
محمد حسين القزيري:
مسيرة التوبة الطويلة (2)
"ليبيا
العنقاء - العدد الثاني سبتمبر 1980"

(واصل القراءة –
سيدي التائب – فربما تفهم ثمة شيئاً ذا قيمة حقيقية)
يومئ هبل الى أحد
الكهنة , فيحضر لك العرجون الكهربائى لتكنس به أرض الخيمة
الغبراء . ثم يعطيك دلوا معباً بالطلاء وفرشاة لتزويق
الجدران باللون الاخضر وتلميعها حتى ترى فيها وجهك على
حقيقته الجديدة شاحباً بائساً ذليلا ميت العينين . وما ان
تنتهى من تلك المهمة حتى يأمرك بأن تجثو على ركبتيك وتزحف من
اقصى الخيمة الى اقصاها الف مرة الى ان تتسلخ ركبتاك
الرجعيتان من فرط الزحف " الاخضر".
ويتركك قليلا
ريثما تسترد انفاسك ثم يطلب منك بادب جم وابتسامة لطيفة ان
تتلو ما تيسر من مقولات كتابه الاخضر المنقذ من الضلال .
فاذا اخطأت يكون جزاؤك ان تقف فى ركن الخيمة على رجل واحدة
بجوار شيخ الشهداء حتى تقع من الاجهاد . وعندئذ ياتى كاتب
الوحى (الذى يتولى أيضاً القاءه بصوته "الشاعرى" الرخيم)
فيسلمك نسخة من الكتاب باللغة العربية الفصحى, ويبلغك رسمياً
بان لديك خمس دقائق كاملة لكى تحفظ كل المقولات الواردة فيه
عن ظهر قلب والا وقعت تحت طائلة القانون الذى يقضى بشق قلبك
وقصم ظهرك.
عند هذا الحد ربما
يعتريك شئ من الرعب الاخضر حتى ترتعد فرائصك هلعا من عواقب
توبتك الوخيمة. ولكن لا تبتئس كثيراً. فالتوبة ختامها مسك
بلا شك . والمهم ان تشحذ قريحتك جيداً كأى شحاذ محترف وتحنى
راسك بالخشوع المناسب للمقام , ثم تبدأ من جديد فى تجويد ما
كلفت بحفظه من تلك الاقاويل البديعة التى يزخر بها إنجيلك
الاخضر . واذا استبد بك الخوف أكثر مما ينبغى فتذكر على
الفور ان "الرجل لا يحيض" (من الفصل الثالث من الكتاب
الاخضر) عسى ان تنجح تلك الاطروحة المبتكرة فى ادخال بعض
الطمأنينة على قلبك المنشق سابقاً.
ومع ذلك عليك ان
تتوخى منتهى الحذر . فأنت لو ارتكبت أى خطأ فى التلاوة او
التفسير هذه المرة ايضاً لابد ان تقع فى اشكال حقيقى. وقبل
ان تتدارك هفوتك تنشق الارض فجاة عن الطيب الذكر حسن اشكال
بكامل عدته , فيداعب قدميك العاريتين بسوط سودانى فاخر من
النوع المفضل لدى الرئيس جيم نون شخصياً.
وفيما يواصل
الشاطر حسن مزاحه الثقيل معك, تنقض عليك من المجال الجوى
للخيمة اثنتان من قاذفات الدم المقاتلة (من طراز ق.د. صفر)
السرتاوية الصنع ... فتشجان راسك وتدميان انفك امعانا فى
اذلالك وكسر "خشمك" نهائياً.
السلام عليكم ..
اما زلت حياً ؟ مبروك .. يبدو انك كلب محظوظ , رغم ضلالك
الواضح . والان يطلع عليك القائد العام للقوات المسلحة. وهو
زنجى مديد القامة مفتول العضلات حليق الوجه (لو كان لديه شنب
يتسلى بفتله فى اوقات الفراغ, مثل معظم الليبيين العاديين,
لما وجد الوقت الكافى لفتل عضلاته على هذا النحو رغم مشاغل
القيادة). ومن باب الانصاف لا يسعنى الا ان اذكر لك ان قائد
الزنج المشار اليه مجرد رجل بسيط سادج, على ما يقال , لدرجة
انه اصبح هدفا للكثير من التعليقات الساخرة اللاذعة التى
يطلقها بعض الظرفاء فى اجهزة الاستخبارات بمعرفة "هبل" نفسه.
