سبق وأن عبرت في
مقالات وتحليلات كثيرة عن الرفض القاطع لتبرير أو تشريع الأعمال الارهابية أو
المسالك الانتحارية التي تكررت على مدار السنوات الأخيرة في مناحي مختلفة من
قارات العالم ,والتي جاءت الأشهر الأخيرة لتؤكدها كخيارات سياسية فاسدة ضربت
بقوة بلدانا ومناطق مختلفة في ربوع العالم العربي والاسلامي .
شكلت الأحداث
الأخيرة التي ضربت بلدان تونس والجزائر والمغرب والعراق وسوريا ولبنان وبدرجة
أقل المملكة العربية السعودية والأراضي المحتلة -حادثة حرق المكتبة
المسيحية-دليلا قاطعا على أن الظاهرة الارهابية ليست حكرا على بلد بعينه أو
منطقة جغرافية معينة ,وان كانت المنطقة العربية والاسلامية المسرح الأفسح
لتجليات هذه الظاهرة وهو مايدفع العاقل والمراقب بالحاح الى طرح السؤال حول
أسباب تفشيها في بلدان كنا نحسبها الى فترة متأخرة بمنأى عن نار العنف الأعمى
والارهاب...
ننطلق ابتداء من
ضرورات التفريق بين الأوضاع السياسية الداخلية للبلدان التي اكتوت بنار العنف
السياسي المتلبس بثوب ديني ,حيث أن الأوضاع السياسية في أقطار المغرب الأقصى
والمملكة العربية السعودية والجزائر شهدت على مدار السنوات الأخيرة تطورا
ايجابيا وملحوظا باتجاه موضوعات الاصلاح والانفتاح وهو ماسمح بتراجع العنف
السياسي بشكل غير مسبوق بالقطر الجزائري وأتاح فرصا ثمينة للتداول السياسي
بين مجموعات ايديولوجية شديدة التنافس في بلاد المغرب الأقصى,كما عزز على
مدار السنوات الماضية من امكانات التعبير والنقد والتشكل السياسي والفكري
الهادئ في مجالس النقد والنصيحة والانتخابات المحلية بمختلف أنحاء المملكة
العربية السعودية.
واذا كنا نقر من
باب الرصد الموضوعي والانصاف أن التجارب السياسية العربية الثلاثة المذكورة
انفا مازالت في طور التشكل والانتقال نتيجة معايشتها لتجارب التحول البارز في
أعلى هرم السلطة ,الا أن هذا لايقلل اطلاقا من حجم التحولات التنموية
والسياسية الحاصلة بهذه البلدان وهو مايلحظه المراقبون اليوم في مايحصل من
تطورات ميدانية ايجابية في أكثر من حقل ,نرى أثرا له في تطوير البنى التحتية
والخدماتية وحتى الهياكل السياسية بالدول المذكورة.
وبحكم الفارق في الامكانات المادية المتوفرة لأقطار المملكة العربية السعودية
والجزائر فان الفارق في النسق التنموي قد يكون مفهوما اذا ماقورن بين مايخطط
له من مشاريع في البلدين الانفين وماتعيشه المملكة المغربية من صعوبات
اجتماعية في ضواحي المدن الكبرى,وهو مانلقى له أثرا واضحا في الواقع المرير
الذي تعيشه بعض الفئات الاجتماعية المحرومة في ضواحي مدينة الدار البيضاء
المغربية والتي انطلق منها الانتحاريون في أعمالهم التفجيرية معبرين عن نوع
من مزيج اليأس من وضع اقتصادي عائلي بائس ووضع سياسي عربي صعب وقاسي نتيجة
تداعيات واقع الاحتلال في بعض أطراف العالم العربي والاسلامي .
كشفت أحداث مدينة
الدار البيضاء الانتحارية والتي لقيت رفضا واسعا من الشرائح الشعبية
والنخبوية الفاعلة في بلاد المغرب وسائر بلاد المنطقة عن ثلاثي خطير ينبغي
الالتفات له في أي عملية اصلاحية ,هذا الثلاثي كان مزيجا كيمياويا من عناصر
شديدة الانفجار ,حيث كان للفقر وتدني مستوى التمدرس وتعاطي المخدرات دورا
بارزا وخطيرا في الايقاع بالشبان الانتحاريين من قبل شبكات دينية متطرفة زينت
لهم الخلاص في تفجير الذات بدل اعتماد مسالك النضال السياسي الرصين والحكيم
من أجل تحسين الظروف الحياتية العامة.
نتفهم كثيرا تعطل
بعض الخطط التنموية للمؤسسات المغربية في محاربة هذا الثلاثي الخطير وذلك على
ضوء كثرة التحديات التي يعيشها المغرب ,انطلاقا من الاستنزاف الذي أحدثه
موضوع الصحراء الغربية لمقدرات الدولة وصولا الى تركة حقوقية وسياسية سابقة
لم يتردد الملك المغربي الشاب محمد السادس في فتح أجندتها ,امتدادا الى قلة
الموارد المادية المتاحة للبلاد مقارنة بالدول النفطية ,الا أن التحدي
السياسي الكبير الذي سيواجه مؤسسات الدولة الوطنية المغربية سيحتم مستقبلا
على الطبقة السياسية وعلى التكنوقراط الشبان الطامحين الى تحديث بلدهم,سيحتم
الاضطلاع بمسؤوليات أكبر تجاه موضوعات الاصلاح الاقتصادي والاجتماعي
والتعليمي بما يهيء فرصا أكبر للعدالة الاجتماعية وبما يقضي على افة الفقر
المدمرة وبما يعمم من امكانيات التمدرس والتعليم ويهيء لبئة شبابية محصنة من
مخاطر المخدرات والانحراف السلوكي.
