كانت رخات المطر
أو زخاته تنثر رذاذها ليسقط بغنج مبالغ فيه على ناس باريس وضيوفها, وشارع
الشانزي ليزيه المشهور بعطوره ونسائه الجميلات يتحضر لعيد الكريسمس الفتاة
الواقفة عند قدم قوس النصر أرغمتني بعيناها الزيتونيتان على أطالة النظر
اليها, تسّّّّمرت عياني على نزاكتها الباريسية, سقط منها شالها فالتقطته, ثم
رأيتها تهز كتفيها, على الارجح لم تكن تكثرت لنظراتي, رمتني بسهمها وأنسلت.
موكب العقيد
يزعج المارة والمتسوقين, وعناصر أمنه يملؤن أزقة وشوارع العاصمة الفرنسية
التى يزورها القدافي بعد عزلة دولية تجاوزت 34 عاما عجاف, لم تكن عيني تخطئ
هيئات حرسه السريين, أحديتهم اللامعة وملابسهم التى تتجاوز الركبة حيث يحبؤن
مسدساتهم, طريقة خطواتهم وحركات عيونهم تفضحهم ... مخبر في باريز !!
أعاد المشهد
بذاكرتي الى سنوات الثمانينات سيئة الذكر , كأن المشاهد تعيد نفسها , تبعني
عسّّاس عند الحديقة الخلفية لمبنى اللجنة الوطنية في باريس حيث عاصفة من
الاعتراض علي القدافي في الداخل, سمعته يقول "دقيقة لوسمحت" وأجبته بالفرنسية
"اننى لا أفهم حديثه", أجّّترت ذاكرتي في الحال حكاية خالي - سعيد الكباوي -
قال "ضهيرة أحد ايام شتاء عام 1983 كنت ابتاع حاجيات لاسرتي من السوق , تبعني
رجل أمن استأذنني للحديث معه لدقيقة واحدة, فعدت للبيت بعد خمسة سنوات سجن...
قالك دقيقة لوسمحت !!.
صبيحة يوم 10
ديسمبر 2007 وبمناسبة اليوم العالمي لحقوق الانسان, كان لفيفا من عناصر القوى
الوطنية الليبية المعارضة لزيارة القدافي الى باريس يعتصمون في ميدان سانت
أوغسطين, لم يتجاوز عددهم 28 لكن يبدو ان الريح كانت تحطبلهم, وخبر اعتقالهم
من قبل الشرطة الفرنسية ينتشر مثل النار في الهشيم في المحطات التلفزيونية,
ومواقع الكترونية بألسن مختلفة تناقلت الخبر, من باريس الى الصين, وسائل
اعلامية محلية ودولية دفعهم الفضول الصحفي الى تتبع اخبار 28 معتصما ليبيا
"فقط", حسب تعليق موقع ليبيا اليوم.
معظم المشاركين
في اعتصام سانت اوغسطين ولاحقا في ميدان تروكاديرو أعرفهم من خلال صورهم وحتى
أصواتهم, خالى سالم سالم اللالوتي الذى وصل من لندن للمشاركة قفزت عليه فاتحا
يداي واحتضنته بدون مقدمات, في الواقع فعلت ذلك مع الجميع تقريبا , الرجل لم
ألتقيه في حياتي, نتواصل بالتلفون وعبر الساحر نت فقط.
كنا داخل
الحافلة التى طلبها البوليس الفرنسي لنقلنا الى سجن في ضاحية باريس الجنوبية,
لان الحكومة الفرنسية "منعت التضاهر لا مع القدافي ولا ضده" ويبدو ان المخرج
كان سياسيا سيرضى غرور العقيد الذي لايستمع الا لنفسه, فرنسا التى تشهد كل
يوم تظاهرة من العاطلين عن العمل الى الذين - ياكلوا ابيض - ومابينهما, تمنع
مضاهرة يقوم بها 28 ليبيا فقط.
