21/04/2008

 

كتاب الراحل نجيب سرور: تحت عباءة أبي العلاء (13)
حققه وكتب مقدمته: د. حازم خيري
 
الجزء االثاني: دليل القارئ الذكي إلى عالم أبي العلاء (دراسة)
 
الفصل الخامس: لمن كُتبت رسالة الغفران؟

راجع الحلقات السابقة
 
"أنا أقول: إن أي مقاتل فكري فى الخطوط الأمامية لا يمكن
أن يحصل على أغلبية.."
هنريك إبسن
 
"لقد قمت بحل جميع المشاكل في عصرنا تقريبا، ولكنها تُعرض دائما
على بساط البحث كما لو لم يكن لي وجود على الإطلاق!"
برنارد شو
 
في نفسي أشياء كثيرة من رسالة الغفران أحس بأننا في مسيس الحاجة إلى أن نتزود بها في رحلتنا الطويلة والشاقة مع أبي العلاء! وقد تخطيتها عمدا لأن لا حصر لها ـ من ناحية ـ وليقيني من أن القاريء الذكي قادر على التقاطها بنفسه وإعمال الفكر فيها ـ من ناحية أخرى ـ وإن كنت سأضطر أحيانا في أمكنة ومناسبات قادمة للرجوع إلى بعضها!
 
والآن ننتقل إلى الجزء الثاني من الرسالة حيث يتصدى أبو العلاء للرد مباشرة على رسالة ابن القارح، بعد أن رد عليها بطريق غير مباشر في الجزء الأول الذي يغطي الرحلة المتخيلة لابن القارح بين الفردوس والجحيم!..ويبدأ أبو العلاء رده في هذا الجزء كما يلي: "فهمتُ قوله: جعلني اللهُ فداءه"!
 
وكأن ابن القارح كان يتوقع ألا "يفهم" أبو العلاء قوله، أو كأن القاريء كان يتوقع هذا!! فماذا في عبارة ابن القارح البسيطة السهلة "جعلني الله فداءه" مما يمكن أن يصعب على "فهم" أي إنسان ـ فضلا عن أبي العلاء ـ حتى يحتاج فهمه إلى هذا التأكيد الإخباري من جانب أبي العلاء؟! لا شيء من هذا القبيل على الإطلاق!.."جعلني الله فداءه" تعني جعلني الله فداءه ليس غير وكان الله يحب المحسنين!..هذا فى الظاهر! أما في الباطن فإن لـ "جعلني الله فداءه" عند ابن القارح وفيما بينه وبين أبي العلاء أشياء أخرى متفق عليها شفريا أو اشتراطيا أو اصطلاحيا، فهمها أبو العلاء، وكان من الضروري أن يطمئن ابن القارح على أنه فهمها ويؤكد له ذلك. للعبارة إذن ـ فيما بين الرجلين ـ معان غير معناها اللفظي الحرفي اللغوي الظاهري السطحي. إنها عبارة "سرية" بلغة أو بمعجم تم الاتفاق عليه قبلا بين الرجلين، إنه معجم العلماء لا معجم العامة، أو معجم خاص بالمتراسلين لا عام!..
 
من هنا تصبح كلمة "فهمت" ضرورية جدا في الرد، لا غريبة كما بدت للوهلة الأولى! إذن فرسالة ابن القارح كلها شفرية من باب أولى، ولهذا جاءت رسالة الغفران كلها شفرية، وبجزأيها المباشر وغير المباشر..أنظروا إلى ديالكتيك أبي العلاء وهو يسوق المباشر في غير المباشر وغير المباشر في المباشر، ويظل مع ذلك شفريا وغير مباشر، ويظل في نفس الوقت صريحا ومباشرا.
 
هل يمكن لأحد أن يصطاد هذا البهلوان؟!
 
وهل كان يمكن أن ينجو من السيوف المشرعة، لو لم يكن ماهرا إلى هذا الحد في البهلوانية، ولو لم يكن يملك عقلية ديالكتيكية فذة ونادرة لم يرق إليها أحد من سابقيه أو لاحقيه على إطلاق..من المثاليين والماديين على السواء؟!
 
