|
عقد في الآونة
الأخيرة اجتماع بطرابلس دُعي له السجناء السياسيون الــسابقـون ولأول مـــره
في تاريخ لـــيبيا الـسـياسـي تُطـــرح فــــكرة المـصالحةُ الـوطـنيةُ،
وهـذا ما دعــانا إلى كـتابة هـذه السـطور لنضع النقاط على الحروف...
مـن حـيث
الـفـــكرة فهـي جـــيدة، وهـي الـســبيل الـــوحـيد لإخــراج الــوطن من
أزمته، والبحث على وسـائل حـضارية لإنقـاذه، ولــكن مع تقـديرنا لـهذا الـطرح
الذي كنا ننتظره على مدى سبعة وثلاثين عـامــاً نقول :-
هل جاءَ هذا
المشروع في وقتهِ ؟ وهــل طــــــــرح بالطريقة الصحيحة؟
لنناقش هذين التساؤلين :-
أمــا من حـــيث
الــوقت فقد جاء متأخراً ومـتأخراً جــداً، وذلك بعـد أن طـــــفح الـــــكيل
وأوشــكت ســفينة الوطـــن على الغرق، ولــكن الإصـــلاح نوع من الــتوبة
والـتوبة ليس لها وقت مـــا لم يُـــغـر غر صاحبها .
أمـا مـن حـيث
الكيفية التي طـــُرح بها فهذا مــا يتوجب مـــــناقشته بروية ومـوضوعية
وتجرد، لكون رائدنا هو إخراج الوطن من أزمتهِ والوطن ليس حـكراً علـى فـئة
معينة.
لقد دأبتْ الأنظمة
التي تـنشد الإصـلاح على دعـوة كل الفرقاء للــبحث عن وسـيلة للــوصول إليه،
وهذا لا يتم إلا عـبر الــمواطن الــذي هــو هـــدف الإصـلاح ووسـيلــته، ومن
هـنا يجب أن يكون الــمواطنون هم أطراف الحــوار الوطني المُوصّـل إلى
المصالحة المنشودة، وكــمــا لا يخفى على كــل ذي لــب لابد من وضع إطـار
للتفاهم بين فرقاء العملية السياسية حتى يكـون الحوار مـنتجاً
وفـعالاً،ولــكي نصل إلى هذا الإطار لابد من تعريف دقــيق للمصطلحات حتى لا
يقع خلاف في أول مـنعطف بالطريق، ولا أن يكون الحوار حوار طرشان....
ولنبدأ بتعريف " المصالحة الوطنية "
المصالحة الوطنية
هي صـيغةُ تفاهمٍ بين أبناء الـوطن الـواحد للوصول إلى برنامج متفقٍ عليهِ
لإنقـاذ الوطن من أزمـتهِ ووضـعـهِ على الطريق الصحيح .
ومن هذا التعريف
يمكننا استخلاص الأتي :-
1- لابد من وضع
صيغة للتفاهم وهذه الصيغة التي يتم الحوار حولها والبحث في تفاصيلها، وخلق
آليات تطبيقها .
2- أن يكون هذا
التفاهم بين أبناء الوطن الواحد بشتى مذاهبه ومشاربه شاملاً لكل الأطياف
السياسية المكونة لنسيج الــمجتمع حتى وإن لم تكن ظاهرة للعيان فإنها مـوجودة
في الجنان، وهو مــــا يعني تكافؤ أطراف الحوار وتهيئة مناخ الأمن والأمان
للمشاركين فيه .
3- الــوصول إلى
برنامــــج مــحدد وهذا البرنامج هو وثيقة الـــخلاص والإنقاذ للوطن التي على
ضوئها يمكن وضع سفينة الوطن في مسارها الصحيح وانتشالها من الغرق بعد أن
تقاذفتها أمواج الأهواء ومطامع السفهاء .
أما من حيث البند
الأول وهو وضع صيغة للتفاهم وهو الأمر المتعارف عليه في المفاوضات سواء
الوطنية أو الإثنية أو الدولية وهو إطـــــــار التفاهم ، وهــذا يشـمل
شــروط الحوار من حــيث نوعية المتحاورين وزمــن التشاور ووضع الضوابط لإنجاح
المصالحة الوطنية فكـفانا ما ضـاع من وقــت وهـدر من مـقدرات الــوطن البشرية
والمالية وتلطيخ سمعة الوطن الدولية.