رأيت خالي سالم
يصل متأخرا الى ميدان تروكاديرو, قلت للشرطى "هذا ايضا متهم بالتضاهر ضد
زيارة القدافي لماذا لاتعتقلوه ؟ وأشرت الى خالي سالم يقف على الرصيف, وعندما
سأله البوليس أكد خالى سالم التهمة على نفسه !!, فتشوه وصعد معنا الحافلة الى
السجن, قلت "ياخالي سالم لم نلتفي في حياتنا والان عندما سمحت الظروف نلتقي
في السجن ؟ وانفجرنا بالضحك, ثم توالت قهقهاتنا وهو يقول "الحبس للتريس" !!.
في الواقع تعامل
معنا البوليس الفرنسي بأدب كبير, أدخلونا في زنزانات جماعية على هيئة قوس
يقفله سيقان حديدية, كان واضحا انهم يريدون ابعاد المتضاهرين لبضع ساعات من
ثم يسمحوا لنا بالمغادرة وبالفعل حدث ذلك, المجموعة القليلة في عددها
والكبيرة بايمانها بقضيتها العادلة, نجحت في ايصال مايريد الليبيون قوله
للرأي الدولي, واثيتوا انهم تريس والحبس للتريس .
محمد ربيع
أرشيف الكــاتب
|
|
|
|
تعليقات القراء:
|
ناديا:
مجموعة صغيرة العدد ، كبيرة بفعلها
وايمانها، التحية لكم جميعا ولكل الأصوات
التى جعلت من رحلة الطاغية المجرم
الأستعراضية الى أوروبا كابوس رهيب للدكتاتور
ولزمرته الفاسدة. عشتم وعاشت ليبيا.
الشافعى رجب الشافعى:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, أقدم أحسن وأجمل تحية لأبطالنا الشرفاء
ولكل من ساهم فى مظاهرات البرتغال وفرنسا وهذه المرة كنتم ثمانية و عشرون
والمرة القادمة ستكون أكثر من خمسة مليون إنشاءالله وكل عام وأنتم بألف خير
أيها الأبطال لقد رفعتم راية الحق فى وجه خلية الباطل فلكم منا جزيل الشكر
أيها الشجعان.
لغبر: كنا هناك وأوقفنا البوليس...لكن لم
يأخذونا للحبس بل اعتذرو لنا بقولهم انه أمر من فوق... وفهمنا من كلامهم ان
المظاهرة منعت ولا تصريح لها....هكذا رجعنا من حيث اتينا بخفي حنين. على كل
انشاء الله فى فرصة اخرى... تكون التصاريح مؤكدة والمظاهرة مجتمعة فى المكان
المحدد. شكرا لأومادى وبن خليفة وكل الاخوة الذين يعملون من أجل القضية.
Anfusi:
نعم لأسود ساحة سانت اوغسطين حتى وإن كنتم 28
اسداً تأزرون في وجه الطاغية وزبانيته وشرفتم وأوصلتم مايريد 6 مليون مقهور
الى كل العالم فتحية لكم لقد أزلتم غصتاً في الحلق وفجرتم قنبلة خدلت سكان
الداخل في انفجارها فتحية إجلال لكم.
سليم نصر الرقعي: تحية إحترام لك أخي
العزيز محمد ولخالي سالم ولكل أحرار ليبيا (التريس) الذين وقفوا هذا الموقف
الوطني الكريم وتمكنوا - على قلة عددهم - من كشف طبيعة وحقيقة هذا النظام
الإرهابي وحقيقة أتباعه المتخلفين!.. فهم - لغبائهم وذهاب شيرتهم وخوفهم
المستمر - فضجوا أنفسهم بأنفسهم للعالم ووسط باريس بل وصوروا إعتدائهم على
مظاهرة سلمية قليلة العدد ونشروه على الإنترنت معتقدين أن ذلك من الفخر
والبطولة والرجولة!!.. ألم أقل لكم أنهم أغبياء وقد أعمى الله بسبب طغيانهم
بصيرتهم وأضل أعمالهم ؟؟.. فتحية والف تحية لكل من شارك في هذه المظاهرة وكل
عام وأنتم بخير ... أخوكم المحب.
|
|