22/07/2007
 
 

الجيش الأميركي والحلوة الحارة
بقلم: يوسف الغزال
 
عن موقع جيــل - 17/07/2007
http://www.jeel-libya.info/articles/view.asp?field=content&id=2519

 
عبد الله صبي في السابعة من عمره، أدخله والده عام 1955 لزاوية ( سيدي المدني) لحفظ القرأن، حيث كان يتردد مع بقية زملائه من الجيران على الزاوية مرتين في اليوم، فقد كان نظام الدراسة، طوال اليوم، موزعا على فترتين، فترة صباحية وفترة مسائية.
 
وهذا النظام الدراسي هو النظام السائد في مدينة مصراته، حيث تخلو البلاد من مدارس التعليم الحديث، إذ تقوم الجوامع بمهمة التعليم، ففي كل قرية جامع، يتولى تعليم الاطفال. هكذا هي القرية هادئة والاطفال في الجوامع.
 
الشوارع خالية من حركة الناس، فهم دائما في مزارعهم، لا يكاد يمر من شوارع القرية غريب، حتى ينتبه له من يصادفه من أهل القرية، ويحاول التعرف عليه، فسكان القرية الصغيرة معروفون فردا فردا، فكل من يأتي لقريتنا معروف ومالوف.
 
والأيام تتوالى على نفس المنوال، ولاجديد يأتي إلا ذلك المشهد المثير حقا، إذ كنا نتجمع على الطريق عند سماعنا أزيز محرك السيارة، أو صوت المنبه الجميل، الذي يتسابق الأطفال في تقليده بأفواههم ( بيييب بيييب)، ( طوووط طوووط)، السيارات التي تتردد على القاعدة العسكرية في في مطار ( رأس حديد) تثير فضولنا، نقف على الطريق لاستقبالها، ثم نجري ورائها رغبة في ملاحقتها، وعندما نفشل في اللحاق بها، وتبتعد عنا، وتتركنا ننتقم لفشلنا بقذفها بالحجارة، كان يقول لنا الكبار أن سيارت الامريكان تجري بسرعة (مئة)، ولم نكن ماذا تعني هذه (المئة).
 
كان الجنود بالسيارة يتلذذون بفضولنا الطفولي، أحيانا يستخدم السائق منبه السيارة لنرد عليه بالصراخ والتصفيق والرقص في بعض الأحيان، فتشكلت علاقة بين الجنود الأمريكان وأطفال قريتنا، وكان الجنود ممتنين لهذا العلاقة، ربما لآنهم أحبوا براءة الطفولة فينا، وربما لآنهم ف شوق لأطفالهم، في بلادهم البعيدة، أو ربما بعضهم يرغب في اثارة المزيد من الفضول لدينا.
 
تطورت العلاقة حتى أنهم أصبحوا يرمون لنا بالهدايا من السيارة، ويتسابق الصبية، لجمع أكبر عددا منها، لقد كانت هدايا ثمينة جدا في زمن الجوع، والنهم الشديد للأطفال بحب التملك لهذه الهدايا الثمينة والغريبة، والتي نراها لأول مرة، مثل علبة سردين ذات مذاق جميل، أول علب لحم، تسمى في القرية (بلابيف) أو البسكويت الحلو والمالح، أو علب الجبن الابيض والأصفر، والفضل دائما عندنا هي الحلوة، التي تمسى في القرية (كراميل المينتة) وهي عبارة عن مكعبات صلبة، خضراء اللون، ملفوفة في غلاف فضي جميل.
 
أما ما يفضله عبدالله على الحلوى الصلبة، هي الحلاوة المعجونة الحارة بطعم النعناع وذات المذاق الحار جدا، كان يسيل لعابه بغزارة، وتسيل دموعه على خده، عندما يضغط على أنبوب العبوة، لتفرغ سائلها الحر في فمه، ثم يمزق الغلاف، ويلحس ما تبقى عالقا في الغلاف من الداخل.
 
ويقول عبدالله أكلت الكثير من الحلوى المعجونة، وعندما كبرت عرفت الحقيقة مؤخرا، إذ اكتشفت أن الحلوى الحارة المعجونة، لم تكن غير معجون اسنان !!. وعذري من كان يصدق أن للأسنان معجون !!.
 
 

 
من كتاب ليبيا: ملتقي المشرق والمغرب
قراءة في مكونات الثقافة السائدة
للكاتب يوسف عمر الغزال
الطبعة الأولى - منشورات الجامعة المغاربية - طرابلس 2006 - ISBN: 9959-22-402-3
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com