أما من حيث البند
الثاني يكون الحوار بين أبناء الوطن الواحد ، فهذا يعني انتقاء العناصر
النقية من أهل الرأي والخبرة ، أمـا الطرف الآخر وهم ممثلو النظام فيجب ألا
يكـونوا من أعـضاء الفاعليات الشعبية ألاميين ولا من أعضاء اللجان الثورية
السفاحين ولا من أعضاء اللجان الشعبية اللصوص والمفسدين.
أما من حيث
البرنامج المتفق عليه لإخراج الوطن من أزمته وإنقاذه من وهدته فيجب أن يشمل
:-
1- انتخاب جمعية
وطنية لإعداد دستورٍ دائمٍ للبلاد .
2- إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين بدون استثناء .
3- إعلان العفو عن اللبيبين المهاجرين والسماح بعودتهم لإثراء الحوار
الــوطني الــذي غايته الـمصالحة الوطنية وصولاً للإصلاح الــسياسي
والاجتماعي والاقتصادي ، مع إعطاء الضمانات بعدم المساس بهم.
أمـا خــلاف هـذه
الصيغة فإن أي دعــوى للـــمصالحة الــــوطنية هي مـضيعةٌ للــــوقت و ذر
الـــــرماد في العيون وإعادة للقصة الشائعة في مـــجتمعنا وهي " تحــريك
شــوال الـفـئران " ، فـقد سئمـنا هذه اللعبة السمجة التي استمرت على مدى
السبعة والثلاثين عاماً وكان عاقبتها الخراب والدمار الذي تفشى في سائر مناحي
المجتمع وولّد الكراهية والشحناء وأورث الحقد والبغضاء بين أبناء المجتمع
الواحد ، وإذا استمر الوضع على حالته الراهنة فإن العاقبة هي الغرق ، وعندها
سيأتي الأجنبي لإنقاذنا ونَبيتُ ندين لهُ بالجميل ولم نعد ننظر إليه باعتباره
محتلاً بل منقذاً .
هذا يعيدنا إلى ما
بدأنا به حــديثنا وهو الـدعوة الموجّهة إلى السجناء السياسيين للــبحث في
المصالحة الوطنية، فإن الكيفية التي تمــت بها تلك الدعوة لا تنبئ عن خير ولا
تبشر بصلاح فقد بدأت بأساليب الاستخبارات في ملء بطاقات التعريف وختمت بتقديم
ملفات بالطلبات والتحقيق في قضايا التعويضات ، وكل الذين يديرونها بعيدين عن
دائرة القرار في الدولة مما يوحي بأنها مجرد مسرحية يتم تسويقها للاستهلاك
المحلي في الوقت الذي ســـــئم الليبيون من "لعبة تحريك شوال الفئران "، والى
متي سيظل التلاعب بمشاعر الليبيين وعواطفهم ، والسفينة كل يوم يختفي منها جزء
في اليم المدلهم.
على الليبيين أن لا
يتعاطفوا لكل ما يسوق لهم لإلهائهم عما يدور حولهم ويُحَاك لهم ، فمرة
موعودون بتوزيع الثروة ومرة ينتظرون استلام ابنهِ الحُكم ومرة يروجون
للإصلاحات السياسية والإدارية وتحسين المعيشة وآخر الكذبات هي المصالحة
الوطنية .
فأي مشروع للمصالحة
الوطنية يَخرج مما أوردنا أنفاً هو مجرد مضيعة للوقت وذر للرماد في العيون
وتلاعب بمشاعر الليبيين ومقدراتهم، ودورة من دورات "شوال الفئران".
إذا أراد النظام
صفحة جديدة - كما يزعم – فلتكن صفحة بيضاء نظيفة من الدماء ، خالية من
الأشلاء ، نتاج فكر العقلاء مُسَطّرة ببنان الأتقياء .
والله من وراءِ
القصد إن أريدُ إلا الإصلاح ما استطعتْ وما توفيقي إلا بالله على الله توكلتُ
وهو رب العرشِ العظيم .
المحافظونَ على الدينِ والوطن
|