01/05/2008 |
|
||||||
|
|
|||||||
|
|||||||
إن أشد ما لفت إنتباهي وإهتمامي لمقالات وافكار المرحوم "عبد الحميد البكوش" هو تركيزه على موضوع الشخصية الوطنية في مقالته (الشخصية الليبية) (1) حيث أكد فيها منذ البداية على أهمية الشعور بالإنتماء لدى البشر والمواطنين سواء شعورهم بالإنتماء الى قوم ومجتمع قومي خاص (الشعور القومي) أو شعورهم بالإنتماء الى مكان محدد ووطن معين (الشعور الوطني) .. فشعور الفرد بالإنتماء للأمة أو الوطن ظاهرة إنسانية حقيقية وطبيعية فطرية ملموسة بل وضرورية وحيوية للذات الإنسانية على الرغم من كل الاختلافات الكثيرة والمجادلات الكبيرة والنظريات المختلفة حول تفسير طبيعة هذه الظاهرة والعوامل التي تؤدي الى نشوءها وتطورها والموقف منها !؟ .. إلا أنه يجب أن نعرف أن الإنتماء الوطني ليس مجرد شعور بالإنتماء إلى مكان وأقليم جغرافي وعمراني وحسب بل إنه يتضمن الإنتماء القومي أيضا ً أي الشعور بالإنتماء لسكان هذا الإقليم وللقوم الذين يقطنون هذا الوطن أو هذا البلد الذين ترعرع بينهم وتثقف بثقافتهم وتحدث بلغتهم المحكية وتواصل معهم بها وتشارك معهم في الحلوة والمرة عبر السنين .. فمسألة الإنتماء الوطني والشعور الوطني – إذن – هي مرتبطة أيضا ً بالقوم الذين يقطنون هذا الوطن فهي في حقيقتها شعور بالإنتماء القومي أيضا ً! .. فعندما نتحدث عن الوطنية الليبية مثلا ً أي الإرتباط بليبيا كوطن فهذا يتضمن قطعا ً القومية الليبية أي الإرتباط بقوم ليبيا أي الليبيين (الأمة الليبية) و(الشعب الليبي) .... وحتى لا نضيع في دوامة السؤال التالي: هل نحن الليبيين أمة أم شعب ؟؟؟؟ .. أقول لكم أننا أمة وشعب في نفس الآن ! .. فإما كوننا "أمة" من الأمم فنظرا ً لأننا نشكل – نحن الليبيين – مجموعة خاصة من البشر وفصيلة بشرية مخصوصة لها طابع خاص بها من البشر ووحدة إجتماعية وسياسية ووطنية واحدة ولها كيان إجتماعي وثقافي وجغرافي وسياسي واحد فنحن من هذه الناحية أمة واحدة من دون الناس أجمعين بل ومن دون العرب والمسلمين أيضا َ ! .. هذا عن كوننا نحن الليبيين أمة وطنية واحدة .. أما عن كوننا "شعبا ً " من الشعوب فالمقصود هنا – على الأقل من وجهة نظري – ومن وجهة الفكر الوطني الذي أدعو إليه وأتبناه – أننا وفي نفس الوقت الذي نشكل فيه نحن الليبيين "أمة وطنية سياسية واحدة " بسبب الروابط الوطنية والإجتماعية والثقافية والجغرافية والسياسية التي تجمعنا وتجعلنا كتلة بشرية واحدة من دون الناس فإننا – في الوقت نفسه - نمثل أيضا َ ونعتبر كذلك شعبا ً (2) وفرعا ً وجزءا ً من أمة أكبر – بسبب روابط عليا فوق وطنية – تجمعنا بالشعوب ألأخرى كإرتباطنا بالأمة العربية بسبب الثقافة واللغة العربية وغيرها من الروابط العروبية المشتركة .. أو إرتباطنا بالأمة الإسلامية بسبب عامل العقيدة والدين والتاريخ الإسلامي المشترك ... أو إرتباطنا بالأمة الإنسانية عامة ً بسبب