاوية البيضاء إلى بلدة (درنة) وهي بلدة لطيفة ذات أنهار وأشجار ومناظر جذابة على شاطئ البحر الأبيض وتبعد عن الزاوية البيضاء بمقدار 150 كيلو متراً شرقاً، وتمتاز هذه المدينة أيضاً بجودة هوائها وعذوبة مائها و كثرة فواكهها ومحبة أهلها عموماً للحضرة السنوسية (الحركة والدعوة السنوسية ورموزها) .. فنزل الإمام السنوسي الكبير بها وأسس زاوية لتصبح مركزاً للدعوة الإسلامية والإرشاد والتوعية لدين الله تعالى.. ولقد ظل الأمام يقوم بواجب العمل الإسلامي في هذه المدينة عماً كاملاً وزيادة.(ولادة نجله الثاني السيد محمد الشريف السنوسي)كانت ولادته يوم الجمعة 26 – رمضان عام 1262 هجري - 18 - سبتمبر 1846 ميلادي. وقد سمعت من أستاذي السيد (أحمد الشريف السنوسي) قوله: مكث سيدي ابن السنوسي في درنة زيادة على السنة كان عموم أهل درنة بدون تخصيص قد تعلقوا به وانتفعوا بعلمه ما عدا الشيخ (محمد بللو) فإنه كانت له منزلة بين أهالي درنة قبل وصول السيد ابن السنوسي إليها، وكان قد رأى لنفسه ميزة .. وبقى في درنة سنة كاملة لم يُكتب له زيارة الإمام السنوسي ولا مواصلته .. وبعد تمام السنة خطر للشيخ (محمد بللو) خاطر وقال هذا الرجل الذي عم صيته الوطن ومن أحد إلا ويثني عليه و يصله إلا أنا فهذا حرمان أي؛ ولكن يلزم عليَّ زيارته وأنوي بها وجه الله، فإذا وجدته مثل ما يقولون فيه من العلم والصلاح فسوف أحمد الله، وإذا كان خلاف ذلك فأجري ثابت حسب نيتي .. ثم هيأ نفسه وتوجه إليه، وعندما أُخبر السيد السنوسي بقدومه فرح وقال: ليدخل .. فلمَّا رآه الإمام ابتسم وبعد السلام عليه ومحادثته وجد الشيخ (محمد بللو) أن الإمام السنوسي حاله كما أخبر عنه الناس وأنه كاد أن يُحرم من علمه وفضله ..فتمسك به وانقطع إليه حتى صار من خواص الإخوان إلا أنه يحز في نفسه تلك الحادثة وهي "ضحك الإمام السنوسي حينما رآه أول مرة .. فتجاسر يوماً من الأيام على الإمام قائلاً: يا سيدي في خاطري شيء أريد ن أسألكم عنه فقال له معك الإذن اسأل فقال: يا سيدي حينما دخلت عليكم أول مرة ضحكتم عليَّ ! فما كان سبب ذلك .. لأنني اتهمت نفسي بأني اقترفت ما يوجب ذلك. فرد عليه الإمام السنوسي قائلاً: نعم الذي أضحكني هو وجودي ووجودك في درنة سنة كاملة لم نتقابل فيها .. ولما حان الأوان وأصبحنا على الحالة التي اجتمعت فيها أرواحنا يوم (ألست بربكم)* قدر الله لنا الإجتماع .. فتذكرت ذلك المعنى وضحكت .. فقال الشيخ محمد بللو: الحمد لله الذي جمع أرواحنا يا سيدي قبل خلقِنا .. فقال له الإمام السنوسي: الأرواح جنود مُجندة ما تعارف منها يوم (ألست بربكم) اتلف وما تناكر منها في ذلك اليوم اختلف، ثم تلا قوله تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا بلى شهدنا) فهناك تعارف من تعارف وتناكر من تناكر ..هذا ولمَّا أتم السيد (محمد المهدي) رضاعه، وتمت ولادة السيد (محمد الشريف) جمعهما أبوهما بدرنة أولاً كما جمع الإخوان وقدم عليهم الشيخ (محمد بن حمد الفيلالي) وجعله شيخاً للزاوية البيضاء ومُقدماً على شيوخ زوايا برقة والجبل الأخضر وأمر الشيوخ والإخوان بإطاعته وتنفيذ أوامره وقال لهم: هو خليفتي عليكم. وأبقى زوجته السيدة (فاطمة أحمد بن فرج الله الفيتوري) مع أولادها ما بين الزاوية البيضاء ودرنة.. وترك معهم بعض الإخوان، ووَكَّل على أهله وأولاده السيد (عمران بن بركة) والسيد (محمد بن إبراهيم الغماري الكبير).يتبع....تصنيف – صلاح عبد العزيزsalahalimami@yahoo.com(*) قوله تعالى: (و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا بلى شهدنا). الأعراف: 172 |
||||||
|
|
||||||
|
|
||||||