06/12/2007
 

محمد حسين القزيري:  مسيرة التوبة الطويلة (1)
"ليبيا العنقاء - العدد الثاني سبتمبر 1980"
 
 
عندما إشتدت في عام 1980 ملاحقة كلاب القذافي المسعورة للمناضلين الليبيين في عواصم العالم بادر من إرتعدت فرائصهم وخارت عزائمهم بالإستجابة لطلب العودة صاغرين فيما عرف حينئد بمسيرة التوبة. على الجانب الآخر إختارت القلة الصامدة الصادقة أن ترد على تهديدات القذافي وأعوانه بإعلان تحديها لفرق الإغتيالات المجندة من المجرمين والقتلة، وكان صدور ليبيا العنقاء أحد هذه الردود الكثيرة التي عبر بها شرفاء ليبيا عن رفضهم وتحديهم لإرهاب القذافي.
 
واليوم عندما نعيد نشر ما كتبه المرحوم محمد القزيري في ليبيا العنقاء ، منذ أكثر من ربع قرن، حول مسيرة التوبة في ذلك الوقت تسترعي إنتباهنا المسيرة التي نشاهدها الآن والتي لا تختلف عن المسيرة الأولى إلا في أنها هذة المرة تتم تحت شعار "الإصلاح" وربما مغريات المنصب والمال أيضا بدل الإنصياع للتهديد.
 
مفتاح لملوم
 
مسيرة التوبة الطويلة (1)
 

طوال الفترة التاريخية الممتدة ما بين الفتح الاسلامى والغزو القذافي النابع من الداخل المدعوم من الخارج، جرت عادة الليبيين الأتقياء وغيرهم على التوبة إلى الله من حين لأخر. وكانت الطريقة المتبعة - حتى عهد قريب – تتمثل في خروج المواطن التائب من البلاد ميمما شطر مكة أثناء موسم الحج، وهناك يعلن توبته الخالصة, مؤديا بعض المراسم المنصوص عليها منذ فجر الإسلام – بما في ذلك رجم عدد معين من الشياطين الرمزية يحملها الحاج كامل المسؤولية عن خطاياه السابقة محاولا إرهابها بالحجارة والحصى حتى لا تعود إلى إغوائه مرة أخرى.
 
وكان أشطر الحجاج من يرتكب أكبر قدر ممكن من الموبقات والمعاصي في أقصر وقت مستطاع قبل الموعد المحدد, ويحملها معه مطمئنا إلى أن الله سيغفرها له دفعة واحدة, ومن ثم يهنئ الحاج نفسه على انه قد عقد صفقة رابحة تماما , يعود بعدها ليبدأ صفحة جديدة من حياته يشرع في ملئها بتشكيلة جديدة من الخطايا الطازجة حتى إذا ما تجمعت لديه كمية كافية, ذهب إلى بيت الله مرة أخرى ليفرغ ما في جعبته. ثم يعيد الكرة كلما اقتضت الضرورة ... وهكذا دواليك حتى يموت بالصدفة في البقيع مغفوراً له بالكامل, أو يموت بسوء الحظ في ليبيا محملا بأحدث الآثام التي لم يمهله الوقت لنقلها إلى السعودية.

وكان بعض الشطار أيضا يرجعون من أرض الحجاز في كل مرة وقد استبدلوا حمولتهم من المعاصي بحمولة مماثلة من السجاد العجمي والساعات السويسرية يبيعونها بربح معقول بعد سداد تكاليف الحج , وتلك لعبة اقتصادية بارعة , لان الحد الأدنى للكسب منها أن يحصل المرء على الغفران بالمجان.
 
وثمة نموذج من الحجاج (غير الأتقياء) كان يلتبس عليه الأمر أحيانا في فهم المقصود من بيت الله الحرام, فيسعى متعمدا إلى ممارسة ما تيسر من الحرام هناك أيضا.
 
وخلاصة القول أن المواطنين الليبيين , على اختلاف مشاربهم وأسلوب كل منهم في التخلص من ذنوبه بطريق الحج , كانوا متفقين بالإجماع على أن التوبة لله وحده يقبلها أو يرفضها كما يشاء . وكانوا يعرفون أن لهم الإستئناف في اى وقت, وان من تاب منهم توبة صادقة فلا بد أن تقبل توبته في نهاية المطاف ويضمن مكانه في الجنة دون خوف من تأميم أو مصادرة أو أية إجراءات تعسفية أخرى.
 
