25/12/2007
 

من لوكربي .. إلى الإيدز
 
(الآن ... حصحص الحقُ)
 

بقلم: يحي بن سليم


 
بثت محطة الإذاعة المرئية السويسرية (TSR) والناطقة باللغة الفرنسية - يوم الخميس 13 ديسمبر - 2007 ميلادي - من خلال البرنامج الأسبوعي "Temps Présent" حلقة تحت عنوان (الممرضات البلغاريات والمساومات الكبرى) وذلك بمناسبة زيارة حاكم ليبيا القذافي إلى فرنسا. سعت المذيعة الصحفية (آن ويدمان "Anne-Frédérique Widmann") بالتعاون مع زميلتها مخرجة البرنامج (ماري باجيوليني "Marie-Laure Widmer Baggiolini") سعتا للإجابة عن بعض التساؤلات من قبيل: ما هو الدور الحقيقي الذي قامت به فرنسا في سبيل الإفراج عن الممرضات والطبيب الفلسطيني ؟ وهل كان هذا الدور حاسما كما يدعي قصر الإليزيه ؟ وما هو المقابل للإفراج عن الممرضات والطبيب الفلسطيني؟ ومن الذي دفع بالفعل مبلغ(460) مليون أورو تعويضات لأسر الأطفال الضحايا؟ عرض البرنامج مختلف جوانب التحقيق الذي أجري في سبيل إماطة اللثام عن بعض الجوانب الغامضة في هذه القضية، و قد نجح البرنامج في إماطة اللثام عن أسرار المساومات الطويلة في قضية الممرضات والطبيب الذي باتوا، حسب رواية البرنامج، رهائن لعبة سياسية كبرى وضحايا نظام القذافي!!! ويقول مقدم الحصة: أن هذه هي المرة الأولى التي تتحدث فيها الممرضات والطبيب الفلسطيني أمام الشاشة عن اعتقالهم ومعاناتهم وهم في ذلك كله ليسوا سوى ضحايا سيناريو حبكه نظام القذافي سلفا. وفي البرنامج أيضا حقائق عن سير المفاوضات يوردها - لأول مرة أمام الشاشة - المفاوضون الأوروبيون مباشرة مع النظام الليبي في هذه القضية وعلى رأسهم المفوضة الأوروبية (بينيتا والدنير "Benita Ferrero-Waldner") والمفاوض عن الاتحاد الأوروبي (مارك بييريني "Marc Pierini") الفرنسي الجنسية، وكذلك وزير خارجية بلغاريا. تحدث الجميع عن الصعوبات والعراقيل التي تفسر سبب إطالة أمد بقاء الممرضات في الأسر ثماني سنوات. ويكشف البرنامج أن الرهان الحقيقي وراء هذه اللعبة الدبلوماسية "التي افتعلها النظام الليبي" هو الرغبة في الخروج من العزلة الدولية، وإعادة تأهيله ليحظى بالقبول من قبل المجتمع الدولي .. في المقابل فإن هناك المصالح الاقتصادية والإستراتيجية التي تركض وراءها الدول الغربية الكبرى في ليبيا، فضلا عن تداخل هذه القضية (قضية أطفال الإيدز المفتعلة) مع قضية لوكربي.
 
ومما جاء أيضاً في البرنامج على لسان الطبيب الفلسطيني "أشرف الحجوج" أنه كان يخشى أن يساق والممرضات إلى المشنقة ولكنه كان مقتنعا أن القضية مفتعلة وما هم إلا ورقة للمساومة. أما المفاوض الأوروبي (مارك بييريني "Marc Pierini") فقد أضاف: أن أوجه التشابه قائمة بين الضغوط التي مورست على النظام الليبي في قضية لوكربي واللعبة التي حاكها هذا النظام في قضية الممرضات. وتحدثت المفوضة الأوروبية (بينيتا والدنير "Benita Ferrero-Waldner") كذلك عن لقاء سري جرى بينها وبين "سيف الإسلام القذافي" في مكتبها في بروكسل، وذكرت الجملة التالية: "قلت له نحن مستعدون للعمل على الإفراج عن المقرحي، فرد عليها قائلاً: كما أنكم تعتقدون أن الممرضات بريئات ، فنحن كذلك نعتقد أن المقرحي بريء". وبعد توقيع اتفاقية التسوية لقفل ملف لوكربي مقابل الإفراج عن الرهائن البلغاريات والطبيب الفلسطيني، ذكر صحفي بلغاري أن دوائر استخباراتية متعددة منها (الموساد الإسرائيلي) لعبت دور الوساطة للوصول لآخر الشوط.
 
