|
 
|
صور من جهاد الليبيين في حرب فلسطين
عام 1948
للمرحوم
السنوسي شلّوف (الحلقة 18
وأخيرة)
أعد حلقات
الكتاب للنشر: الأستاذ مفتاح السيد الشريف
|
|
|
|
|
|
|
في الهزيع الأخير من الليل،
كما يقول الجنزوري، توغّلت مجموعة المقاتلين نحو المستوطنة الصهيونيّة
"بيت حانون"، وزرعوا متفجّرات في محطّة مياه لنسفها وحرمان العدوّ من
شريان الحياة، ولكن المرشد دلّهم على درب أقصر للرجوع إلى قرية "بربرة"
يضمن أمنهم، دون علم منه بأن أفراد الكتيبة الموزّعين على الخنادق التي
تعترض الطريق بين القريتين، يجهلون العمليّة والقائمين بها. وبعد سماع
دويّ الإنفجار سارع الإسرائليّون بإطلاق الرصاص، وكذلك فعل جنود
الكتيبة ردّا عليهم، وبذلك وقعت المجموعة الفدائيّة أثناء انسحابها بين
نارين. ولحماية أنفسهم إلتجأوا ألى كهف، ولكنهم خشيوا ملاحقة العدوّ
بقوّاته الكثيرة للقضاء عليهم إن مكثوا فيه، وهنا إهتدوا إلى حيلة تقضي
بأن يخرج أحدهم رافعا الرّاية البيضاء تجاه أخوانهم في الكتيبة، فأن
نجا نجوا جميعا، وإن أصيب إقتصرت التضحية عليه، واختاروا أحدهم بإسلوب
القرعة، ونجحت العمليّة. ويروي الجنزوري طرائف أخرى تكشف عن إستعداد
أفراد كتيبته للإقدام وخوض القتال، ولكنها تكشف أيضا عن مواطن الضعف
والخوف التي تعتري قلّة منهم، فيلجأون إلى الحيلة لحماية أرواحهم، مثل
رفيقه الذي اشتهر في مدينة طرابلس كونه من "القبضايات" الذين كانوا
يبتزّون الناس للحصول على الأموال، ولكنه ليلة الهجوم إستخدم الخدعة
حتى لا يذهب إلى القتال مع المجموعة الفدائيّة، إذ نثر الفلفل الحارق
على موضع حسّاس من جسمه حتى تورّم، وعندما عُرض على الطبيب أمر بتسهيل
رجوعه إلى البلاد! كما روى قصص نماذج أخرى من المتبجّحين بالشراسة
والبطولة، ولكن يفتضح خوفهم وجبنهم عندما يلعلع الرّصاص. وظاهرة الخوف
والجبن لتوقّي الخطر ظاهرة ضعف إنساني موجودة بين جميع الشعوب، مثلما
توجد بينهم ظواهر الشجاعة والإستبسال والإقدام.