وبعبارة اخرى, فان هذا العميد الزنجى التعس الذى يرأس
البلدية العسكرية لأول جماهيرية فى التاريخ صار اضحوكة لصغار
المخبرين وشاعت نوادره فى جميع الاوساط حتى نسى الناس حكايات
جحا !!.
معك حق .. فهذا
الاستطراد خارج عن الموضوع. وانت مستعجل على التوبة. ولكن,
مثلما تطلب منك ملصقات مصلحة السياحة ان "أعرف بلادك" يجدر
بك ايظا ان تعرف شيئا ما عن بعض المعالم والشخوص البارزة فى
بلادك . فهل يرضيك, وانت مقبل على التوبة , ان ترى رجلا
وديعا طيب القلب مثل هذا يتحول بفعل ألسنة الخبثاء الى مثار
للسخرية, فيما هو غافل تماما عن كل الترهات , منهمكا بالكامل
فى رسم الخطط الحربية البارعة للغزوات الخارجية والداخلية
ووضع استراتيجية البلاد الدفاعية بعيدة المدى ؟ فهو يعمل فى
صمت, ولايسمع له صوت الا اذا اصيب بالسعال الديكى او غيره من
جراء الافراط فى التدخين .. وهو لا يجيد صناعة الكلام ..
ولايعرف حتىا إلقاء السلام لان صناعته الحرب وحدها !!.
واذا كنت لا
تصدقنى , فاقترب قليلا لاهمس ف اذنك بسر عسكرى خطير يذاع
لاول مرة . ان هذا العميد العملاق قد تمكن بالفعل من وضع خطة
متكاملة متقنة لصد اى هجوم صاعق قد تتعرض له البلدية او
غيرها من الاهداف الحيوية و حتى لو استخدم العدو احدث
انواعالاطباق الطائرة .. فهل يرضيك ان يتعرض هو ذاته
لانتقادات السفهاء دون ان يتصدى احد للدفاع عنه ؟ .. تقول
انه لا يعنيك امره على الاطلاق ؟ كاذب انت .. فبعد لحظات سوف
تكتشف بنفسك انه يهمك الى حد لا يطاق !.
فهبل مغرم
بالترفيه عن نفسه على طريقة أباطرة الرومان القدماء . ولذا
يأمرك بالدخول فى مباراة ودية للمصارعة الحرة ضد القائد
العام لقواته المسلحة. وانت, رغم ضخامة جثتك وما يبدو عليك
من مظاهر الصحة كبرجوازى مرفه, تبدو فى نفس الوقت مرهقا ونصف
ميت نتيجة للاجراءات السابقة التى خضتها تكفيرا عن ذنوبك
تجاه "الشخصية" ومع ذلك ليس بوسعك ان ترفض مثل هذا الشرف.
فاستجمع ما تبقى
من قواك, وتوكل على صنمك المعبود هبل, وقم واجه مصيرك
المحتوم.
بضربة واحدة يطرحك
"بوسعدية" أرضا ويعطيك "طريحة نباش القبور". ثم يجتم على
صدرك ويرفع عينه البريئتين الى "الشخصية" منتظراً الاشارة
لكثم انفاسك. لكن هبل الشخصية , تقديراً منه لقوة احتمالك
وصبرك على المكاره, يقرر انك لابد قد تعلمت الدرس وتبت صادقا
بعد ان أخذت كفايتك من الإهانات الثورية, فيرفع ابهامه الى
اعلى علامة على انه يريد الابقاء على حياتك التافهة عسى ان
يجد فيها بعض الفائدة مستقبلا . أفلم اقل لك انك كلب جيد
الحظ رغم ضلالك المبين سابقاً ؟.