طالب المفاوض الليبي "سيف الإسلام" تعويض أهالي ضحايا أطفال الإيدز (عشر مليون يورو) لكل عائلة مقابل ما دفعته ليبيا لعائلات ضحايا طائرة "بانام الأمريكية" والتي سقطت فوق قرية "لوكربي الأسكتلاندية" عام 1988 م. وافق المفاوض البلغاري أن تقوم بلاده بدفع مبلغ ( 65 مليون يورو) على أن يقوم الإتحاد الأوروبي بتحمل باقي التسوية المالية ... دخلت فرنسا الحلبة بثقلها لحسم موضوع التسوية، ومما جاء على لسان الرئيس الفرنسي "ساركوزي": أن فرنسا لم تدفع أي مبلغ ولا الإتحاد الأوروبي أو بلغاريا.. وأثنى على دور الوساطة التي قامت بها "دولة قطر" وجاء تعليق المفاوض الأوروبي (مارك بييريني "Marc Pierini") وهو يبتسم قائلاً: كان دور "دولة قطر" لحفظ ماء وجه الطرف الليبي ... وفي النهاية فإن مبلغ (مليون يورو) كان نصيب كل عائلة ليبية تضرر أبنها بمرض الإيدز في مستشفى بنغازي للأطفال، واعترف المفاوض الأوروبي بأن الذي دفع في النهاية هي "الدولة الليبية" !!!.
 
وفي مقابلة مع الطبيب الفلسطيني "أشرف الحجوج" الذي لحق بأسرته في هولندا بعد تقديمها اللجوء السياسي عام 2005 م. صرح بأنه قد أُرغم هو والممرضات البلغاريات على توقيع تعهد بعدم رفع قضايا ضد النظام الليبي أو التحدث في القضية أمام الرأي العام ووسائل الإعلام ... وصرح بأنه قد تعرض للتعذيب الجسدي والنفسي بعد وضعه في سجن إنفرادي .. وفي سبيل انتزاع اعتراف لفظي منه بارتكاب جريمة حقن أطفال مستشفى بنغازي بمرض الإيدز.. قال: لقد تعرضت للصعق الكهربائي وتم إرهابي بواسطة كلاب بوليسية .. وأخيراً جاؤوا بأختي مهددين بهتك العرض إن لم اعترف.. وأعرب الطبيب الفلسطيني عن حبه الشديد لوطنه الثاني "ليبيا" التي ترعرع فيها وعمره لم يناهز السنتين إذ ذاك.. وأنه كان في فترة "الامتياز" لإنهاء دراسة الطب والتي تتطلب منه العمل في شتى التخصصات الطبية .. ومنها طب الأطفال .. وقد تم القبض عليه ليلاً أثناء فترة التدريب في مستشفى الأطفال بمدينة بنغازي... وبدأ السيناريو من هناك ليشهد أطول فترة رهائن سياسية امتدت لثماني سنوات ... لعبت فيها الدولة الليبية دور الممثل الباهر... وباحتراف.
 
تعليق الكاتب - بعد توجيه أصابع الاتهام للنظام الليبي عام 1990 م. بأنه وراء حادث تفجير طائرة بانام الأمريكية رحلة "PAN – AM 103" قامت مخابرات النظام الليبي بافتعال قضية مشابهة للضغط بها على الحكومة الأمريكية بغية الخروج من هذه الورطة .. وذلك باستخدام ملف الحصار الاقتصادي ضد ليبيا ذريعة للتسبب في إسقاط طائرة مدنية ليبية بتاريخ 22 ديسمبر 1992 م. رحلة رقم 1103 - وعلى متنها 157 راكباً. و قد صرح الرئيس الليبي عقب سقوط الطائرة الليبية قائلاً: طائرة بطائرة هذه "لوكر - A" و تلك "لوكر - B".
 
وكان في تصوره أن التسوية المالية بدفع تعويضات لعائلات الضحايا كافٍ بقفل الملف وتسويته. ولما رأى أن المسار القانوني والقضائي الدولي آخذ في التصعيد مطالباً بتسليم المتهمين (عبد الباسط المقرحي ولامين افحيمة) رضخ لقرار التسليم، وأقدم على افتعال هذا السيناريو الآخر بحيث أن تاريخ المحكمة الاسكتلندية عام 2000 م. وافق بداية تاريخ محكمة المتهمين بحقن أطفال الإيدز. وهكذا استطاعت الدبلوماسية الليبية أن تحبك السيناريو وتحسم قضية لوكربي بالمراهنة على إطلاق سراح (المقرحي) مقابل إطلاق سراح (الممرضات البلغاريات) وفي النهاية أقفل الستار على الفصل الثالث من مسرحية "من لوكربي .. إلى الإيدز".
 
