19/04/2007

      


 
 
للتاريخ
 
بقلم: محمد ربيع (كباون)

 
أطلقت أمي زغرودة طويلة في وجهي وأنا أحمل لها خبر نجاحي في امتحانات الشهادة الثانوية العامة, ثم تلقيت سيلا من التهاني من الاسرة والاقارب والجيران والرفاق والاصدقاء, لقد كنت بنجاحي دلك محل تبجيلا كبيرا عند والدي (رحمه الله) حتى أنه أعفاني لفترة طويلة من أوامره الكثيرة في البيت, لقد كنت مثل أي شابا ليبيا يحلم ان يلتحق بالجامعة ليكون فيما بعد كادرا في المجتمع الليبي الصغير الودود, وأعترف انني كنت محظوظا في توجيهي الى الجامعة, على غير حظوظ معضم زملائي في المدرسة الثانوية الدين ابتلعتهم الكليات العسكرية وقضت على احلامهم في ان يكونوا مواطنين ضمن المجتمع المدني... اين هو الجيش الليبي الان ؟ لقد تحول الى كتائب أمنية خاصة مهمتها حراسة القدافي واولاده.
 
العام الدراسي 1985 - 1986 م كنت أخطو اولى خطواتي الى الجامعة, وكنت اشعر بالزهو والنشوة معا, هاهو الحلم بدأ يدنو.
 
مرد هذا الاستدكار يعود الى متابعتي لخطاب العقيد القدافي في ابريل المنصرم وهو يتحدث عن مجازر -7 ابريل-, ويطلق عليها الكولونيل (ثورة الطلاب في السابع من ابريل) ويحتفل بها كل عام مع أعوانه وخدمه وحشمه على طريقته المتخلفة بتعليق اجساد الطلاب الليبيين الشرفاء على أعواد المشانق داخل الحرم الجامعي، ووسط هيستيريا ليس لها مقدمة ولامؤخرة.
 
في الواقع لم أكمل متابعة حديث القدافي وأعدت له كلماته في حلقه وأنا أدوس بأصبعي على زر التلفزيون, ثم وجدت نفسي أضحك, لكن فور انتهائي من الضحك أدركت انه كان من المفترض أن أبكي لا أن أضحك.
 
صبيحة يوم السابع من ابريل للعام الدراسي - 1985 - 1986م كنت ادلف بوابة جامعة طرابلس ليوم دراسي عادي في أول فصل دراسي لي, وكانت هناك حشودا امنية ومظاهر عسكرية من عناصر الامن وعناصر اللجان الثورية عند بوابة الجامعة ووسط الكليات والمدرجات والساحات, حالة طوارئ غير معلنة, شباب يلبسون ملابس مدنية يعصبون روؤسهم بشرائط خضراء ومسدسات تتدلى على جانبي خصورهم, وكان بعضهم يحمل رشاشات وبنادق كلاشنكوف, بعضهم كان راجلا وبعضهم كانوا يركبون سيارات تصدر اصواتا من شدة سحل اطاراتها على الاسفلت.
 
ذلك الصباح كان يمكن للطلاب الدخول الى الجامعة كالعادة بسلاسة , لكن الخروج منها كان ممنوعا نهائيا وسط تحرشات امنية لم يسبق لى ان شاهدتها, كانت الدراسة متوقفة, كان هناك هرجا ومرجا وهمسا حدرا من الطلاب وهم يتسالون بلغة العيون عن ماالدى يحدث داخل الحرم الجامعي ؟ - خاصة طلبة سنة اولى مثل حالاتي -، اليوم عيد لشنق الطلاب وانا لا ادري... بالنسبة لعناصر اللجان الثورية ورجال الامن الدين غصت بهم الجامعة يعتبرون يوم السابع من ابريل يوم احتفال رسمي, وعيدا يحييه طلاب الجامعات الليبية بالغصب وتحت مشاهد الشنق مند العام الدراسي 1975 - 1976 حيث بدأ تدنيس جامعة قاريونس ببنغازي على يد - المقبور محمد المجدوب واحمد ابراهيم عضو البرلمان الليبي وعمار الطيف واخرين هم الان وزراء وقيادات كبيرة في البلد، - سمعت بعض اسمائهم على لسان القدافي في خطابه -.
 