هكذا كان الاعتقاد السائد في الماضي, وهكذا كانت مسيرة التوبة تخرج من ليبيا إلى مكة وبالعكس, أما اليوم فقد تغيرت الأوضاع وتبدلت المفاهيم بالكامل وفقا للتحولات الثورية الجذرية الجارية على قدم بلا ساق في أرض ليبيا (التي تحولت هي الأخرى على نحو غامض إلى جماهيرية معمر الفاتح).
 
فأنت ألان إذا كنت – وقاك الله – مواطنا ليبيا مقيما في الخارج أو غير مقيم, وفاتك لسبب أو لأخر إن تلبي الدعوة للعودة إلى وطنك الأم قبل يوم 11 يونيو الماضي , عليك أن تعتبر نفسك منشقا رسميا .. وكلبا ضالا أيضا, إذا سمحت لي بقليل من الوقاحة المستمدة حرفيا من تصريحات الشخصية الوحيدة المذكورة أعلاه. وسواء كنت مواطنا ليبيا ممن تنطبق عليهم الصفة أو لم تكن كذلك, فأرجو أن تسمح لي بعدم ذكر اسمه مرة أخرى إلا عند الضرورة القصوى. فدعنا نطلق عليه مؤقتا اسم "هبل" و/ أو الشخصية.
 
المهم أنك عرفت الان تصنيفك الرسمي من حيث الإنشقاق , أما مدى إنتمائك إلى فصيلة الكلاب أو ضلالك, فتلك مسالة أخرى ليست من شأني بأي حال, كل ما أريده هنا أن أطلعك على شئ من الحقيقة عما يجرى حولك فانظر إلى أبعد من أنفك قليلا, وسوف ترى ما أعنيه فان لم تقتنع فتب إليه إذ ربما لا يزال أمامك متسع من الوقت. أما إذا اقتنعت فلتبق منشقا حتى ينشق صدره غيضا وكمدا, وهذا من جانبك أضعف الإيمان.
 
أن رحلة التوبة الليبية بمفهومها الجديد تنطلق من الخارج إلى الداخل ذهابا فقط بلا إياب. ودعني أذكرك أولا بان الموعد المحدد لقبول توبتك قد فات فعلا ولكن من يدرى ؟ فلربنا يصدر قرار ثوري رحيم بالكلاب يقضى باعتبار نفس اليوم من كل عام موعداً لاستقبال دفعة أخرى من التائبين الجدد. فيصبح ثمة موسم سنوي ثابت تستطيع قبله أن تنشق كما يحلو لك توطئة لإعلان التوبة عند قدمي "هبل" كبير أصنام الجماهيرية (التي تعني ليبيا, كما سبق أن أوضحنا في حصة الجغرافيا).
 
أن يصدر مثل ذلك القرار أو لا يصدر, فهذا علمه عند الشخصية الوحيدة وحدها، ولكن لنفرض جدلا انه صدر, وأتيحت لك فرصة جديدة في منتصف كل سنة ميلادية . فماذا يعنى ذلك بالنسبة إليك كمنشق أو مجرد جرو ضال, أو الاثنين معا ؟.
 
عليك قبل كل شئ أن تلم الماما كافيا بالإجراءات التمهيدية وكافة الطقوس الواجب أداؤها واسمح لي، حتى لا أنسى، أن أنبهك إلى بضع نقاط هامة جدا، إذا كنت تنوى التوبة حقا فلا تفرط في تكديس المعاصي الرجعية المتعفنة كما كنت تجمع الخطايا بشراهة أيام الحج إلى بيت الله الحرام. لأنهم هناك في الجماهيرية ربما يعمدون إلى تصفيتك تماما لو فاحت منك أية رائحة مشبوهة فهم حريصون جدا على التأكد الكامل أنك لن تتعرض للغواية قط مرة أخرى بعد أول توبة.
 
ونصيحة أخرى أسوقها إليك لوجه الله: لا تحمل معك أى سجاد عجمي أو ساعات سويسرية . فلن يشترى منك أحد. وأنت تعلم أن الجماهيرية إشتراكية للغاية وعربية جدا. وبالتالي فان السجاد ،خاصة أذا كان عجميا، لا يجوز أن يباع فيها أو يشترى. أما بالنسبة للساعات فان الوقت هناك أثمن وأطول من أن يقاس بساعة أو حتى منبه. ثم أن الرَقاصات من الإنتاج المحلى يعملن أوتوماتيكيا بطريقة "رولكس" الدائبة الحركة في معظم المؤتمرات الشعبية النسائية فلا تتعب نفسك.
 
أنا اعرف ما يدور بذهنك ألان... الحرام لا أنصحك حتى بمجرد التفكير فيه. فهو – كما لا يخفى عليك – عيب وحرام... وممنوع أيضا على غير المؤهلين لممارسته من الحكام أولاد الحرام.
 