رابط الأخوة البشرية ووحدة الكوكب! ..... وهكذا فنحن الليبيين من جهة نشكل "أمة" من الناس بل وأمة وجماعة مخصوصة من دون الناس ومن جهة أخرى نحن نمثل شعبا ً ينتمي إلى أمة أكبر كالأمة العربية والأمة الإسلامية (3) ! .. فالهوية والإنتماء عملية مركبة بالغة التعقيد – والجانب الفلسفي فيها قد يطغى على الناحية العلمية ! - وهي عبارة عن دوائر متعددة ومتداخلة وعوامل مشتركة وقد أفرد لها مقالة خاصة تبين حقيقة وطبيعة (الهوية) و(الإنتماء) وماهو الذاتي منها وماهو الموضوعي ؟ وما الثابت فيها وما المتحول ؟ وماهي الثوابت والمتغيرات في مسألة هوية الإنسان بل وهوية الأوطان وهوية المكان!!.ونظرا ً لأهمية تعزيز الشعور بالإنتماء والولاء للوطن ولقوم هذا الوطن (المجتمع الوطني) وما لهذا الشعور من أثر على قوة إرتباط اللحمة الوطنية والإجتماعية بين أفراد الوطن الواحد والأمة الوطنية الواحدة بل وعلى قوة الوطن ودولة الوطن فقد ذكر "البكوش" بأن سبب الكثير من المصائب التي حلت بالشعب الليبي - وعلى رأسها مصيبة إنقلاب سبتمبر الذي أطاح بمشروع دولة ليبيا الحديثة - هو ضعف الشعور بالإنتماء لهذا الوطن لدى الكثير من الليبيين !؟ .. أو ضعف الشخصية الليبية التي جعلت من الشعب الليبي ضعيف الوعي والإرادة يركض وراء كل ناعق وكل دجال يناديه من الشرق أو الغرب بلا فهم ولا إستيعاب وليتحول من ثم إلى حقل للتجريب ويتعرض بالتالي للتغريب وللتخريب ! .. ثم دعا رحمه الله - في تلك المقالة - كل المثقفين والمربيين الليبيين الى ضرورة السعي لترسيخ هذا الشعور بالإنتماء الى ليبيا (الشعور الوطني /الحس الوطني/ الروح الوطنية/ الهوية الليبية) لدى الشعب الليبي والعمل على تقوية الشخصية الوطنية وإستقلاليتها ليكون هذا الشعور من اهم الدوافع الذاتية نحو النهوض والتقدم .. أليس من الغريب إلغاء مادة التربية الوطنية في بلادنا وإحلال محلها مادة التوجيه الثوري والتربية الجماهيرية وتعليم التلاميذ بعض اللغات الإفريقية بإستثناء اللغة الأمازيغية الليبية بالطبع !!؟؟؟.
ومع تأكيد "البكوش" على هذه المعاني الوطنية إلا أنني لاحظت بأنه لم يركز على مفهوم (الأمة الليبية) الذي ورد في بيان الإستقلال (4) بل شدد على الإنتماء للمكان / الوطن / البلد / الدولة أكثر من تركيزه وتشديده على مفهوم القوم / الأمة !!؟؟ .. ربما لإعتقاده – ككثير من المثقفين الليبيين بالأمس واليوم ؟ – بأن مفهوم (الأمة) ينصرف فقط لـمفهوم (الأمة العربية الواحدة) أو مفهوم (الأمة الإسلامية الواحدة) ولا يوجد شئ بالتالي أسمه (الأمة الليبية) !!؟