كلمة "فهمت" هنا في مطلع الجزء الثاني من رسالة الغفران، تشبه إلى حد كبير كلمة "وصلت" في مطلع الجزء الأول من الرسالة، في قوله لابن القارح: "وصلت الرسالة"!..فابن القارح في حاجة فعلا إلى أن يطمئن على "وصول" رسالته إلى أبي العلاء. فقد كان يخشى عدم وصولها، لأنه يتوقع أسوأ الاحتمالات لرسالة منه بالذات إلى أبي العلاء بالذات في تلك الظروف بالذات!..خاصة وأن هناك سابقة خطيرة يذكرها ابن القارح في رسالته فيقول: "كان أبو الفرج الزهرجي كاتب حضرة نصر الدولة (أحمد بن مروان، أبو نصر، صاحب ميافارقين وديار بكر) ـ أدام الله حراسته ـ كتب رسالة إلى أعطانيها، ورسالة إليه (يقصد إلى أبي العلاء) ـ أدام الله تأييده ـ استودعنيها، وسألني إيصالها إلى جليل حضرته...فسرق عديلي رحلا لي، الرسالة فيه، فكتبتُ هذه الرسالة (يقصد رسالته) أشكو أُموري"!!
 
ويعلق أبو العلاء في رسالته على هذه الحادثة أو السابقة التي لابد أن تكون أثارت مخاوفه وقلقه على أسراره وأسرار حزبه ـ الكتيبة الخرساء ـ وأورثته الحزن والرعب أو لفتت نظره إلى تربص "اللصوص" ـ الأعداء ـ به..فهو يقول: "..وددتُ أن (الرسالة) وصلت إلى، ولكن ما عدل ذلك العديل...هلا اقتنع بنفقة أو ثوب، وترك الصحُف عن نوب (يعني هلا ترك الصحف وسرق المتاع)؟ فأرب من يديه، ولا اهتدى في الليلة بفرقديه (يدعو على اللص أملا في أن يضله الله فلا يهتدي إلى مضمون الصحف). لو أنه أحدُ لصوص العرب الذين رُويت لهم الأمثالُ السائرةُ وتحدثت بهم المُنجدةُ والغائرة، لما اغتفرتُ ما صنع بما نظم، لأنه أفرط وأعظم"!
 
إلى هذا الحد كان حزن أبي العلاء لضياع رسالة أبي الفرج الزهرجي إليه ـ ولابد أنها أيضا كانت شفرية ـ من ثم كان من واجبه فى مطلع رسالة الغفران أن يطمئن ابن القارح على وصول رسالته، من ثم تصبح كلمة "وصلت" مثل كلمة "فهمت" ضرورية للغاية لا زائدة ولا غريبة، ولا من باب تحصيل الحاصل..إلى دلالتها الاصطلاحية الاتفاقية الشفرية، وهي تعبر في نفس الوقت عن الأخطار المحدقة بأبي العلاء وبابن القارح وبأبي الفرج الزهرجي وبأعضاء كتيبة أبي العلاء الخرساء في مصر الفاطمية ـ دنانير مصر ـ كما يسميهم أبو العلاء، وبهم جميعا فى كل مكان من العالم العربي والعالم المعروف حينذاك الذي توزعت فيه الكتيبة أو بذرت فيه بذورها!
 
ولكن لماذا استعمل أبو العلاء كلمة "الصحف" في تعليقه على حادثة السرقة بدلا من كلمة "رسالة" الواردة على لسان ابن القارح في النص المذكور عاليه؟! ألا يوحي هذا بأن السرقة وقعت على نص أكبر بكثير من أن يكون مجرد رسالة مختصرة في حجم رسالة ابن القارح التي "وصلت"؟!..ثم ألا يمكننا أن نتوقع من رجل كأبي الفرج الزهرجي صاحب خزانة الكتب التي عرضها على ابن القارح فقال الأخير عنها إنها جميعا "يهودية"، والذي يقول عنه أبو العلاء: "وأما أبو الفرج الزهرجي فمعرفته بالشيخ (أي ابن القارح) تُقسمُ أنه للأدب حليف، وللطبع الخير أليف".
 
أقول ..هل يمكن أن يكون ـ هذا الرجل ـ قد كتب مجرد رسالة لأبي العلاء، خصوصا وأنها كانت الرسالة الأولى؟!..أم نستنتج من تسمية أبي العلاء لها بـ "الصحف" بدلا من "الرسالة" أنها كانت عملا ضخما أو كبيرا ووثائقيا، وأنها قد تفوق في الأهمية مرارا رسالة ابن القارح التي احتفظ بها التاريخ على غير عادته إزاء تراثنا العربي الحسير؟!..الدليل على أهمية رسالة الزهرجي الضائعة يكمن أيضا في كون أبي العلاء ظل يأمل ـ وربما طويلا ـ في ألا يهتدي ذلك العديل اللص إلى مضمونها الحقيقي!..مما يؤكد شفرية الصحف أو الرسالة.
 