يحي بن سليم (كاتب ليبي)
 

رابط البث المرئي للبرنامج ( "Temps Présent" )
http://www.tsr.ch/tsr/index.html?siteSect=500000#bcid=548095;vid=8530349
تعليق الإذاعة المسموعة (RSR ( الناطقة بالفرنسية على البرنامج
http://www.rsr.ch/podcast.aspx?rss=medialogues
 
Anne-Frédérique Widmann revient sur l'affaire des infirmières bulgares. "Temps Présent" diffuse ce soir son reportage "Infirmières bulgares: le grand marchandage" sur la TSR. Le Temps Présent de ce jeudi 13 décembre 2007 retrace l'incroyable saga de six innocents devenus otages d'un grand jeu diplomatique. Les images de Cécilia Sarkozy libérant les infirmières bulgares incarcérées en Libye ont fait le tour du monde. Or, cette affaire dépasse - et de loin - l'intervention spectaculaire de l'Elysée. Grâce à des entretiens avec des acteurs de premier plan, Temps Présent retrace les années de négociations fantômes qui ont permis d'obtenir la libération des infirmières bulgares. Qui a payé le plus cher et pourquoi? Entre petits silences et grands secrets, l'affaire des otages bulgares rappelle que les droits de l'Homme ne pèsent pas lourd face à la raison d'Etat. Quel fut exactement le rôle de la France dans l'affaire des infirmières bulgares? L'intervention de Cécilia Sarkozy a-t-elle été aussi décisive que ce que prétend l'Elysée? Quelles furent les contreparties accordées pour la libération des cinq infirmières et du médecin palestinien? Explications, avec la journaliste Anne-Frédérique Widmann, qui signe ce Temps Présent avec la réalisatrice Marie-Laure Widmer Baggiolini.
 
(13.12.2007)
 

للتعليق على المقال
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

 

تعليقات القراء:

 

ابن بنغازي: أشكر الأستاذ حسن الأمين على هذا الجهد الجبار الذي يقوم به في سبيل إظهار الحقائق، ولقد قمت بمراجعة المادة الإعلامية التي ألحقها كاتب المقال مشكوراً، ولأني أسكن في مقاطعة "كوبييك" بكندا، والفيلم الوثائقي مقدم باللغة الفرنسية، فلقد كانت كل التفاصيل حاضرة أمامي و بوضوح شمس النهار. هذا الفيلم قد أثبت بالبرهان القاطع أن النظام الليبي لكي يخرج من تورطه في قضية لوكربي قام بفتح ملف أطفال الإيدز بدينة بنغازي ، أي أن المخابرات الليبية هي من وقفت وراء الجريمة.. وما قضية اتهام الممرضات ومعهم الطبيب الفلسطيني إلا عملية رهائن دامت فصولها قرابة ثماني سنوات من التمثيل .. ومن خلال الفيلم الوثائقي تبين لي أن النظام الليبي هو من دفع لأسر الضحايا هذه المبالغ المالية مقابل السكوت !!! إنني أتابع هذا الملف عن كثب منذ بداياته الأولى.. وأعجب لبعض الأقلام الليبية كيف انجرت وراء الأحداث ووقفت بجانب القضاء الليبي واصفة له بالنزاهة والحيادية.. وأذكر أن السيد عيسى عبد القيوم قد أقام الدنيا ولم يقعدها مهاجماً أخت الطبيب الفلسطيني ألحجوج، ولا أنسى تلك المدافعات المستميتة من قبل الكاتب الليبي صلاح الشلوي عن حيادية القضاء الليبي وكأنه اطلع على حيثيات الملفات أكثر من القضاة أنفسهم!!؟ أتساءل الآن بوصفي مواطن ليبي يحب وطنه ويعشق مدينته بنغازي: لماذا أطفال بنغازي الأربعمائة يلوثهم المجرمون بفيروس فقدان المناعة المكتسبة ؟! ولماذا طائرة تقلع من بنغازي وعليها 157 راكباً يلاقوا حتفهم بالقرب من مطار طرابلس في عملية تفجير مفتعلة!!! ماذا جنت بنغازي التي روت مياهها كل ذرة في جسدي، وخلدت ذكريات طفولتي أحياؤها وشوارعها وميادينها، إن الفيلم الوثائقي الذي قامت بتقديمه دولة محايدة (سويسرا) لا يدع مجالاً للشك بأن بدايات ملف الإيدز ونهاياتها كانت بإخراج بارع وتمثيل محترف من الطرف الليبي نظاماً ومخابرات... ومما لفت انتباهي أيضاً في المادة الإعلامية السويسرية أن الموساد الإسرائيلي له يد في تسوية ملف لوكربي مقابل ملف الإيدز!!! فهل أصبحت دماء أطفالنا سلعة رخيصة يساوم بها السياسيون في بلدي ليبيا وفي مدينتي بنغازي بالذات؟! هل رضي أهالي ضحايا الإيدز بثمن بخس دراهم معدودة بعدما علموا أن الذي قام بحقن أطفالهم هو القذافي وزمرته (ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه كلا).


 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة