16/12/2007
 

محمد حسين القزيري:  مسيرة التوبة الطويلة (3)
"ليبيا العنقاء - العدد الثاني سبتمبر 1980"
 
 
 
والخلاصة: ان مسيرة توبتك العصرية بين يدى هبل الجماهيرية تنتهى الى ما يشبه التشنجات الخليعة فى حفلات الزار المصرية. وبعدها تبدأ المساومات عبر الاستجواب الدقيق واستخلاص المعلومات:
 
• هل تؤمن بالثورة ؟
 
• نعم.
• حدد اجابتك . اى ثورة تقصد ؟
 
• نفس الثورة التى تعنيها انت ايها الاخ الثائر مثلى.
 
• تقصد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة ؟
 
• هى بعينها.
 
• ما رأيك فى الحكومة ؟ (وتفطن انت الى الفخ ، فترد بجراءة لم تعهدها فى نفسك من قبل)
 
• اعوذ بالله من كل الحكومات ! .. والحمد لله الذى الهم قائدنا ومعلمنا وناظر مدرستنا ان يلغى الحكومة اللعينة فى ظل سلطة الشعب.
 
• هذه اجابة ذكية, ايها الاخ الكلب ! .. ولكن قل لى : هل تؤمن بالله ورسوله ؟
 
• أومن بالله وبرسول الصحراء وفارسها الذى لا يشق له غبار, الا وهو معمر بومنيار ..وقانا الله وإياكم من شر الشيطان الرجيم وعذاب النار.
 
• لا أدري كيف أفسر إجابتك هذه، ولكن يبدولي أنها مقبولة على كل حال. والآن ما مدى استعدادك لخدمة أهداف الثورة النبيلة, والدفاع عنها, والتصدى لاعدائها ؟
 
• أرجو المعذرة ياخ ! .. إن هذا السؤال طويل ومعقد نوعا, أعنى يبدو فوق مستوى فهمى فهل تسمح ببعض الايضاح ؟
 
• حسنا, سوف أضع سؤالى فى صيغة اخرى هى اقرب الى فهم الجميع. وماعليك الا ان تفكر قليلا بعقلية الكلاب البوليسية فتفهم بوضوح تام. فهل انت على استعداد للتعاون مع اللجان الثورية, مثلا, فى ملاحقة معارفك واصدقائك الخونة من الكلاب الضالة فى الخارج ؟ .. وماذا تطلب بالمقابل ؟
 
• بالروح بالدم نفديك يا قايدنا ! .. إننى اطلب تاشيرة خروج وعودة مفتوحة لمدة قرن واحد على الاقل, تسهيلا للحركة. وسوف احتاج الى مبلغ من العملات الاجنبية المختلفة بما يكفى لسرعة التنقل فى أثر هولاء الفاشيين الرجعيين المقاولين الفاشلين فى الداخل والخارج ! .. ومع ذلك تبقى ثمة مشكلة عويصة. فكيف استطيع اقناع المنشقين الأوغاد بأننى عدت مجرد كلب ضال مثلهم ولم أتحول الى كلب بوليسى مثلك ؟
 
• لا تشغل تفكيرك بمثل التوافه يا اخ ! .. إننا بالنقاء الثورى وبالتعاون المثمر مع حتالة المافيا, على أساس الاحترام المتبادل ووحدة الهدف والمصير , نذلل كل الصعاب . ولن يقف فى طريقنا شئ حتى نقضى على جميع الكلاب التى لا تنبح بنفس لغتنا الجديدة .. لغة الكتاب الاخضر, معجزة البلاغة ومشعل الحضارة ودليل البشرية فى رحلة الانعتاق النهائى .. بفصولها الثلاث.
 
• على الطلاق انك ثورى صحيح !، هل تفتحون لى حسابا فى سويسرا أم أحمل المبلغ نقداً ؟
 
• الا تستطيع ان تكف لحظة واحدة عن التفكير المادى ؟ اسمع .. اننا لن نخوض فى كل التفاصيل.
 
