صور من جهاد الليبيين في حرب فلسطين عام  1948
للمرحوم السنوسي شلّوف (17)

ختام مذكّرات المرحوم السنوسي محمد شلّوف

أعد حلقات الكتاب للنشر: الأستاذ مفتاح السيد الشريف

راجع حلقات الكتاب
وهكذا نأتي إلى نهاية المذكّرات التي دوّنها المرحوم السنوسي محمّد شلّوف عن هذه التجربة النضاليّة في فلسطين أثناء حرب 1948. ولقد نقلناها مصوّرة كما جاءت في الكتاب، وسيلاحظ القاريء الدّقة التصويريّة للأحداث والشخوص والأماكن بلغة سليمة لولا هنّات لا يخلو منها نصّ في هذا الزمن، ويذكر أن أستاذ مادّة الجهاد في جامعة قاريونس فرج الهوني، قدّم للكتاب الذي راجعه، وأنبأنا بأن مؤلّفه، عندما إلتحق بكتيبة الجهاد، لم يتجاوز سنّه عشرة أعوام، كما أن السنوسي شلّوف ذكر في هامش الصفحة 190 أن عمره لم يتجاوز ثلاث عشرة سنة حين مقابلته لقائد كتيبة الدبابات الثقيلة في الجيش النظامي الأردني، والذي تبيّن أنه من المهاجرين الليبيين إلى الأردن وإسمه محمّد بوتخينة الترهوني! ولم ينس المؤلّف أن يجزل الشكر والعرفان لكلّ من ساعده في تحرير الكتاب "لأنني لست كاتبا أتفنّن في صناعة الكتابة وبلاغة التعبير، فقد جاءت الكلمات على سجيّتها تنقل الأحداث كما عايشتها" حسب قوله في المقدّمة.
 
دور الكتيبة الليبيّة الثالثة في رواية عبد الرحمن الجنزوري:
 
ونلاحظ في آخر سرد السنوسي محمّد شلّوف صدق ما ذكره عن الكتيبية الليبيّة الثالثة، وهو ما أكّده صديقنا عبد الرحمن الجنزوري الذي كان من أفرادها المجاهدين. ففي كتابه الذي أشرنا إليه في المقدّمة يصف لنا عبد الرحمن رحلة العذاب التي خاضها وهو في طريقه للإلتحام بالمعركة في فلسطين، بلهجة ناقدة مريرة لسوء التنظيم والتدبير الذي عاناه أفراد الكتيبة منذ أن إنطلقوا من طرابلس في نفس الفترة التي انطلق فيها أشقّاؤهم أفراد كتيبة عمر المختار من بنغازي، تلبية لنداء جامعة الدول العربيّة. ولعلّه من الواجب التذكير هنا أن ليبيا في عام 1948 كانت تحت الإحتلال البريطاني في طرابلس وبرقة، وتحت الإحتلال الفرنسي في فزّان، ولذلك كانت جمعيّة عمر المختار ممثّلة للجماهير في برقة وتولّت نشر أعلان التطوّع كما وثّقنا لذلك في المقدّمة. أمّا في طرابلس فقد تولّت الأحزاب الوطنيّة الرئيسة فيها تنظيم عمليّة التطوّع نيابة عن جامعة الدول العربيّة، مثلما قامت به جمعيّة عمر المختار، وفيما يلي ننشر نصّ وثيقة الشكر والتي نحتفظ بنسختها الأصليّة، والتي وجّهتها الشعبة العسكريّة بالجامعة العربيّة إلى الجبهة الوطنيّة المتحدّة، أحد الأحزاب الرئيسيّة بطرابلس، مع كلّ من الحزب الوطني وحزب الكتلة الحرّة اللذين تسلّما رسالة مماثلة على أكثر ترجيح لأنهما هبّا للتضامن من أجل فلسطين. ولو أن الجنزوري يقول في كتابه (ص 169) :"ليس ثمّة منظّمة أو جهة في ليبيا تتولّى تجنيد المتطوّعين ودفع نفقات سفرهم إلى مصر، بل يقرّون التطوّع بمحض إرادتهم وبصورة إنفراديّة، ويسافر كلّ منهم على نفقته الخاصّة". وبما أننا نشرنا الوثائق التي تثبت بما لا يدع مجالا للشكّ أن الأحزاب الوطنيّة في كلّ من بنغازي وطرابلس هي التي تولّت العمليّة، فيبدو أن تجربة الجنزوري كانت تطوّعا فرديّا تلقائيّا كما شرحها.