أبشر, يا كلب, فقد
هانت .. ومن يهن يسهل الهوان عليه ... فبعد ان اكلت
"الطريحة" المقررة ونفض العميد يديه منك لم يبق امامك سوى
مواجهة اخر أعضاء لجنة امتحانات التوبة : عبدالسلام (الفصيح)
إجلود .. يدخل من احد الابواب الجانبية زائغ العينين تحت
وطأة الويسكى , ويندفع مترنحا نحو صاحب الشخصية ذاته معتقداً
انه هو التائب المستجد. وفى أسرع من لمح البصر يحيط به كهنة
المعبد والأحبار, وتهرع كل الاصنام المرابطة خارج الخيمة
واصابعها على الزناد مستعدة للرش بالمبيدات الحشرية.
يشير هبل باصبعه
الصغير, فيفهم الجميع الاشارة ويأتى على الفور احد الغلمان,
فيقبل الارض بين يدى هبل السلطان, ويدلق فوق راس الفصيح سطلا
معباً حتى حافته بالبيرة المثلجة. وعندئذ تطير سكرته الا
قليلا, فيعلق ما انسكب من محتويات الجردل, ويلتفت اليك
منتبها الى وجودك لأول مرة. وإذ يراك ذليلا خافض الرأس,
مهانا بادى البؤس, يستنتج الدلو المثقوب انك انت المنشق
الطلوب.
يحاول "صوت سيده"
الفصيح ان يلقنك درسا نظريا فى الثورية , معرجا اثناء
المحاضرة على كيفية التعامل مع شركات النفط الاحتكارية
والتفاوض على اضخم الاتاوات والعمولات واتعاب الخدمات. ثم
يخرج من احد جيوبه مفكرة خضراء صغيرة , ويبدا فى سرد عناوين
افضل المصارف العالمية التى تقدم لعملائها اكبر الفوائد
واسخى التسهيلات على ضوء تجربته الشخصية. وهنا يفطن هبل
"الشخصية" الى ان صوته الفصيح اللسان لم يفق من سكرته بعد,
فيصفعه على قفاه مذكرا اياه بألا يخرج عن الموضوع . ويتلعثم
الفصيح وينعقد لسانه, فيخونه التعبير حتى يكاد يفقد صوته.
ولايجد بدا من اللجوء الى مكبر الصوت لاطلاق بعض الهتافات
الحماسية التى تسبح بحمد هبل, وذلك فى محاولة شبه يائسة
لاستعادة رضا سيده وولى نعمته الوحيد. لكنه يفشل تماما ويبح
صوته دون طائل , فيعمد من ثم الى استعمال جهاز التسجيل.
ويلقى على مسامعك
تسجيلا كاملا لاخر اطروحات صاحب الشخصية هبل بنفس الصوت
"الشاعرى" السالف الذكر, فيما يضل احنيش ابن الأفعى السامة
يدور من حولك طول الوقت مكشراً أنيابه المخيفة لكى يشحنك
بقسط وافر من الرعب يطرد من ذهنك أى تفكير فى إمكانية
الإرتداد عن دينك الجديد فيما بعد. وهكذا ينتهى آخر أصعب
"طرح" ضمن طقوس توبتك المخزية. وانت مازلت نصف حى كالعادة!!.
ولكن لابد انك
مرهق للغاية بعد احداث هذا اليوم الطويل المضنى . فانا نفسى
تعبت واصابنى ما يشبه الغثيان لمجرد سرد قصتك المزعجة. فنم
قليلا , حتى تستعد لاستكمال بقية الاجراءات غدا بنفس القدر
من النشاط والحيوية. ولاتخف , فقد هانت. ومن يهن يسهل الهوان
عليه. وانت الان ادرى الناس بهذه الحقيقة !.
فلتصبح على خير
مايرام , ايها السلوقى الضال ! .. والى اللقاء فى ساعة مبكرة
من صباح غد لن يشرق فى حياتك قط رغم تكهنات عرافة الفندق
البلدى والنشرة الجوية.
فى اليوم التالى
يسوقونك مع بقية القطيع فى مسيرة جماعية , تنظمها (اللجان)
الثورية خصيصا من اجلكم لكى تتيح لكم الفرصة التى كنتم جميعا
تتطلعون اليها للتعبير عن تأييدكم المطلق لشخصية الصنم
الحجرى القلب هبل سرت. وهذه ايضاً مناسبة تاريخية رائعة
للاعتراف بتلك الحقيقة الرهيبة التى ما فتئت تثقل ضميرك
الميت منذ الطفولة : وهى انك رجعى متعفن وفاشى قذر, ولص
محترف .. ومقاول لحساب القطاع العام .. كما ان هذه المسيرة
تعتبر بمثابة امتحان عملى لمدى صدق توبتك وتجربة تطبيقية
لاختبار مفعول الجرعة الثورية التى القموك إياها فى اليوم
السابق.