وإذن فلم يبق إلا أن أحدثك عن الإجراءات والمراسم. وهنا تفرض على الأمانة أن أصارحك القول بان معلوماتي في هذا المجال ربما كانت ناقصة أو تعوزها الدقة, لأنها في الواقع مستقاة من مصادر غير موثوقة تماما. فتجربة التوبة الثورية التي جرى تفجيرها مؤخرا في الصحراء الليبية, كانت أول تجربة من نوعها في العالم ولم يتأكد بعد من نجاحها في تحقيق الهدف المباشر منها – وهو أن كنت لا تعلم, محاولة إخماد جذوة المعارضة إلى الأبد وترسيخ حكم الشخصية الآنفة الذكر حتى الموت.
 
أعنى أن التجربة الجديدة أحيطت بتكتم شديد لم يسمح إلا بتسرب النزر اليسير من الأخبار عن ظروفها وملابساتها, سواء في الداخل أو الخارج. ومع ذلك فاننى سأحاول أن ارسم لك فيما يلي صورة تقريبية موجزة لما كان يمكن أن يحدث لك لدى عودتك إلى البلاد قبل يوم 11 يونيو الماضي, على افتراض أنك كنت في السابق هاربا إلى الخارج أو مهربا للأموال أو مجرد واحد من الكلاب الضالة فقط، والمرجو مراعاة أن كل ما سأسرده على مسامعك الكريمة لا أساس له من الصحة سوى الإشاعات وبعض المعلومات المتاحة عن طريق الدوائر شبه الرجعية.
 
فتخيل نفسك ألان وكأنك فى يوم سابق على التاريخ المذكور. وقد قررت تلبية نداء التوبة قبل فوات الأوان. فماذا تصنع ؟، إذا كنت مهربا, ومازالت لديك بقية من أموال الشعب التي هربت بها فرارا من الحرية والاشتراكية والوحدة , فأول خطوة أمامك هي أن تشترى تذكرة سفر بطريق الجو وتستقل أول طائرة متجهة إلى أرض التوبة والغفران وحبذا لو ركبت الدرجة الأولى كي تصل مبكراً, فلا يسبقك إلى التوبة بقية الركاب. أما إذا كنت مجرد هارب مفلس أو كلب ضال أجرب, فما عليك إلا أن تتوجه إلى أقرب مكتب شعبي وتصرخ حتى تجد من يسمعك, ثم تعلن عن رغبتك الأكيدة في التوبة كما تعلن في نفس الوقت إفلاسك . ولكن حذار أن ينزلق لسانك إلى الاعتراف بأنك كلب ضال مهما كانت الظروف, إذ ربما يصادفك ثمة كلب مسعور قد يعمد إلى عضك على سبيل المزاح بين الأخوة.. فتضيع أنت إلى الأبد وتضيع عليك بالتالي فرصة قيمة لا تعوض.
 
على أية حال, إذا أحسنت التصرف بشئ من اللباقة، تصرف لك تذكرة السفر بالمجان وتقدم إليك كل التسهيلات, ويعطونك أى شى تطلبه فى حدود المعقول فيما عدا المدفع الصغير الذي تبدي رغبتك فى اقتنائه باعتبار ما سيكون من أنك تزمع الالتحاق بأعتى اللجان الثورية واكثرها حماسا فور إستكمال إجراءات توبتك النهائية ... يبدو أنك طماع جدا أيها الأخ !.
 
أنت الآن على أهبة الاستعداد للسفر، والجميع يتمنون لك توبة مبرورة ورجعية مغفورة . ولا داعى لأن نخوض فى تفاصيل رحلة الطائرة الى هناك. فهى مملة حتى فى الخيال. فدعنى أهبط بك فورا على أرض الواقع فى أحد مطارات جماهيرية الله الحرام, حيث يستقبلونك بجدية تامة لا ترى معها حتى شبح ابتسامة. وذلك بالطبع من باب المراعاة الدقيقة لمشاعرك الرقيقة, خشية أن يتبادر الى ذهنك الرجعى المريض أن أى ابتسامة تقابلك إنما تعنى السخرية أو الشماتة. فأنت بحاجة الى من يذكرك بأن الأخلاق لا زالت بخير, وأن الميت كالعادة "مافيش شماتة" – مالم يكن جيفه يرفض بقية الموتى العرب الليبيين من خلال مؤتمراتهم الشعبية أن تدفن معهم فى نفس المقابر الأساسية . فلا تخطئ الفهم.
 