أما ابن القارح فواضح أن رسالته إلى أبي العلاء لم تكن الرسالة الأولى وأن رسائل أخرى كثيرة ـ ربما ـ قد سبقتها وربما لحقتها أيضا وإن لم "تصل" إلينا!..فما كان لابن القارح أن يكتب رسالته هذه الشفرية لأبي العلاء بغتة أو صدفة قبل أن يكون الاتفاق قد تم بينهما سلفا على لغة التخاطب والتراسل الشفرية، هذا الاتفاق الذي يمكن ابن القارح من أن يكتب وأبا العلاء من أن "يفهم" ثم يرد وهكذا!..هذا يقطع بأن ابن القارح كان أحد أعضاء أو جنود الكتيبة الخرساء في مصر الفاطمية، وربما كان زعيمها في مصر ولم يكن بالشخصية الهامشية البسيطة كما ذهب إلى ذلك طه حسين وبنت الشاطيء ولويس عوض وغيرهم!..فليس من المتصور ولا من المعقول أن يكتب أبو العلاء رسالته هذه الخطيرة ـ الغفران ـ ردا على رسالة ابن القارح التي لا تقل عنها خطورة لو كان الأخير رجلا من هذا الطراز الهامشي!
 
فهو قد استطاع أن يقنع أبا الفرج الزهرجي بأن خزانته كلها يهودية، حتى لقد كتب إليه رسالة يقرظه فيها بعد أن تحقق من ذلك!..وهذا يدلل على سعة اطلاعه!..ثم هو قد تحدى الزهرجي لأنه كما يقول عن نفسه: "لا يهرف (يهذي) بما لا يعرف"، ثم هو كما يقول لأبي العلاء في ترجمته الذاتية: "كنتُ أدرس على أبي عبد الله ابن خالويه رحمه الله، وأختلفُ إلى أبي الحسن المغربي... ثم سافرتُ إلى بغداد ونزلت على أبي على الفارسي، وكنتُ أختلفُ إلى عُلماء بغداد: إلى أبي سعيد السيرافي، وعلى ابن عيسى الرماني، وأبي عبيدة المرزباني، وأبي حفص الكتاني...وكتبتُ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم...ثم سافرتُ منها (من بغداد) إلى مصر، ولقيتُ أبا الحسن المغربي فألزمني أن لزمته لزوم الظل"، مما يشير إلى أن أبا الحسن المغربي هو الأستاذ الأكبر لابن القارح ـ قبل أبي العلاء ـ وإلى أنه هو الذي عرفه بأعمال أبي العلاء وربما جنده في الكتيبة الخرساء فى قوله: "ألزمني أن لزمته لزوم" مشيرا إلى "لزوم ما لا يلزم" بالتأكيد!..
 
وهو هنا ينبيء أبا العلاء بأنه درس وفهم على يدي أبي الحسن المغربي "اللزوميات"، كما يشير إلى أنه انضوى منذ ذلك الحين تحت لواء الكتيبة الخرساء تماما كأبي الحسن وذلك بقوله: "وكنتُ منه مكان المثل"، وهذا يشير أيضا إلى أن ابن القارح لا يقل عن أبي الحسن ذكاء ولا عقلا ولا علما ولا اطلاعا..ثم يذكر ابن القارح أن المغربي قال له سرا: "ما نرضى بالخمول الذي نحن ُفيه"، فقال له: "وأي خمول هنا؟! تأخذون من مولانا (يقصد الحاكم بأمر الله) ـ خلد اللهُ ملكه ـ فى كل سنة ستة آلاف دينار (ربما كان هذا عدد الدنانير في مصر، أي أعضاء الكتيبة الخرساء، وربما أراد أن يخبر أبا العلاء بهذا من خلال حكايته عن أبي الحسن المغربي)، وأبوك من شيوخ الدولة وهو معظم مكرم"!
 
فقال المغربي: "أريد أن تُصار إلى أبوابنا الكتائبُ والمواكبُ والمقانبُ (جمع مقنب وهو جماعة من الخيل تجتمع للغارة)، ولا أرضى بأن يُجرى علينا كالولدان والنسوان!"..ثم هو ـ ابن القارح ـ رجل اشتغل فى خدمة القائد أبي عبد الله الحسين بن جوهر فأصبح قريبا من الحاكم بأمر الله (أبو على منصور الفاطمي صاحب مصر والشام والحجاز والمغرب)، أي من السلطة، فلما قتل الحاكم القائد بن جوهر قام ابن القارح بتهريب أولاده من مصر: "فجاءني أولاده سرا...فقلتُ لهم: خيرُ مالي ولكم الهربُ، ولأبيكم ببغداد ودائعُ، خمسمائة ألف دينار (ربما كان هذا هو عدد جنود الكتيبة الخرساء يومذاك فى العراق!)، فاهربوا وأهربُ. ففعلوا وفعلتُ. وبلغني قتلهم بدمشق وأنا بطرابلس"!...
 
