|
|
||||||||||
لا يصح أن نقول: "وُلد أبو العلاء المعري عام كذا، وعاش كذا عاما، ومات في عام كذا"، فالمهم أن الرجل عاش فى النصف الثاني للقرن الرابع الهجري، والأهم أنه شغل الناس فى عصره وما يزال يشغلهم فى غير عصره منذ أكثر من ألف عام وحتى كتابة هذه السطور التى لم ولن تكون الأخيرة فيما يُكتب عن أبي العلاء. عاش عصرا مليئا بالاضطرابات والقلاقل والانشقاقات فى الدولة الاسلامية، مزدحما بحركات التمرد والخروج والثورة، مليئا بالهبات الشعبية الهائجة، حافلا بمصارع الملوك ومصارع الشعراء، ومصارع المفكرين والقادة والرواد، مصطرعا بالمذاهب المتعددة والمختلطة والمتضاربة والمتشابهة والمتناقضة فى جميع أنحاء العالم العربي.ماذا بقي له مجالا للاختيار سوى الاعتزال؟
ولقد استغرقه
هذا الموقف، موقف المعتزل، حتى لقد اعتزل الاعتزال
والمعتزلين، واستغرق هو هذا الموقف منذ أربعيناته حتى موته
فى الثمانينات من عمره. ولم يكل أبدا عن املاء شعره حتى
لقد كتب أهرامات من الشعر والنثر ضاع أغلبها أو دُفن معه
أو تناقلته الألسن دون أن تدري شعر ونثر من هذا، حتى ضاع
أغلب أبي العلاء المعري وأكثر ما أنتجته قريحته مما أشار
هو نفسه إليه أكثر من مرة فى مقدمة "سقط الزند" ومقدمة "اللزوميات"
ومستهل "رسالة الغفران". ولا يصح أبدا أن يُعامل أبو
العلاء معاملة غيره من الشعراء بأن يُقال: "قال أبو العلاء
فى الموت" أو "قال فى الخلود" أو "قال فى البعث" أو "الخمر.."
وما الى ذلك مما درج عليه نقاده وشراحه. فهو شاعر ليس
بالبسيط، انما هو صاحب مذهب متكامل تطرق منه الباب الصحيح،
فتدلف الى دهاليز المذهب والى سراديب الفكر البشري فى أعمق
أعماقه وفى أرقى تجلياته.
|
||||||||||
|
|
||||||||||
|
|
||||||||||