حدث بيني وبين أحد
الأصحاب نقاش طويل وعريض حول مسألة (كم العنف) و(كم التسامح) في الشخصية
الليبية وهو ممن يرون أن (كم العنف) في شخصيتنا هائل وكبير جدا ً بينما (كم
التسامح) قليل وضئيل جدا ً وهو الرأي نفسه الذي يذهب إليه بعض مثقفينا اليوم
وهو ما أخالفهم فيه قطعا ً وسأوضح في مقالات لاحقة وجه مخالفتي لهم في إطلاق
هكذا تعميم وفي إصدارهم مثل هذه الأحكام القاسية العامة غير الموضوعية وغير
العلمية وأوضح أن المسألة لها وجوه عدة وتحتاج إلى شرح وتفصيل وتقييد وتقعييد
فهي مسألة خطيرة وغاية في التعقيد ولا يصح التعميم فيها أو إطلاق الأحكام
العامة جزافا ً كما يفعل عوام الناس !! ... وكان صاحبنا العزيز هذا يحاول
جاهدا ً أن يصور لي الشعب الليبي في (صورة شيطان حاقد رجيم) لامثيل له بين
شعوب العرب أو شعوب العالم من حيث (الشيطنة) و(العنف) و(الحسد) و(الخضوع
للطغاة) !!؟.. ولكن محور النقاش الذي دار بيننا كان يدور حول السؤال التالي :
هل القذافي كان نتيجة أم هو سبب ؟.. هل هو نتيجة البيئة الثقافة الليبية أم
أنه هو ونظامه وسياساته عبر مايقارب أربعة عقود من الزمان كان سببا ً رئيسيا
ً في إنتشار موجة العنف والقسوة والجفوة والرشوة والوشاية في المجتمع الليبي!؟..
أم أنه كان نتيجة وأصبح سببا ً في الوقت نفسه !؟؟.. ولاحظ هنا أن هناك إتفاقا
ً بيننا هنا على أن العقيد القذافي قد مارس بالفعل – وهو واقع تاريخي لا يمكن
إنكاره أو التستر عليه أو حتى تبريره ! – أقصى درجات الإقصاء والعنف والإرهاب
بشكل إجرامي ضد معارضيه ومخالفيه ومنتقديه وخصومه في الداخل والخارج وإعتمد
على (العنف والإرهاب) كوسيلة أساسية لفرض حكمه وفكره على الناس !.. فهل نحن
الليبيين بالفعل تربينا على ثقافة (الإقصاء والعنف) وعلى ثقافة (مافيش نقاش
!.. مافيش حاجه إسمها معارضة !.. إللي يناقش دوسوه بالأقدام !.. وإللي يعارض
أقطعوله لسانه وبعدها رقبته ولوحوه في الشارع) !.. وهنا ضحكنا أنا وصديقي
كثيرا ً على هذه العبارة الأخيرة - وهي جزء من توجيهات وخطابات (الأخ العقيد)
في حقبة السبعينيات والثمانينيات - أقصد عبارة (أقطعوله رقبته ولوحوه في
الشارع!) وسر الضحك هنا – وشر البرية ما يضحك – هو إصرار الأخ القائد ألأممي
الملهم على حكاية (التلويح في الشارع) هذه !!؟؟... وتساءلنا هل هي ضرورية وما
الجدوى منها !؟.... يا سيدي أنت قتلته وقطعتله لسانه وراسه وإللي صار صار ..
ماشي الحال !! .. لكن ليش إتلوحه في الشارع يا سبحان الله !!؟؟.. فإكرام
الميت دفنه فعلى الأقل لوحه وإرميه في حفرة ياسيدي !!.. يعني شنو فايدة أنك
تقتله وتلوحه في الشارع العام بعد أن قطعتله لسانه و راسه !!؟؟.. لكن على ما
يبدو أن هناك "حكمة" في هذه المسألة أيضا ً !.. أعني مسألة إلقاء جثمان
القتيل مقطوع الراس في الشارع العام
(1) أو إلقاء جثمان القتيل مقطوع الأصابع في الشارع
العام وبالقرب من مكب للنفايات كما جرى مع جثمان الشهيد (ضيف الغزال) !؟..
فالقايد كما هو معلوم ومفهوم "ملهم وحكيم" ولا يفعل شيئا ً هكذا لمجرد العبث
أو لمجرد (السبهلله!) أو لمجرد التسلي أو حتى التشفي !!.. و"الحكمة" من أمثال
هذه العمليات "الثورية الملهمة" هي إرسال رسالة للعام والخاص مفادها أن (شفتم)
؟؟.. (شفتم بعيونكم شنو مصير إللي يناقش أو يعارض أو ينتقد القائد أو الثورة)
؟.. (شفتم بعيونكم ؟؟؟) و(اللبيب بالإشارة يفهم !) و(العاقل من يتعض بغيره !)