فهل كان القائد ابن جوهر المقتول من جنود الكتيبة الخرساء واكتشف الحاكم ذلك فقتله وطارد حتى أولاده فقتلهم فى دمشق؟ هذا مؤكد..ويتضح من رعاية ابن القارح لأولاد القتيل وهروبه معهم من مصر!
 
ثم هو ـ ابن القارح ـ الذي قام بتربية أبناء أستاذه أبي الحسن المغربي، لم يشذ منهم إلا أبو القاسم المجنون! ثم هو كما يقول عن نفسه: "..كنتُ أكتبُ خمسين ورقة فى اليوم. وأدرس مائتين... ومعي بقية نزرة يسيرة من جملة كثيرة. لو وجدتُ ثقة أعطيتهُ إياها ...وأنا أجدُ من أدفعُها إليه وبقى أن يردها إلى!". أي أنه رجل يعرف ما يمكن أن يكون حتى أبو العلاء فى حاجة إليه.. للاطلاع.. وأنه أرسل له قبل ذلك أشياء يسأله ردها إليه، وأنه ما زالت لديه بقية من كثير يمكنها أن تفيده وأنه يود لو يعرف رد أبي العلاء فيما ورد بها. ثم رسالة ابن القارح ذاتها والثبت الطويل بالكتب والأخبار والقضايا والرواة والفقهاء والعلماء... إلخ
 
كل هذه المعارف وكل هذا الاطلاع إلى جانب ذكاء خارق وعلم محيط مستبصر، إلى جانب علاقات سياسية شديدة وواسعة لشدة قربه من رجالات السلطة الفاطمية، إلى جانب قدرته ـ التي لم يعد هناك شك فيها ـ على فهم أعمال أبي العلاء عامة ولزومياته خاصة، إلى جانب اطلاعه على رسائل لأبي العلاء لم تصل إلينا في قوله: ".. ولقد سمعتُ من رسائله عقائل لفظ إن نعتها فقد عبتها"! كل هذا ويظل ابن القارح هذا في نظر الباحثين والدارسين والشراح رجلا هامشيا لا يعتد به ولا يحسب له حساب، كما يظل من غير المفهوم أن يكتب أبو العلاء رسالة الغفران إليه أو حتى أن يهتم بالرد عليه؟
 
هذا أمر يدل على انعدام البصر والبصيرة معا!!
 
بقيت فى النفس أشياء أخرى!
 
فقد كتبت فى غير هذا المكان أقول إن ابن القارح إسم مستعار أو إسم حركي تتخفى وراءه شخصية كبيرة وهامة جدا، وأنه لابد أن يكون هو نفسه داعي الدعاة الفاطمي "أبو نصر بن أبي عمران" الذي كتب إلى أبي العلاء باديء ذي بدء يتحداه ويستفزه ويستدرجه إلى البوح بسره ومذهبه، ثم استمرت بينهما الرسائل، حتى لقد ظفر منها "ياقوت" على "مجلد كامل" ثم "انقطع الخطاب بينهما على المساكتة"!
 
ألا يمكن أن تكون هي نفس "الرسائل" التى ذكرها ابن القارح آنفا، والتى قال إنه إن نعتها فقد عابها؟! ثم لماذا انقطع الخطاب بين داعي الدعاة وأبي العلاء على المساكته بتعبير ياقوت؟!
 
ألا يعني هذا أن داعي الدعاة انسلخ من جلد الفاطمية وانضوى تحت لواء الكتيبة الخرساء؟ ألا يعني أن "مجلد" الرسائل بينهما كان يتضمن ما من شأنه أن يفحم داعي الدعاة ويقنعه ويلزمه ـ هو الآخرـ بأن يلزم أبا العلاء كما يلزمه بالصمت والخرس نزولا على تعاليم أبي العلاء ولذلك اتفقا على "المساكته" فى الظاهر وعلى التراسل الشفري في الباطن، ومن هنا رسالة ابن القارح؟!
 
