11/07/2007
 

 
 
بلادى وان شطت على عزيزة   واهلى وان جاروا على كرام
الشيخ محمد السنوسي الغزالي
حول بعض القبائل الليبيه   (1)
 
عن مدونة الكاتب الليبي أحمد الفيتوري "سيريب" - 09/7/2007

http://afaitouri.maktoobblog.info/?post=400342

 
تصفحت مجلة ليبيا المصوره عدد4 فرايت بها ما يعجب الرأى لاحتوائها على مهمات البلاد تفصيلا ومن احسن ما قرأته هو ذكر المنشآت الاصلاحيه من مساجد وغيرها ثم وجدت بين اضلعها مقالا من الكاتب عبدالكريم جبريل ذكر فيه درنه التى هي درة الجبل الاخضر الذى هو مسقط رأسى وفيه نموت وعشت جل حياتى متنقلا فيه فى ايام سعيده وعيش رغيد، وكان موضوع مقاله شاملا لطبيعة البلاد وتاريخ سكانها قديما وحادثا وسررت غاية السرور وصرت اردد ذلك المقال بتؤدة تامه وكل ما اقرا كلمه فى طبيعة البلاد وتاريخ سكانها اجد اطمئنانا فى نفسى واشتياقا لبلادى واهلها الاعزاء فتذكرت قول الشاعر:
 
بلادى وان شطت على عزيزة
واهلى وان جاروا على كرام
 
وقد بالغ امير الشعراء احمد بك شوقى فى حب وطنه حيث قال:
 
وطنى لو شغلت بالخلد عنه * فنازعتنى اليه فى الخلد نفسى
 
والحق كل الحق انه معذور وليس هذا من المبالغه فى شىء، فقد ورد ذلك فى شريعتنا الغراء وهو قول مختار الانبياء والمرسلين (حب الوطن من الايمان)، غير انى وجدت فيما كتبه حضرة الكاتب فى سكان درنه السابقين بعض ابهام وهو قوله سكن درنه فى الزمن الغابر قبيلتان من قبائل العرب ولعلهما سلالة اقوام قديمه (من البربر العبيدات واولاد على) فرايت من واجبى ان انبه الى هذا الشك ولاابوء بعاقبة الكتمان لانه ماس لتاريخ تينك القبيلتين، اذ قد تمر السنون عليه (ويجد الجيل عمن قبله هذا الابهام (2) فيظن انه زنيم ولايعرفون انفسهم الى من ينسبون او يرون انهم من قوم زعانف وليس الامر كذلك، بل انهم من صلب العرب ويعرفون نسبهم حق المعرفه ويحفظونها ابن عن اب ولهم به تمسك غريب كانه عندهم من الضروريات.
 
قلت لابد لى ان اكتب فى هذا الموضوع واذكر ما لدى عن القبيلتين المذكورتين وان كنت لست من بطونهم فاننى نشأت فى حيهم ومكثت بينهم الى نصف العقد الرابع من حياتى، فان لهم من الشهامة والمجد والعادة الحسنه ما يشهد بعروبتهم ولغتهم لاتزال هي العربيه مبلغ الامر ان بها نزر من التحريف وفى لغتهم العامه بعض المفردات التى لاتوجد الا عندهم فى هذا العصر ولك البعض منها (غوط. قلته) وكثير مثل هذا تركناه خوف الاطاله ، ثم اننى اذكر لك شيئا من لغتهم المحرفه وهى (فيسع. وماجا) واصل الاولى (فى ساعه) والثانيه (ماجاء) فحرفت الاولى بتركيبها والثانيه باقيه على ما هي عليه مبلغ الامر ان الالف الممدوده قلبت الفا مقصوره واللفظتان مستعملتان فى جزيرة العرب كما هما فى برقه الآن.
 
واليك ايها القارىء الكريم بيان تينك القبيلتين وسبب وجود العرب فى برقه واظهار الحق وذهاب الشك.
 
كانت قبائل هلال وسليم فى الجهة الشرقيه من نيل مصر بعد انفصالهم عن القرامطه الى ان اظلم الجو بين المعز بن باديس حاكم القيروان وبين المستنصر بالله الخليفه الفاطمى سنة 443هـ فقطع بن باديس الخطبه باسم المستنصر ودعا باسم القائم بأمر الله الخليفه العباسى، فبلغ ذلك الخبر المستنصر بالله الفاطمى فقامت قيامته وفاوض وزيره ابامحمد فى امر ابن باديس فاشار عليه بان يسرح العرب الذين بالصعيد ويستميل قلوب رؤسائهم بالعطاء وتوليتهم البلاد، فوقع ذلك الرأى من الخليفه الفاطمى موقعا عظيما وارسل وزيره الى احياء العرب وقابل امرائهم وارضخ لهم الهدايا واباح لهم اجازة النيل وقال لهم قد اعطيناكم المغرب وملك ابن باديس العبد الآبق وكتب وزير المستنصر الى ابن باديس يتوعده قائلا:
 