 

 
 

 

أفراد الكتيبة الثالثة بالمجدل

 
هذه الصورة إلتقطها السنوسي شلّوف ونشرها في كتابه، ومنها نتعرّف على أن الأوّل من المتطوّعين الثلاثة هو عبد الرحمن الجنزوري (من خلال نظارته الطبيّة). وقد سبق نشرها في الحلقة السّابقة، ورأينا إعادة نشرها في هذا الفصل المتعلّق بالكتيبة الثالثة ودورها.
 
 ويروي عبد الرحمن الجنزوري أن عدد أفراد الكتيبة الثالثة كان 240 متطوّعا من بينهم من المنطقة الشرقيّة – حسبما أسعفته الذّاكرة- : فرج البيجو وعمر شلّوف وعلي درميش ورجب حمّي وإبراهيم السنوسي. ومن المنطقة الغربيّة: العربي حوريّة ومحمّد الهمّالي وسالم بيت المال ومحمّد سويسي وزين الدين الزقلّعي وخليفة ماعونة وصبري قريفة والسيّد المصري وعبد الله بن منصور وجمعة شبيني والطاهر ماريّا ومحمود معروف وعمر بلّوزة ومحمدّ الكميشي.  وكان آمر الكتيبة الرّائد في الجيش المصري أبوبكر المنزلاوي ونائبه النقيب أحمد عطيّة، وبعد أن حطّت الكتيبة في غزّة وسط ترحيب السكّان واستبشارهم، حتى أنهم طافوا بها أرجاء المدينة التي لفت أنظار أفرادها أن شارعها الرئيسي حمل إسم شيخ الشهداء عمر المختار (وما يزال حتى اليوم)، توغّلت في رّتل من السيّارت داخل الأراضي الفلسطينيّة "مارّة ببلدة "دير سنيد" المستوطنة الصهيونيّة السّابقة المدمّرة كليّة كما لو كان ضربها زلزال عنيف" ورابطت في قرية "بربرة" الخالية تقريبا من السكّان القريبة من المجدل.. والبعض من شبابها كانوا "يتلهفّون لحمل السلاح والتدريب على استخدامه، لكنهم لم يجدوا من يمدّهم به ويدربّهم عليه". وفور وصولهم أمر أفراد الكتيبة بحفر الخنادق وأحاطوها بأكياس الرّمل، تحسّبا لهجوم من المستوطنة الصهيونيّة "بيت حانون المواجهة لهم. ولأن عمل الكتيبة إقتصر لعدّة أسابيع على الحراسات اللييليّة وأن ما يملكونه من سلاح تمثّل في رشّاشات وبنادق ومسدّسات من مخلّفات الحرب العالميّة الثانية، فقد إنتشر بين أفرادها التذمّر، و"تبيّن لهم أن رغبتهم في القتال مع الشعب الفلسطيني حال دونها ضمّهم إلى الجيش النظامي، وتبعا للشكل الهرمي الذي يقوم عليه النظام العسكري، فإن الجنود وحتى الضبّاط لايستطيعون المبادرة بالهجوم على العدوّ دون أن يتلقّى الضبّاط الأصغر رتبة أمرا من الأعلى رتبة، وهكذا حتى قمّة الهرم التي يجلس عليها رئيس الدولة، القائد الأعلى للقوّات المسلّحة، وهو في حالة الجيش المصري جلالة الملك فاروق، والذي وُجّهت له ولحاشيّته أصابع الإتهام في تجارة الأسلحة الفاسدة وتزويد الجيش بها". وكان آمر الكتيبة الضّابط المصري أبوبكر النزلاوي الذي ثمّن الجنزوري شجاعته وحماسه للقتال حتى سقط شهيدا في إحدى ساحاته، وبالمثل أشاد بنائبه أحمد عطيّة الذي ذاق ذرعا، مثل بقيّة أفراد الكتيبة، بالحياة الرتيبة التي وجدوا أنفسهم فيها، فقرّر خرق أوامر الإنضباط – وهو الضابط المصري المحترف وبعد أن ألقى خطبة حماسيّة ذكّر فيها المتطوّعين بأمجاد الجهاد الليبي، مدلّلا على تقافته الواسعة- وشكّل مجموعة فدائيّة منتقيا أفرادها حسب إلمامهم العلمي، واختبر إستعدادهم للتضحية والتسلّل إلى المستوطنة الإسرائيليّة "بيت حانون" القريبة من "بربرة"، ثمّ درّبهم على زرع المتفجّرات وأساليب العمل الفدائي. وبعد أن فصلهم عن الكتيبة موهما بأنه سيرسلهم إلى مدينة المجدل لتلقّي تدريبات خاصة، عهد إلى أحد سكّان القرية لكي يرافق المجموعة إلى داخل المستوطنة ويرشدهم إلى الأهداف المراد نسفها.
 
إعداد وتعليق: مفتاح السيّد الشريف
(يتبع)

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com