من اراد منكم ان يتوب الى الله فالطريق الى مكة سالك وواضح. أما من أراد أن يقدم القرابين الى هبل ليبيا فان طريقه الى سرت أرض الميعاد وعر مزروع بالأشواك والألغام, ملئ بالعقارب والافاعى محاط بالأسلاك الشائكة تحف به من الجانبين أعمدة التلغراف وأشباح المخبرين.
 
هكدا تقول إحدى نشرات الدعاية المضادة للثورة وعصر الجماهير. فلا تعبأ بها وتعال معى الى الموقع لتمارس بنفسك طقوس التوبة الوثنية على الطبيعة. وربما يعتريك لأول وهلة شعور بالرهبة والخشوع من هول الموقف. فتشجع وكن رابط الجأش حتى النهاية. وأنا أعدك أننى ساقتلك بالضحك قبل أن أفرغ من سرد حكايتك المضحكة .. وذلك , بالطبع, اذا قدر لك أن تخرج من خيمة التوبة حياً.
 
فهناك سوف تجد ثمة خيمة متميزة مصنوعة من أفخر أنواع المشمع الباكستانى, وتنتصب عند مدخلها بضعة أصنام صغيرة مسلحة بالرشاشات، وهى ليست واقفة فى الجوار لكى ترشك بالكولونيا إذا أغمى عليك تحت وطأة الإجهاد أو حدة الشعور بالذنب أثناء إعلان التوبة. كلا ، فالأمر مختلف تماما.
 
وما ان تدلف الى داخل الخيمة الفسيحة حتى تواجهك الشخصية ذات الشأن متربعة على نطع مدبوغ من جلود أسمن النعاج الليبية, وترتدى برنوساً موشى بخيوط الذهب لا يضاهيه حتى "برنوس بنت المحاميد عيشة". ومن خلف الشخصية تطالعك صورة شيخ وقور له نفس الملامح , يقال انه أستشهد عدة مرات وهو يقاتل فى صفوف المجاهدين الطليان ضد الاستعمار الليبى. وفى مكان متوسط من خيمة الرئاسة يقف تمثال بالحجم الطبيعى للمغفور له مؤسس شركة "فيات" الايطالية. الى جانب عدة تماثيل نصفية لبعض مدراء شركات النفط وغيرهم من أصدقاء الشخصية. ثم تلاحظ فى ركن منزو بعيد صورة باهتة لا تكاد تتبين قسماتها الا اذا اقتربت منها وتفرست فيها جيدا, حيث يطل عليك وجه شيخ الشهداء "أنتونى كوين" بلحيته الكثة الناصعة البياض, وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة ذات مغزى .. إياك أن تفهمه مادمت تؤثر السلامة.
 
تبدأ مراسم إثبات التوبة وطقوس التعميد الجديد فور وصولك, حرصا على الوقت ونظراً لوجود جماهير غفيرة من الكلاب الضالة تنتظر دورها لاعلان التوبة – كما تؤكد لك الاذاعتان المسموعة والمرئية والصحيفة المحلية الوحيدة ووكالة الشائعات الرسمية يومياً . وأراك تهز رأسك فى حيرة وتتساءل سراً: مادام المطلوب منى أن أعلن توبتى للشعب واستغفره, فلماذا يتحتم على أن أقف فى طابور لا نهاية له مثل طوابير الجمعيات الاستهلاكية لمقابلة صاحب الشخصية بالذات ؟.
 
إن تساؤلك هذا يدل على أنك ساذج نوعا, ويبدو أنك لا تفقه شيئا فى أصول العملية الديمقراطية على النمط الجماهيرى. فدعنى أحاول أن أشرح لك، وأنا أعتقد جازما أننى بشعوذة منطقية بسيطة أستطيع أن أثبت لك على نحو مقنع بما فيه الكفاية أن وقوفك فى الطابور, حتى يباركك هبل الشخصية إنما هو ضرورة حتمية تمليها الظروف الراهنة فى جميع القارات ومرحلة التحول الثورى المتفاقم التى تمر بها البلاد بسرعة فائقة عند هذا المنعطف الخطير والمنحدر الشديد والنقطة الحاسمة فى تاريخ الامة العربية المستقرة خاصة والشعب الفلسطينى المشرد عامة, من حيث علاقته العضوية المتمثلة فى جدليتها التاريخية مع التطورات الجارية فى أستراليا وما حولها والأحداث البالغة الخطورة التى قد تقع فيما بعد وقد لا تقع قط رغم أنفك.
 
يتبـــــع...
 
نقلا عن موقع "صوت الطليعة"
 

راجع:

  محمد القزيري (ملف خاص)

 


 

libyaalmostakbal@yahoo.com