{اما بعد.. فقد اوفدنا اليكم خيولا فحولا وارسلنا عليها رجالا كهولا ليقضى الله امرا كان مفعولا} فعبرت العرب النيل وتوجهوا الى برقه فنزلوا بها واعجبتهم حالتها ثم خف امير العرب اذذاك وهو (مونس بن يحى الرياحى) ومعه ثلاثة الاف من فرسان العرب وصاروا الى القيروان، وعند وصولهم الى ضواحى طرابلس بلغ خبرهم ابن باديس فضاق صدره وجمع جموعه وخرج لمبارزة العرب بثلاثين الف مقاتل والتقى الجمعان فى (جبل ميدران) فانهزم جيش ابن باديس وشتت العرب شملهم وذلك فى سنة 449 هـ وقد قال شاعر العرب حينئذ وهو على بن رزق الرياحى قصيده منها:
 
وان ابن باديس لأحزم مالك    لعمرى ولكن ما لديه رجـال
ثلاثة الف لنا هزمت لــــــه    ثلاثيــــن الفـــا ان ذا لنكــال
 
ولما تم النصر للعرب قسموا البلاد بينهم بالقرعه فحصل لبنى سليم شرقها ولبنى هلال غربها وتوجه كل منهم الى مكان اقامته وكان من زعماء بنى سليم اخوان احدهما يدعى الذئب وملقب بأبى الليل والثانى يدعى كعب وهما من بطن لبيد بن لعته بن جعفر بن كلاب بن ربيعه ابن عامر بن مالك بن زعب بن الناصر بن حفاف ابن قيس ابن بهنه ابن سليم ، فسكنا برقه وتناسلت ذريتهما فى تلك الربوع فاولاد كعب هم اولاد سليمان ومعدان وما عطف عليهم واقامتهم بحدود برقه البيضاء الغربيه وما بعدها الى الصحراوات التى بتخوم طرابلس جنوبا، واما الذئب قد تزوج امرأه من زناته تدعى سعده واليها ينسبون السعادى، وولدت سعده من الذئب المذكور ثلاثة اولاد وهم : برغوث ، سلام، عقار ،فجاسوا خلال برقه وتناسلوا بها وكثر عددهم واتباعهم الى ان تحاسدوا وتفرقت كلمتهم فاتفق ابناء برغوث وابناء عقار على ابناء سلام وبعد حرب طويله فر ابناء سلام وهاجروا الى الديار المصريه وهم الآن يقيمون بالشرقيه والزقازيق ويدعون [الهنادى وبنى عونه] وهم اول من هاجر من برقه الى مصر ، وبقى ببرقه ابناء برغوث وابناء عقار، فابناء برغوث يقطنون الجهة الغربيه من برقه وابناء عقار يسكنون شرقها، ثم حصلت حروب بين ابناء برغوث ومن جراء ذلك هاجرت قبيلة الفوائد الى مصر وهى تقيم الآن بالصعيد والفيوم، ثم وقعت حرب ايضا بين بقية ابناء برغوث ونتج منها ان هاجر الجوازى الى مصر وهم الآن يقطنون بالصعيد غرب البحر البوسفى، ومن ذرية برغوث المذكور الاخوان الفاضلان فخرا العرب ومعدنا الجود والادب صاحب السعاده حمد الباسل باشا وصاحب العزه عبدالستار بك الباسل وهما ابناء محمود بن الباسل ابن صالح بن زيدان بن منصور الملقب بالتريريس ابن موسى الملقب بالضريوى بن ابراهيم بن محمد بن على بن رمح بن فائد بن برغوث.
 
ثم ننتقل الى ثالث ابناء الذئب من سعده واليه تنسب القبيلتان اللتان كلامنا فيهما واسمه عقار كما مر وولد له ثلاثة اولاد وقيل اربعه اكبرهم حرب وبعده شريع وبعده على والذئب على والى على تنسب القبيله المسماه باولاد على والى شريع ينسبون الشرائع المقيمون الآن بفيوم مصر، وولد لحرب خمسة اولاد وقيل اربعه وهم حمد، ادريس ، حواس ، فائد، اعبيد، والى الاخير تنسب قبيلة العبيدات التى كتب عنها الكاتب وهذه قد وقع الحرب بينها وبين اولاد على والسبب فى ذلك ما ذكره الكاتب، الا ان اولاد على لم يباشروا قتل الشيخ عبدالمولى بن واعر بل انهم وشوا عليه لدى حكومة وقتها بدرنه فسجن بها وفر من السجن مكبلا بالحديد فاقتفت اثره الحكومه باحثه عليه ومعها (النعيعيس) وهذا من اولاد على فاهتدوا اليه فى الغابه بقرب عقبة جوه فاخذوه الى درنه وقتلوه بها فترتب الحرب على ذلك وانتصر حبيب بن عبد المولى ومن معه (3) على اولاد على وشتت شملهم ولم يزل فى اثرهم الى ان وصلوا الحدود المصريه ولهم فى ذلك اشعار محفوظه عندهم ، وقبيلة العبيدات هي اعظم قبيله فى برقه واكثرهم عدد ومنتشره فى الجبل الاخضر وتملك اكثر من نصفه، وتنقسم هذه القبيله الى عمائر وبطون وافخاذ كثيره فقد شاهد الجهاد منهم 10000 فى معسكر درنه تحت قيادة انور باشا وثمانية آلاف فى معسكر طبرق تحت بقيادة ادهم بك وهذا العدد بالقرعه من كل ثلاثة واحد.
 