|
|
صورة عبد
الرحمن الجنزوري كما ظهرت في كتابه
|
|
|
|
تجمّد نشاط المجموعة
الفدائيّة بعد تلك العمليّة اليتيمة، فآمرها النقيب أحمد عطيّة لم يلق
تأييدا من رؤسائه، لأنهم يفضّلون الحرب النظاميّة التي تتطلّب مواجهة
العدو بالجيوش الجرّارة والأسلحة الثقيلة المتنوّعة، وليس بحرب عصابات
لا شأن للجيش النظامي بها. وهكذا ظلّت الكتيبة في قرية بربرة لا عمل
لها تقتل حماسها الحياة الرتيبة. واهتدت القيادة إلى وسيلة لتنشيطها
بأن جعلت أفرادها يقومون بمهام "البوليس الحربي"، ولكن ليس لضبط الجيش
النظامي، بل لتفتيش وإرهاب اللاجئين الفلسطينيين المشردين في النواحي
المحيطة مثل اللدّ والرملة والمجدل، وقد فقدوا كلّ ما يملكون "ليس
بحوزتم أمتعة.. النساء سلبت حليهن وانتزعت أقراطهن بالقوّة. كانوا
جميعا يتضوّرون جوعا، ماذا يعمل البوليس الحربي مع هؤلاء الركّاب؟ ماذا
يفتّش؟ وهل قدم المتطوّعون إلى فلسطين ليقاتلوا العدوّ الصهيوني، أم
ليقوموا بدور الجهاز القمعي ضد الشعب الفلسطيني المتشرّد والمقموع أصلا؟"
يتساءل عبد الرحمن الجنزوري في سرده للتجربة المريرة، ليقودنا بعد ذلك
إلى لعبة الهدنة التي فرضها مجلس الأمن على الأطراف المتحاربة، موضّحا
مقاصدها اللعيتة التي تمخّضت عن قرار التقسيم، ومفصّلا هذا القرار
الكارثي على الأرض والحدود، إلى أن "أذعنت النظم العربيّة في نهاية
المطاف، لقرارات مجلس الأمن، وعقدت هدنة دائمة مع إسرائيل.. أبرمها
النظام المصري في رودس بتاريخ 24/2/1949 والنظام اللبناني في رأس
الناقورة في الشهر التالي من نفس العام، والنظام الأردني في رودس في
الشهر الذيي يليه وفي نفس السنة، والنظام السوري على الحدود مع فلسطين
بتاريخ 20/6/1949" ليستطرد الجنزوري في نبرة الثائر التقدّمي مقتبسا من
فقرة تقول :"كانت النتيجة متوقّعة لدى المفكرين التقدميين منذ الأشهر
الأولىلإعلان الحرب هي في حقيقتها حرب ضد الإمبرياليّةالعالميّة التي
تمسك بخناقها، قبل أن تكون ضدّ الصهيونيّة أو اليهود" ويكمّلها بقوله
:"إن أحدا من المتطوّعين لم يدرك هذه الحقيقة في ذلك الوقت، وإلاّ ربما
عدلوا عن التطوّع، وأشعلوا فتيل الثورة في بلدانهم، من أجل تحقيق
الديمقراطيّة والعدالة الإجتماعيّة وحريّة الرأي والتعبير والخلاص من
ربقة التبعيّة للنظام الرأسمالي العالمي، كأساس لتحرير فلسطين وغيرها
من البلدان العربيّة التي ما تزال متخلّفة وتابعة للإمبرياليّة
والإستعمار الجديد".
ويبدو أن صديقنا عبد الرحمن،
طغت عليه الحميّة الثوريّة وقت تدوينه للعبارة، فغفل على أن ليبيا في
ذلك الوقت لم تستقلّ بعد وتتكوّن لها دولة، بل كان زعماؤها مع شعبهم
يخوضون بلا هوادة معركة الإستقلال ضد الإحتلال البريطاني الفرنسي
والمطامع الأمريكيّة والإيطاليّة، إلى أن تحقّق الإستقلال بصدور قرار
الأمم المتحدة. ولذا فحديثه يسري على تلك الدويلات العربيّة التي أرسلت
جيوشها الهزيلة لتحارب حربا خاسرة موبؤة بالفساد والخيانة والتسيّب،
فمنيت بالهزيمة وحلّت بالأمّة النكبة. وهنا ينبئنا في كتابه بان خيوط
المؤامرة بدأت تتكشّف منذ تكليف كتيبته بعمل "البوليس الحربي" في تفتيش
الشيوخ والنساء والأطفال الفلسطينيين المبعدين عن ديارهم: "ولم يمض وقت
طويل حتى صدرت الأوامر بسحب الكتيبة من هذه القرية والعودة بها على