- إقرأ نص بيان الإستقلال(4) !! – أو أنهم يعتقدون بأن المنادة بـ(الأمة الليبية) كحقيقة وطنية وقومية وسياسية قائمة تضم الليبيين من عرب وغيرهم بكل مشاربهم ومذاهبهم والوانهم واصولهم العرقية والقبلية سيكون على حساب دائرة إرتباطنا بالأمة العربية أو بالأمة الإسلامية أو أن هذا منافي للدين الإسلامي بإعتبارها من (دعاوى الجاهلية) (النتنة) (!!؟؟) وهو أمر غير صحيح وناتج عن فهم قاصر ومغلوط للدين والقومية معا ً تماما ً كإعتقاد البعض – كالشيوعيين والفوضويين – أن الإرتباط بالأديان والأقوام والأعراق والأوطان والأقطار سيكون على حساب دائرة الإرتباط بـ(الأمة الإنسانية الأممية) الواحدة التي تجمع كل البشر !! .... فـ(ألأمة الليبية) حقيقة إجتماعية وسياسية وتاريخية موجودة على أرض الواقع ! .. موجودة كمسمى حتى ولو غاب الإسم أو غـُيب !!؟؟.. الأمة الليبية حقيقة " موضوعية واقعية" موجودة شاء من شاء وأبى من أبى ! ... إلا أنه – وبسبب عوامل كثيرة ليس هنا موضع تفصيلها – تم إستلاب وتغييب وطمر هذا (الإسم) أي (الأمة الليبية) وإبعاده عن الأذهان والوجدان على الرغم من وجود (المسمى) أي الكيان الإجتماعي الثقافي الوطني السياسي الجامع لكل الليبيين !! .. مما ساهم كثيرا ً في ضعف وغموض شخصيتنا الوطنية وهويتنا القومية الخاصة بنا نحن الليبيين كأمة وطنية وسياسية واحدة وبالتالي ضعف (الشخصية الليبية) وضعف (الحس الوطني) سواء كما تتمثل هذه الشخصية في الأفراد أو كما تتمثل في المجتمع الليبي ككل! .. ولعل إهمال أصحاب التوجهات الإسلامية وأصحاب التوجهات العروبية من الليبيين للبعد الوطني الذي يطلقون عليه في العادة (البعد القطري !!؟؟) بل والتنفير منه وإعتباره شعورا ً مقيتا ً ينافي الإيمان القومي الصادق أو الإيمان الديني الخالص يجب على المؤمن الحقيقي أن يتخلص منه نهائيا ً (!!؟؟) هذا من جهة ثم هذه التقلبات العنيفة والجذرية التي ما إنفك يجريها القذافي (القيادة السياسية) على توجهات الدولة الليبية بالإنتقال أو التأرجح من طرح عروبي قومي متشدد إلى أممية متطرفة إلى طرح إفريقي مبالغ فيه إلى دعوة فاطمية غريبة وشاذة (!!؟؟) فضلا ً عن ممارسة القهر السياسي والحرمان الإقتصادي (5) من جهة ثانية ساهمت جميعها في تهميش الحس الوطني لدى اللكثير من الليبيين بل وربما – وهو الأخطر – أدت إلى نشوء ظاهرة إحتقار وإنكار وجلد الذات الوطنية التي صرنا نلمح بعض أثارها حتى في كتابات بعض مثقفينا هذه الأيام ولاحول ولاقوة إلا بالله (!!؟؟) .. فأين كتابنا ومثقفين الليبيين اليوم من دعوة البكوش (القديمة) و(المبكرة) تلك ومن تلك الصرخة التي أطلقها أيامذاك في وجه الأفكار والتوجهات التغريبية أو "ضد وطنية" (6) التي كانت قد إكتسحت ليبيا يومها ولاقت رواجا ً لها مع الترويج والتهييج المتعمد لدى الجماهير (الثائرة والحائرة بسبب النكبة ثم النكسة !) فلا هي حققت مشروعها الوحدوي العروبي الإشتراكي المؤدلج المزعوم والموهوم ولا تركتنا نحقق مشروعنا النهضوي الوطني الذي بدأناه مع يوم الإستقلال المجيد ! .. فكان حالهم حال المثل الذي قال عنه المثل الشعبي الليبي الشهير: (لا يرحم ولا يخلي رحمة ربي تنزل )!!!؟؟؟.
أخوكم الليبي المحب:
سليم نصر الرقعي
|
|||||||
تعليقات القراء |
|
|