الآن. بل سأرد فقط على تساؤلاتك السابقة نقطة نقطة بينما أشرح لك بايجاز خطة العمل التى ربما تنتهجها معنا حسب تصورى الخاص. وهى بالطبع قابلة للتعديل وفقا للظروف.
 
مسألة التاشيرة المفتوحة استطيع ان اضمنها لك حتى نهاية القرن العشرين .. مالم تنشق ارض الفاتح نفسها وتبتلعنا جميعا ! .. وسوف نزودك ايضا بجواز سفر اخضر فاتح بعد ان نعدل لك اسمك بدون علم البلدية. سنختار لك اسما ثلاثيا غامضا على غرار فلان بن فلان الفلانى . فإسم "لاكى" لم يعد يليق بك. لأنه اسم إبن كلب واضح !!.
 
من ناحية توفير العملات الاجنبية, كن مطمئنا تماما. فجميع العملات الصعبة يسهل الحصول عليها من المصرف المركزى، وانت تعلم اننا قد استولينا على مدخرات جميع المواطنين المحاصرين داخل حدود الجماهيرية , ولا مانع من استخدامها للانفاق على عمليات مطاردة المواطنين الاخرين الموجودين خارج الحدود .. وذلك تطبيقا لمقولة القائد "من دقنه إفتله حبل" ثم إن أمين الخزانة رجل يقطر ثورية, ولن يبخل , فأنا أؤكد لك – وعلى اليمين من بيتى – ان القائد سوف يقرص أذنه .. وربما يعضه ايضا لكى يذكره بان مخصصات العمل الثورى لا تخضع الا لقانون الثورة ذاتها. وحيث ان قانون الثورة ينبع من داخلها كنتيجة مباشرة للفعل الثوري ورد الفعل الفوري, فليذهب القانون الى الجحيم .. خاصة وان (ثورتنا ثورة صياع .. لا قانون لا سبع أرباع !) وانت تعرف كم هو مقنع اسلوب القائد فى الحوار الديمقراطى !.
 
المهم .. سوف نفتح عدة حسابات فى الخارج بمصارف متفرقة. وكذلك فاننى شخصيا سوف اتدبر لك بوسائلي الخاصة مبلغا محترما تحمله معك نقداً بحيث يكون تحت تصرفنا المطلق . ولكن اياك والانانية عندما تصل الى الخارج, يا ابن الكلب ! .. فلا تنسى اننا نحن الاثنين ننتمى الى بلد اشتراكى واحد واننا شركاء بالمناصفة ولسنا اجراء لأحد. واذا سولت لك نفسك الأمارة بالسوء ان تأكل حقى فى بلاد الغربة, فتذكر دائما اننى استطيع اعادتك الى حضيرة الكلاب فى ارض الوطن فى أي وقت. وتذكران إعدام الكلاب الضالة لم يعد من شان البلدية وحدها. فلو كان كذلك لمتنا جميعا من الكساد وقتلتنا البطالة ! ...
 
معاذ الله ان اخونك, يا أخ ! .. ألم تشهد توبتى بنفسك ؟ .. ألم تسمع بأذنك الوحيدة ذلك القسم الذى رددته مع بقية الاخوة أمام الله والقائد ؟ .. لقد حلفت ألاَ أمارس اللصوصية مرة اخرى , كما عاهدت نفسى رسمياً على ان أكف عن منافستكم مدى حياتى أو طوال عهدكم .. أيهما كان أقصر ! فماذا تريد اكثر من ذلك برهانا على حسن نيتى ؟ ارجو ان لا تظن بى الظنون خاصة الان وقد أصبحنا أبناء مهنة واحدة ، فأطرح الشكوك جانبا, يا أخ, ولنسأل الله ان يحفظ هذه النعمة من الزوال.
 
حسنا .. انتهينا من قضية التأشيرات والجوازات والنواحى المالية اذن ، فدعنا ننتقل الى نقطة اخرى . أريد منك ان تتخلص من حقيبة ملابسك القديمة, بعد ان نخلصك من اسمك القديم ومن ديونك المتراكمة ايضا, وسوف نعطيك بدلا منها حقيبة دبلوماسية تستطيع ان تحمل فيها حتى القديد والنعناع اليابس والزميتة التى تحبها بزيت الزيتون الأسبانى .. لا .. لاتندهش هكذا ! فنحن الان نعرف كل شئ عنك, بما فى ذلك ادق تفاصيل حياتك الشخصية والعائلية, فهذه مهنتنا كما تعلم. ومرحبا بك زميلا جديداً فى هذه المهنة العريقة. ويكفيك فخراً انها كانت ثاني اقدم مهنة فى التاريخ .. بعد الدعارة مباشرة !
 
يبدو ان عملى الجديد معكم سيكون مليئا بالمفاجات والمغامرات المثيرة. ولقد بدات أميل الى الإعتقاد فعلا بأن شغل المخابرات العامة الذ ُوأجدى من المقاولات العامة .. بغض النظر عن إعتبارات الربح أو الخسارة, بل ربما كانت ثمة انواع من المعلومات تساوى وزنها ذهبا لو عرف المرء كيف يستثمرها فى الوقت المناسب.
 
اذن, فانت سعيد بالإنظمام الينا، وهذه بداية طيبة جداً فلندخل الان فى صلب موضوعنا الرئيسى, وأعنى كيفية التمويه على الاخرين. فهذا, فى الواقع, هو بيت القصيد.
 
فانتبه جيداً لما ساقوله لك الان. ان المكاتب الشعبية التى نديرها تحت ستار العمل الدبلوماسى فى الخارج اصبحت شبه مكشوفة بعد ان قامت بدور فعال فى تسهيل تنفيذ عملياتنا الفدائية الجريئة التى تمت خلال الاشهر الأخيرة داخل بعض الاراضى غير المحتلة .. وبالتالى فان هذه المكاتب لم تعد تصلح لتوفير التغطية الكافية والتسهيلات الضرورية لنشاط قوانا الثورية المريب فى جميع انحاء العالم. وقد لا اذيع سرا اذا قلت لك ان هناك اتجاها جديا لتحويل المكاتب المذكورة الى "كتاتيب" شعبية تدرس فيها النظرية العالمية الثالثة للمتخلفين عقليا من اطفال الاجانب, لانها فقدت كل مبررات وجودها بالنسبة الينا !!
 
ولكن تبقى لدينا شركات الاستثمارات المشتركة والمصارف الخارجية والمراكز الثقافية, وعدد هائل من المشاريع والمؤسسات الوهمية نستطيع ان نزرعك فى واحدة منها بصفة مدير عام او كبير مباشرين مثلا .. وتعمل فيها بمثابة هوائى لاسلكى ! واذا تعذر ذلك لأية أسباب تتعلق بالأمن او لابعاد الشبهة عنك, فعليك ان تبحث بنفسك عن اى مشروع مناسب – سواء أكان مريحا أو خاسرا – بحيث نموله نحن فى الخفاء بينما تدعى انت أنك قد بدأته من الصفر بعرق جبينك وعصاميتك وشطارتك وما الى ذلك من الأكاذيب الصغيرة البريئة الجائزة شرعا فى سبيل المصلحة العامة ورفاهية المجتمع الثورى الجديد .. ولكن حذار ان يجنح بك الخيال فتكذب على نفسك أيضا حتى تتوهم انك وحدك صاحب المشروع ! .. بل تذكر دائما مقولتنا الخالدة التى سبق ان اتفقنا عليها.
 
وأحذر فقط مخابرات النصارى وفضول الصحفيين الأجانب وشرطة المرور ! .. اما الليبيون, المنشقون وغيرهم, فلا تحمل همهم على الاطلاق. فأنت, رغم غبائك الواضح, تستطيع ان تكسب ودهم دون مشقة تذكرثم تعمد الى خداعهم وإيقاعهم فى فخاخك الثورية بسهولة بالغة.
 