وبمناسبة ذكر هذه القبيله ارى لامانع من ذكر البعض منهم ومزاياهم الكريمه ، فان هذه القبيله باجمعها تذعن لرجل واحد اذا حضر المجلس لايخالفون رايه ويدعى الشيخ عبدالقادر بن ابريدان بن المبروك بن شولاك بن عبدالله بن عويضه ابن غيث بن عبد المولى بن واعر بن اعبيد وهو ابو القبيله المذكوره وهذا الرجل ، اعنى الشيخ عبدالقادر بريدان ، وهو صاحب هيبه ووقار كانه الاسد وكثير الحرص على ابناء وطنه وقد عرفته وهو شيخ ادرد وكنت كثيرا ما اجالسه واساله على ما وقع فى تلك الصقاع من الحروب التى يحفظها كانما حضرها بنفسه وهى متقدمه عليه بمئات السنين وقد سالته فى سنة 1344هـ عما يبلغ من العمر فاخذ سبحته وطفق يعد { زرعنا فى وادى كذا او فى غوط كذا او فى جهة كذا ومكثنا فى كذا فى جدب } الى ان بلغ السنة التى نحن فيها فعددنا ما فى السبحه فوجدناه ستين سنه ومن المعلوم ان الزرع فى تلك الجهات كل عام مرة واحده ، فبالتقريب وجدناه فى نصف العقد الثامن والاميه سائده فى احياء تلك القبائل فقليل من يوجد منهم من يحسن القراءه والكتابه لكنهم لهم اخلاق راقيه وكرم طبيعى جبلوا عليه من غير تعليم وهذا وفاقا لقول الشاعر:
 
حسن الحضارة مجلوب بتطريه    وفى البداوة حسن غير مجلوب
 
ومن قبائل العبيدات على باشا العبيدى فانه ممن تلقوا العلم بالاستانه وذلك ان والده المرحوم حامد سعيد كان من اعز الاصدقاء لدى المرحوم الوالد فاشار عليه بأن يبعث احد ابنائه الى معهد الجغبوب والثانى الى الاستانه وقد فعل المرحوم الشيخ حامد ما اشار عليه المرحوم الوالد فرجع كل منهما متعلما ، فالذى تلقى العلم بمعهد الجغبوب هو الشيخ محمود حامد رجع فقيها بالسنه ويحفظ الكتاب عن ظهر غيب والثانى الذى تلقى العلوم بالاستانه اسمه على باشا العبيدى المذكور وقد برع فى ماهو بصدده وتخرج من الاستانه معه من الشهادات ما يخول له الاشتراك فى خدمة البلاد ولم يزل متقدما من مرتبه الى ارفع منها حتى تحصل على رتبة (ميرمران) من الحكومة التركيه ولم يبرح فى خدمة وطنه وترفيه حالها والذود عن كيانها ونسبه: على باشا حامد بن سعيد بن سميع بن عقيله بن فكيرين سعيد بن ادريس بن عوكل بن عبيد وهذا ابو قبيلة العبيدات وفيه يجتمعان على باشا العبيدى والشيخ عبدالقادر بن بريدان ولايزالا بقيد الحياة لغاية كتابة هذه السطور, وقد بلغنى ان الشيخ عبدالقادر بريدان اصبح مدقعا بعد ان كان من اغنياء العرب الذين يعدون على الاصابع بتلك الجهة.
 
هذه كلمه اجماليه اقولها فى سكان برقه ولعلنى اتيت بالمقصود ولم التهم حقهم عسى انني قمت ببعض الواجب نحوهم.
 
الشيخ السنوسى محمد مولود الغزالى
طالب بالجامعه الازهريـه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
(1) هذا المقال ارسله المؤلف الى مجلة ليبيا المصوره فى عام 1938م من القرن الماضى تقريباوهو يدرس بالجامعه الازهريه واظن ان المجله نشرته مبتورا [محمد]
 
(2)ربما يعنى الاجيال اللاحقة. [محمد]
 
(3) يقصد المؤلف بمن معه قبائل مصراته وزليتن وتاجوراء الذين جاء بهم حبيب لنصره على اولاد على وهى الحرب التى سميت ب (جردة حبيب ) وقد رواها المؤلف بالتفصيل فى الجزء الاول الطبعه الاولى من كتابه السبك الحديث فى تاريخ برقه القديم والحديث. القاهره 1938م. وحذفت بالكامل من الطبعه الثانيه(1973م.) بيروت التى اختصر عنوان الكتاب فيها الى (برقه قديما وحديثا) 1973م.[محمد]
 
كتبها سريب في 01:27 صباحاً
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com