تنطلق انت مع
مسيرة "التوبة الكبرى" بحمس منقطع النظير, فتذرع شوارع
المدينة الرئيسية والازقة ايضاً حيث تعوى مع اخوتك الكلاب
الضالة الحديثة التوبة باسم الفاتح, ملوحا بقبضة يدك اليمنى
فى الهواء , فيما يتراقص ذيلك ذات اليمين وذات اليسار مع ضبط
الايقاع وفقا لتعليمات قائد الفرقة الذى يشير بعصاه السحرية
الصغيرة قابعا فى موضع يراك منه ولا تراه .. والمسيرة مستمرة
و.. "الراجل يطلع لى بره".
وبينما تصدح
الموسيقى العسكرية بانغام لحنك المفضل "نويت انتوب راد الله
عليا" يقفز افراد الجوقة الثورية فى كل اتجاه كالنسانيس
المرحة, مرددين الشعارات البهيجة التى يحبها قلبك مثل: تبى
والا ما تبيش .. من غير الاحمق ما فيش". ولدى سماع هذا
الهتاف بالذات تجيش نفسك بمشاعر التمرد والثورة, وتبرق أمام
عينيك المبللتين بالدموع صورة حريتك السليبة, فيما تحس بوطأة
الاغلال فى قدميك تزداد ثقلا وشدة. فتنشد (فى سرك طبعا) قول
الشاعر القديم:
ودَك غير تمشى دوم
جالي
اتشيل الهبل لاوطانا خوالي
ولكن سرعان ما
تستفوقك هموم اللحظة الحرجة التى انت فيها , فتكبح جماع
خيالك المجنح , خشية ان تقرأ افكارك صقور الشرطة السرية
المندسة على نحو واضح بين صفوف الكلاب اللاهثة فى طريق
التوبة المعبد بالجماجم وعظام الموتى. وتندمج انت فى عقلية
القطيع بالتدريج حتى تتسلط على عقلك فكرة واحدة, مؤداها انك
لست افضل ولا اسوأ من بقية الكلاب. وتبدو لك الفكرة مقنعة
ومريحة تماما .. فلتكن المسيرة !.
وتشرع فى هز ذيلك
اسوة بغيرك وتقفز بسرور ظاهر فى جميع الاتجاهات الاصلية ,
فيما تبتسم لك أعين الصقور موحية باستحسان سيرك وسلوكك
الجديد . ويستبد بك الفرح , فتبدأ فى الانشاد مع الجوقة ,
وتنطلق الهتافات المسعورة مدوية من حنجرتك الجافة حتى تردد
اصداءها جبال "تيبستي". وشيئا فشيئاً يتعالى الصراخ والعواء
الوحشى, ويشتد وطيس التوبة, الى ان تبلغ الحرارة درجة الحمى
والهستيريا الجماعية وتلتهب الأكف بالتصفيق الحاد وسط
الاهازيج "الشعبية الثورية" فتغلى الدماء فى عروقك تحت وطأة
الحماس والحر , وترفع عقيرتك مناديا بسحق كل المنشقين الكلاب
أينما كانوا .. تلبية لدعوة "القائد" المفدى ومدير مخابراته
المحبوب ! وفى تلك الاثناء تنسى بطبيعة الحال , انك انت نفسك
واحد من تلك "الكلاب الضالة" التى تطالب الان بسحلها علنا,
وانك لم تنشق عنها الا منذ يومين فقط .. ويغيب عن ذهنك ايضاً
انك ما زلت كلبا على اى حال . فبئس التوبة – توبة الكلب مثلك
بعد الانشقاق !.
يتبـــــع....
نقلا عن موقع
"صوت الطليعة"
راجع:
محمد حسين القزيري:
مسيرة التوبة الطويلة (1)
محمد القزيري (ملف خاص)
|