في جامعة طرابلس حشر الجميع في كلياتهم وبدأ عناصر الامن واللجان الثورية يسوقون الطلاب الى ملعب كلية الاقتصاد القريب من بوابة الجامعة, تحلق مايزيد عن خمسة الالاف طالب وطالبة على تلك الساحة, ثم وصلت سيارة الاعدامات, منظرها بشع جدا, لها باب حديدي من الخلف, أنزلوا منه رجلا رأسه مغطى بكيس أسود ويداه مربوطتان الى الامام، وساقوه وسط جلبة مقززة الى الكرسي الدى ينتظره تحت قدم المشنقة التى نصبوها على عجل وسط ملعب التنس, تقدم أحدهم وقال بصوت مرتبك مامفاده ان هدا الطالب خائن ولابد ان يلقي جزاءه ثم تلى آية من القران "وماظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون", ثم قال "الاعدام شنقا حتى الموت"... ليس تمة وقت لتلاوة تهمته أو منطوق حكم المحكمة الثورية الدى صدر ضده , في الواقع كانت محاكمة صورية شبيهة بمحاكم الاستعمار الايطالي ايام احتلاله ليبيا... وسط تلك الجلبة والصراخ بصعوبة سمعتهم يقولون الخائن كعبار.
 
عندما أوقفوا الضحية على الكرسي رفع يداه المكبلتان الى أعلى مرتين ,, هل كان يتحدى الموت ؟ ام انه كان يتحدى تلك الشلة التى تصرخ بشكل عبثي غوغائي غير منظم عند أقدامه ؟ انها رهبة الموت, لك ان تتخيل ذلك, لحظة تخر لها كل قواك... لقد كان الرجل متماسكا الى أخر لحظة تدلي فيها جسده من حبل المشنقة ,, هل كان كعبار قديسا ؟.
 
كان هناك صراخ وحالات اغماء بالعشرات وكان نصيب الاسد منها للطالبات, كان هناك بكاء وعويل وأحدية ومعاطف وشالات واقلام وكتب وحقائب وأجساد تسقط على الارض من شدة الاندفاع... حالة تدمر وفشل كامل أصابت الطلاب, كنا مثل البلهاء تحلقنا على ملعب كلية الاقتصاد للاحتفال معهم بشنق زميل طالب, ثم ساقونا مثل ماتساق الثيران الوديعة الى حفلة دم أخرى سيشهدها ملعب كلية الهندسة في الساحة القريبة من مسرح كلية العلوم، باسم ثورة السابع من ابريل, لم يعد بمقدورنا منشاهد المزيد, لكن العناصر التى اشرفت على مشانق الجامعة تلك, أفلحوا باسلوب التهديد والرصاص في قيادة جموع الطلاب الى كل اماكن الشنق داخل الحرم الجامعي, ولاحقا ستشهد كلية الزراعة حفلا دمويا آخر.
 
كان المنفدين على عجل من أمرهم وكان عليهم ان ينجزوا بالصوت والصورة عمليات الشنق في اسرع وقت ممكن, حالة عدم التجاوب من الطلاب تزيد من ارتباكهم وربما هلعهم.
 
في ساحة كلية الهندسة أحضروا ضحية أخرى وساقوها الى المشنقة في مشهد متكرر هذا الصباح... رجل راسه معصوب بكيس أسود يقاد الى منصة الشنق وما ان يحوط حبل المشنقة براسه حتى يركل احدهم الكرسي ويتدلى جسده امام عيون الجميع ,, صراخ ونحيب من جديد ومزيدا من المغشيات عليهن من الطالبات ووجوه الطلبة كانها في يوم الحشر... أنا, لو كان لي جناحان تلك اللحظة لطرت في السماء.
 
تجاوز النهار منتصفه وعلينا ان نحضر معهم عملية شنق طالب اخر في كلية الزراعة, كم كانت ثقيلة بطيئة تلك الخطوات الى هناك... مايزال حفل الشنق مستمرا والفرجة اجبارية... انحشر مايزيد عن خمسة الالاف طالب وطالبة داخل المربع الاخضر بين مباني الكلية, ونصبت المشنقة في الوسط وجاءت مجموعة تقود ضحية تالثة معصوبة الراس بكيس اسود الى المنصة, وفي عجالة نفدوا الحكم بدون مقدمات, غير انهم كانوا حريصين على قراءة الاية القرانية "وماظلمناهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون"... ثم يكرر "الاعدام شنقا حتى الموت", ويتدلى جسد الضحية من حبل المشنقة, ما أقساهم، ما أبشعهم.
 
في كلية الزراعة كان خروج هدا العدد الكبير من باب واحد لايزيد عن اربعة امتار، عملية شبه مستحيلة... تدافعت الاجساد بدون انتظام وزاد من التدافع المرتبك ان العناصر التى نفدت عملية الشنق كانت تطلق الرصاص بشكل عشوائي في السماء... وسرى بين الطلبة اعتقادا بان اشتباكا قد حصل بين طرفين وعلى الجميع الفرار كيفما اتفق... كان عدد الدين يسقطون على الارض - وخاصة الطالبات - اكثر من الدين تمكنوا من الخروج... انا لم أدري بنفسي الا في بيتنا اسحب الغطاء على جسدي لمدة يومين متتاليين لم أتحدث ولم أقبل من احدا ان يتحدث معي.
 
محمد ربيع (كباون)

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com