طريقة "خلفاً .. دُر"! إلى بلدة العريش المصريّة، تمهيدا لترحيل
أفرادها إلى مواطنهم الأصليّة. حدث هذا قبل أن تبرم النظم العربيّة
الهدنة الدائمة مع إسرائيل، وقيل للمتطوّعين إن الحرب انتهت وانتصرنا
وسوف تتمّ ترتيبات إعادتكم إلى أهلكم مشكورين!". ثم يروي معاناة الرجوع
وما لابسها من مكابدة وبؤس في الطريق إلى القاهرة، التي عزم على
الدراسة فيها، وقد جاءها مفلسا فمنحة الجامعة العربيّة لم تتجاوز ثلاثة
جنيهات، ورغم ذلك إتقطعت لمدة شهرين، لأن المسئول المالي فيها سمع
بعودة المتطوّعين قبلها بشهرين، ولكن من حسن الحظّ جرى تصحيح القرار
وتسلّم كل واحد منهم ستة جنيهات دفعة واحدة، وظنّ أن هذا المبلغ السميك
آنذاك، سيسمح له بالرجوع محمّلا بهدايا من مصر إلى عائلته، بيد أنه لم
يكن كافيا للغرضين، أيّ أنه لم يغنم من المغامرة إلاّ الإياب إلى
طرابلس، بعد أن أقام في درنة فترة قصيرة ليستأنف حرفته في نول لصناعة
النسيج، أتاحه له أهل المدينة التي عبّر بامتنان عن ودّ أهلها نحوه
واحتفائهم به، وإكرامهم السخيّ له ولرفاقه الذين ساهموا في معركة تحرير
فلسطين الجريحة. ومن ثمّ توجّه إلى بنغازي ليعمل في نفس حرفته وفي ظروف
قاسية جمعته مع زملاء المهنة من أهلها، فتقاسموا الضنك وتدرّعوا بالصبر،
ويصف سكّان حيّ الصابري الذي ذكّره "ببورتا عكّارة" في طرابلس :"يكاد
البؤس أن يكون مكتوبا على جباههم، ومع ذلك فإنهم من أكثرالمواطنين
إستعدادا للكفاح من أجل وحدة ليبيا واستقلالها، ومن أسبقهم للتضحية
والفداء في سبيل تحقيق هذين الهدفين، وقد تعلّم (عبد الرحمن) من هؤلاء
البسطاء معنى الصمود لمواجهة أعباء الحياة والتعلّق بالأمل في أقسى
الظروف، وتوجه إلى طرابلس مشحونا بحماس لا نظير له لاستكمال تعليمه،
مهما طال الوقت الذي يمضيه في العمل لتوفير مبلغ يسدّ نفقات رحلته
القادمة".
ولا غرابة في ذلك، فهو في
درنة وبنغازي يتحقّق من التركيبة السكّانيّة التي امتزجت فيها أصول
وقبائل ليبيا جميعها، فتمتليء جوانحه بمشاعر الأخوّة والألفة التي بقيت
صادقة لدى عبد الرحمن الجنزوري. وفي طرابلس يقدّم إلى بشير السعداوي
الزعيم الوطني الكبير المجاهد من أجل الإستقلال والوحدة، فيعطف عليه
ويسهّل له الرجوع إلى القاهرة مصحوبا برسالة توصية إلى قائد وطني آخر
هو منصور بن قدارة، فيعمل هذا لكي ينتظم عبد الرحمن الجنزوري في
الدراسة التي أوصلته إلى الجامعة والتخرّج في القانون، ثمّ قاضيا
ومحاميا لامعا نذكر له نضاله الوطني الشريف، وشجاعته وأمانته المهنيّة
التي خاض بها في ساحات المحاكم معارك الدفاع عن أمثاله من الوطنيين،
دون أن يسقط في مهاوي الملق والنفاق والتزلّف، ثمّ في عهد الإنقلاب
الفاشي المقيت ينبري مدافعا عن دعاة التقدّم النهضوي، ولم يفت من عضده
أو يثني من عزمه، ما تعرّض له من ظلم وسجن، بل ظلّ ثابتا على مبادئه
التي اتغرست فيه مذ كان صبيّا، وقادته إلى فلسطين مجاهدا بالبندقيّة،
ليعود ويستأنف نضاله بالقلم والمرافعة. ولكن هذه قصّة أخرى وضعت الصديق
العزيزعبد الرحمن الجنزوري على طريق "رحلة السنوات الطويلة"، وأنصح
القارئ الكريم أن يسعى إلى الحصول علي هذا الكتاب وقرائته فيكتسب بذلك
"إمتاعا ومؤانسة".
إعداد وتعليق:
مفتاح السيّد الشريف
|
|
|