... وهذا يذكرني بعملية أول إعدام علنية على خلفية سياسية تقع في ليبيا منذ
إنتهاء عهد المشانق الإيطالية التي نصبها الطليان في الشوارع والأسواق
لليبيين !.. وهي عملية إعدام (دبوب) و(بن سعود) و(المطرب الليبي المخزومي)
و(العامل المصري) بالقرب من الإتحاد الإشتراكي والميناء في بنغازي في السادس
من إبريل من عام 1977 فيومها وضع على جثامين (الشهداء) وشاحا ً أسود كتب عليه
بالخط الأبيض العريض (هذا مصير كل من يعادي الثورة) !!؟؟.. فهناك – إذن – غرض
و"حكمة" من هذه المقولة التاريخية الخالدة للعقيدة القذافي (أقطعوله راسه
ولوحوه في الشارع) وهي إثارة الرعب وتعزيز الرقابة الذاتية لدى المواطنين من
خلال زرع الخوف من القائد والنظام في أعماق نفوسهم وبالتالي تكون ثمرة هذا
الإرهاب السمع والطاعة والخضوع التام !.. وهذا يوصلنا إلى قاعدة أخرى ومقولة
أخرى من مقولات معمر القذافي الخالده وهي: (نحن أحيانا ً نعدم حتى الأبرياء
من أجل إخافة وإرهاب الجاني الحقيقي الذي قد لايكون معلوما ً لدينا في تلك
اللحظة !.. وكل ثورة لابد لها من ضحايا) !!؟؟ وهي قاعدة أخرى من قواعد تطويع
(القطيع البشري) تعلمها الملازم معمر القذافي من خلال أساليب التربية
العسكرية ! .. فالضابط إذا أراد أن يفرض إرادته وشخصيته على الجنود خصوصا ً
إذا كانوا من الجنود المستجدين فإن أضمن وأسرع طريقة هي التمثيل !!.. ولا
أقصد هنا التمثيل بمعنى التمثلية أو المسرحية بل التمثيل بمعنى العقوبة
القاسية الرهيبة المصحوبة بالتمثيل بجسم الضحية وتعذيبه أمام عيون الآخرين كي
يكون مثالا ً حيا ً يبث الرعب في قلوبهم ويردعهم ويجعلهم يلتزمون السمع
والطاعة وإتباع النظام ! .. وهذا ما فعله الملازم أول معمر القذافي قبل
الإنقلاب فهو عاقب أحد الجنود ذات مرة بأن ربطه في سيرة جيب عسكرية وجعلها
تجره حول الساحة في المعسكر ثم أمر الجنود أن يدوسوه بالأقدام (!!؟؟) مما كاد
أن يؤدي بحياة هذا المسكين !.. وهذه الحادثة بالمناسبة هي سبب تأخير ترقية
رتبة معمر القذافي فقد حدث الإنقلاب وزملاءه نقباء بينما هو ملازم أول لأن
المحكمة العسكرية عاقبته بتأخير ترقيته كعقوبة له على ما فعله بذلك الجندي
المسكين!.. ولم ينس القذافي بالطبع بعد (الثورة) أن يعاقب الضابط الذي أوقف
ترقيته وحبسه لعدة سنوات(!!؟؟)... وهكذا ففي الغالب يلجأ بعض الضباط
العسكريين إلى (العنف) في المعسكرات كوسيلة سريعة ومجدية لضبط المعسكر وفرض
الإرادة والنظام على الجنود والأقل رتبة منهم ! ... وهذا ما عايشته ولامسته
بنفسي خلال فترة (الخدمة الوطنية العسكرية / التجنيد الإجباري) عام 1993 في
معسكر (الأبيار) فقد بدأت معالم التململ والتمرد على الجنود المستجدين في
بداية التدريب في المعسكر الذي كنت أقضي فيه مدة (الخدمة العسكرية) وكثر
التفلت والهروب فما كان من أحد الضباط صغار السن وكان يومها هو (ضابط الغفر)
إلا أن جمعنا في الساحة وجعلنا في وضع إستعداد وسكون تام لما يقارب الساعة من
الزمان وهو يلف ويدور ويمر بين الصفوف ويحمل في يده عصا يلوح بها هنا وهناك
ثم فجأة – وجد ضالته على ما يبدو ! – فأخرج أحد الجنود المستجدين وكان على ما
بدا لي صغير السن هزيل الجسم وأخذ يدفعه بقوة بكلتا يديه خارج الصفوف وهو
يشتمه ( أطلع يا حيوان .. إطلع بره !) حتى أوقفه أمامنا في وضع البروك ثم أخذ
يضربه بتلك العصا على أنحاء متفرقة من جسمه وهو يشتمه وسط دهشة وذهول الجميع
بما فيهم (المعلمين وضباط الصف) (!!!؟؟؟) ولم يستطع (الجندي المستجد) تحمل
الضرب ولا وجد من الشجاعة ما يدافع به عن نفسه فأخذ المسكين يركض والضابط
وراءه يضربه بالعصا بشدة وفي جنون وغيظ وهو يشتمه كأن بينهما ثأر قديم !!..