أسمع ... هل تصادف ان لاحظت بين الاف الملصقات الوطنية , التى تزين جدران المدينة واحداً يقول بلسان القائد. "الليبيون فقط شعب سيد" ؟ .. حسنا , سوف اطلعك الان على سر يجب الا تبوح به لاحد سواى ! .. ان النص الاصلى لتلك المقولة او الاطروحة او الشعار (او لا ادرى ما تسميه) موجود فى حوزة القائد شخصيا ومكتوب بخط حافره. وهو يقول بالحرف الواحد: "الليبيون فقط شعب ساذج , بل مغفل فقط ليس غير" !!.
 
وقد اثبت "الكابو" صحة هذه النظرية عمليا وبدليل انه لم ينقطع عن الكذب طيلة اكثر من عشر سنوات كاملة وأنا لم أتوقف عن تصديقه لحظة واحدة ! أتدرى مالسبب؟ لأننى ليبى أصيل أابا عن جد .. ولماذا نذهب بعيدا؟ فلنأخذ مثلا أنا وأنت الان. ان معرفتنا حديثة العهد جدا, ولاتكاد تتجاوز يوما او يومين على الأكثر. فهى من عمر توبتك بالضبط, اليس كذلك ؟ ... ومع هذا, فانها لم تعد مجرد معرفة سطحية او لقاء عابر. فها نحن قد أصبحنا شركاء واصدقاء نتبادل أخطر أسرار المهنة بمنتهى الثقة دون أدنى حرج !..
 
وهكذا الليبيون عموما ... فيكفى ان تملك القليل من الدهاء وبعض الحكايات شبه المحزنة لكى تنال ثقتهم العمياء وتستدر عطفهم الى الأبد. وسوف يكون بوسعك ان تنفذ الى موطن الأسرار عندهم بكل بساطة. فالقلوب المفتوحة – كما يقول المثل – كثيرا ما تكون قلب المخابرات النابض بالأسرار المفضوحة ! ..
 
أخبرهم مثلا بأنك كنت مضطرا الى العودة والمشاركة فى مسيرة التوبة , ليس خوفا على نفسك من عواقب الرفض, بل لمجرد ان لديك أسرة واولاد خشيت عليهم من بطش السلطة الغاشمة وانتقام الرعاع ... وقل لهم ايضا أنك اتخدت قرارا بالغ الصعوبة يوم تخليت عن أنانيتك التى كنت دائما تعتز بها, فضحيت بكرامتك ذاتها وابتلعت أسوا الاهانات من أاجل راحة اطفالك. وحبذا لو ذرفت بعض الدموع الحقيقية, قائلا انك إنما خاطرت بحياتك من اجل إنقاد الأهل ودوى القربى.
 
انك – قل لهم – إنما أعلنت التوبة طائعا مختارا فى الظاهر , لكنك فى الواقع كنت مرغما بحكم ظروفك القاهرة ومشاكلك العاهرة واخيرا قل لهم جميعا ما معناه ان "اللى فالقلب فالقلب يا كنيسية" ! وهم قد يبصقون على وجهك فى أول الأمر من باب اظهار الاشمئزاز البطولي تحت وطأة السكر. غير انهم, بكل تأكيد, سوف يبحثون عنك فى اليوم التالى للإعتذار عن تصرفهم غير اللائق تجاه "أخ" ليبى طيب مغترب مثلهم يكنون له كل محبة وإعزاز ويقدرون ظروفه فوق ما يتصور. وسوف يغفرون لك توبتك تماما, ويقولون لك من باب المواساة والمشاركة الوجدانية: " الله غالب عالعصالب " ! .. ثم يعرضون عليك تأييدهم المادى والمعنوى المطلق, وتتدفق العواطف الليبية النبيلة كالسيل من كل جانب. بل اننى أراهنك أنهم سوف يبكون معك ايضاً فى ختام سكرتك معهم على حسابهم, فى كل الايام التالية.
 
ان شعبنا طيب جدا .. لحسن الحظ.
 
يتبـــــع....
 
نقلا عن موقع "صوت الطليعة"

 


راجع:

  محمد حسين القزيري:  مسيرة التوبة الطويلة (1)

  محمد حسين القزيري:  مسيرة التوبة الطويلة (2)

  محمد القزيري (ملف خاص)

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com