إن داعي الدعاة فى ختام رسائله، وقبل أن يلزم "السكوت"، يقول عن أبي العلاء: "..ولأنني إذا تتبعت فضله بصناعته فى الأدب والشعر وجدتُ فى أرضه مُراغما كثيرا وسعة، ومن أين لى أن أظهر على مكنون جواهر علوم دينه كظهوري على مصنفات أدبه وشعره...وقبل وبعد فأنا أعتذر عن سر له أدام الله حراسته أذعته، وزمان منه بالقراءة والاجابة شغلته، لأنني من حيثُ ما نفعتُهُ ضررته، والله يعلمُ أني ما قصدتُ به غير الاستفادة من علمه، والاغتراف من بحره، والسلام".
 
هل عرف داعي الدعاة سر أبي العلاء أم لا؟! إن النص السالف يوحي بأنه عرف بقدر ما يوحي بالعكس!.. وقد يمكننا أن نأخذه على محمل التغطية والتخفي!
 
هل يمكن أن تكون "المساكتة" بعد ذلك حقيقية وفعلية؟ لا يمكن.. لا يمكن بحال!.. ألا يمكن أن تكون رسائل داعي الدعاة، بالصورة التي وصلتنا عن ياقوت شفرية هي الأخرى أسوة برسالة ابن القارح؟!.. يمكن.. يمكن جدا.
 
لابد أن أبا العلاء قد أجاب داعي الدعاة أيضا على هذه الرسالة الختامية، واطلع ياقوت على الاجابة وإن آثر ـ لسبب ما ـ ألا يطلعنا عليها. بل ان حجبها يصبح من أوجب الواجبات على ياقوت بعد أن تجاوز الأمر التراسل الفضولي من جانب داعي الدعاة إلى الانخراط السري تحت لواء الكتيبة الخرساء، مما يعني أن "الاتفاق على المساكتة" مجرد مزعم ياقوتى صرف.
 
إنني أشم فى رسائل داعي الدعاة ما يكاد أن يكون صورة طبق الأصل مما ورد فى رسالة ابن القارح..نفس لسان الحال تقريبا.. مع ملاحظة أن رسالة ابن القارح كتبت بعد المساكتة، بينما كتبت رسائل داعي الدعاة قبل المساكتة!
 
ولكن لماذا لم يسجل ياقوت جميع الرسائل أو "مجلد" الرسائل الذي ظفر به عما دار بين داعي الدعاه وأبي العلاء؟! إنه يقول بأنه حرص على أن يقف "على صورة ما دار بينهما على وجهه"!.. أهو مجرد الكسل كما يذكر ذلك بقوله: "ونقلها على الوجه يطول فلخصت منها الغرض دون تفاصح المعري وتشدقه"، أم هو الضيق بتفاصح وتشدق المعري؟!.. أم ماذا؟!
 
واضح جدا أن ياقوت يدرك أهمية وخطورة تلك الرسائل بدليل "اشتهائه" أن يظفر بها ويقف عليها وعلى وجهها التام.
 
معنى كلام ياقوت أنه نقلها على غير وجهها دون ما اسماه تفاصحا وتشدقا من جانب المعري.
 
واضح أن هجومه على المعري نوع من التحوط والتستر. يدرك ياقوت إذن خطورة تسجيل الرسائل على وجهها حتى لا يفضح نفسه ويفضح أبا العلاء وداعي الدعاة ويكشف سر اتفاقهما ـ الظاهري ـ على المساكته! إنه الحرص الشديد على النفس وعلى أبي العلاء وعلى داعي الدعاة، لا الكسل ولا الضيق بتفاصح أو تشدق المعري ولا عدم الادراك لخطورة الرسائل.
 
هذا يؤكد أيضا أن ياقوتا كان من جنود الكتيبة الخرساء، وأنه خشي أن يعرض أسرارها لأخطار محدقة، فآثر إخفاء أغلب الرسائل واكتفى بتلخيص صغير أو هزيل ـ غير شافي ـ وعلى غير الوجه الذي كتب به أصلا مما ليس من شأنه أن يهدد بأي خطر!
 
لم يغب عن ياقوت وصية أبي العلاء لمريديه:
 
إذا كان التقارض من محال
فأحسن من تمادحنا التهاجي
 
محرضا إياهم على هجائه بدلا من مدحه مادام فى هذا ضمان لسلامته وسلامتهم! ويكرر ذلك بقوله:
 
وخمولي يذود عني الرزايا
نام عني الأذى فلم ينتبه لي
 
كما لم يكن غائبا عنه وهو يتهم المعري بالتفاصح والتشدق قوله متبرئا من التفاصح والتشدق:
 
من يبغ عندي نحوا أو يرد لغة
فما يساعف من هذا ولا هذي
 
وقوله:
 
ما النحو والشعر والكلام وما
مرقش والمسيب بن علــس
 
يتبــع >>>
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com