ثم سقط الجندي على الأرض وأخذ الضابط يهوي عليه بالعصا بقوة وعنف والمسكين
يصرخ ويستجدي دون جدوى حتى أغمي عليه فأمر الضابط بعض معاونيه من ضباط الصف
والعرفاء بحمله إلى سجن المعسكر فحملوه إلى هناك ثم حمل الضابط العصا وأخذ
يلوح بها هنا وهناك بين يديه وهو يمشي ويتمطى بين الصفوف بطريقة (الفتوات)
الإستعراضية ولسان حاله يقول لنا (هاه ما فيش حد راجل آخر يتحداني !!) أو (شفتم
مصير من يرفض أو يتمرد)؟؟؟ .. ثم وبعد ساعة من الوقوف تحت سياط الشمس سكن
فيها الجنود المستجدون في سكوت تام وسط الساحة كأن على رؤوسهم الطير ولا تسمع
لهم ركزا ً!.. بعد كل ذلك المشهد المخيف الرعيب جاء الأمر بالإنصراف فأنصرفنا
(2) ! .. والحق
يـُقال أن هذه العقوبة الرهيبة التي تلقاها ذلك الجندي المستجد المسكين قد
سرى مفعولها في نفوس الجنود وأثر فيهم بشكل سريع وكبير وساهم في ردع من تحدثه
نفسه بالتمرد أو الهروب !! .. ومن هنا يميل الضباط والأمراء العسكريون عادة
إلى هذه الطريقة سريعة المفعول في إحكام السيطرة على من تحت أمرهم من الجنود
وبالـتأكيد أن العقيد القذافي طبق هذه الطريقة نفسها مع الشعب الليبي بل
وأراد أن يحول المجتمع كله إلى (ثكنة) عسكرية تأتمر بأمر القائد الأعلى لهذه
الثكنة !.. فهل العنف والإرهاب والإقصاء الذي مارسه العقيد معمر القذافي ضد
الليبيين ومارسه "ضابط الغفر" الذي ذكرته لكم في قصتي ضد الجنود المستجدين هو
وليد ثقافة عامة أم وليد ظروف عائلية وشخصية خاصة بكل منهما؟.. أم هو وليد
الأساليب العسكرية الديكتاتورية في ترويض وتطويع (القطيع البشري) كما لو أنهم
(مجموعة من الحيوانات والبهائم ) أو – على أحسن تقدير – كما لو أنهم (جنود
مستجدون) في ثكنة عسكرية يراد تطويعهم وترويضهم على تنفيذ الأوامر العليا
للقادة بلا معارضة ولا نقاش !؟.
سليم نصر الرقعي
(1)
على ذكر قطع الرؤوس فقد تم العثور على رأس مقطوعة لرجل أسود – يـُعتقد أنه
سوداني الجنسية – أمام مبنى محكمة بنغازي في الثمانينيات (!!!؟؟؟) وقد خرجت
من البلاد ولا زالت تلك القضية الغامضة مقيدة ضد مجهول ولا أدري ماذا جرى
فيها وهل عرفوا مرتكبها أم لا !؟؟
(2) ذكر لي أحد رفاق الخدمة العسكرية أن ماجرى
يومها من قصة (ضابط الغفر) الذي إعتدى على ذلك (الجندي المتدرب) كانت مجرد "تمثلية"
متفق عليها سلفا ً لبث روح الخوف في صفوف المستجدين وتحثهم على الإنضباط ولما
أكدت له أن الضرب كان حقيقيا ً قال نعم ولكنه سيحصل مقابل هذه (الطريحة) على
إجازة قد تصل إلى (شهري
مقالات سابقة للكاتب:
|