نفس هذا الثلاثي
الذي عانت منه حواشي بعض المدن المغربية وشكل بالتالي بئة خصبة لصناعة
الانتحاريين ,مازالت الجزائر تعاني منه اليوم في ظل فساد سياسي واقتصادي
واختلال أمني ورثته عن حقب سياسية فارطة سبقت اعتلاء الرئيس عبد العزيز
بوتفليقة لسدة الحكم ,وهو ماجعل الدولة الجزائرية المعاصرة ترث بئة خصبة
لصناعة انتحاريين وتفجيريين ويائسين قادرين على تحويل منجزات السلم الوطني
والوئام الجزائري الى أكوام من الخراب والدمار اذا لم تعجل الدولة بالمضي
قدما بالاصلاحات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى بموازاة ماتحدثه من اصلاحات
سياسية لابد أن تجتمع النخبة على تثمينها وتعزيزها وتحصينها من مخاطر كل طرح
عدمي .
وبالاطلالة على
الضفة الشرقية من بلاد المغرب العربي ,فان ماعرفته تونس من مكاسب تعليمية
ونسب نمو محترمة أخذا بعين الاعتبار ماعليه الدولة من ثروات باطنية محدودة,
وبرغم ارتفاع نسب التمدرس بالبلاد وتحسن الظروف الاسكانية بالنظر الى ماكانت
عليه في حقب الاستقلال السابقة, كل هذه العوامل الايجابية لايمكن أن تكون
محصنا لوحدها باتجاه المجموعات أو الشبكات الارهابية ,حيث أن الرصيد السياسي
والحقوقي للبلد كثيرا مايلقى نقدا شديدا ومعارضة من قبل النخب المعارضة كما
المنظمات والدوائر السياسية المعنية بمراقبة الشأن التونسي .
المتابعون عن كثب
للأوضاع التونسية العامة يلحظون اختلالا بين ماتحرص عليه الدولة من اصلاحات
اقتصادية ومشاريع تنموية وبين الأداء السياسي الذي يتسم مشهده العام
بالانغلاق في مقابل ماتطمح له النخبة من انفتاح للدولة على المجتمع وقواه
السياسية الفاعلة ,وهو ماجعل الأداء العام برغم مابرز فيه من نقاط ايجابية
لصالح عنصر النظام والاستقرار يوصف بالأمني المتوجس .
كانت أحداث
الضاحية الجنوبية نهاية السنة الفارطة ومطلع السنة الجارية والتي لقيت رفضا
عاما برغم ماشابها من أسرار وألغاز, مؤشرا لدى الكثير من المحللين على أن
الخيار الأمني والتنموي لايكفيان لوحدهما على طريق تحصين المجتمع من ظواهر
التنطع والغلو المستند الى خلفيات دينية ,حيث عزى بعض المراقبين هذه الأحداث
الى حالة الاحباط السياسي التي يشهدها الشارع التونسي منذ المواجهة الحاصلة
بين السلطة والتيار الاسلامي مطلع التسعينات من القرن الماضي.
ذهب تيار واسع من
المحللين الى اعتبار الظلم السياسي في بعض الأقطار العربية ومناهج التطرف
الرسمي في التعاطي مع الظاهرة الدينية عبر حرمانها من التعبير عن نفسها في
تشكيلات تحترم الدستور والنظام العام ,الى اعتبارها سببا اخر من أسباب لجوء
بعض الشرائح الشبابية الى العنف ومن ثمة سهولة استقطابها من قبل مجموعات
دينية متطرفة توظفها ضمن أجندتها العالمية في مناوئة المصالح الأمريكية أو
ضمن أجندتها في نسف علاقات طبيعية بين الشرق والغرب .
وبين الواقع
الداخلي المأزوم نتيجة تركة ثقيلة ورثتها طبقة سياسية تطمح الى الاصلاح في كل
من أقطار المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية والجزائر ,وبين عوامل
دولية متداخلة ترتئي في دول الشرق الأوسط ساحة خصبة لممارسة لعبة شد الحبل
الاقليمية والدولية عبر تشجيع لعبة التطرف الديني والمذهبي ,وبين أطروحات
راديكالية تنبذ الاصلاح والانفتاح في بعض البلاد العربية الأخرى نتيجة تحالف
بين قوى الفساد المالي والانغلاق الايديولوجي ,تظل عناصر الظلم السياسي
الداخلي أو الدولي وعوامل الفقر والجهل رافعة عربية مؤذنة بتجذير الارهاب
القبيح وتوسيع خرابية المسلك الانتحاري .
حرر
بتاريخ الثلاثاء 17 أفريل 2007-30 ربيع الأول 1428 هـ
*
لمراسلة الكاتب ورئيس تحرير صحيفة الوسط التونسية يرجى
المكاتبة اليكترونيا على
العنوان الاتي:
reporteur2005@yahoo.de
http://www.tunisalwasat.info
|