22/04/2007

      


ماذا لو التقت المصالح ؟,أنقبل بالمفخخات بديلا عن السلم !؟

 

بقلم: مرسل الكسيبي*


 
لم تكن السياسة على مدار الأزمنة والعصور عالما ثابتا من المواقف الجامدة التي تتصنم فلا تتحرك ولاتتغير,بل انها كانت لدى المحنكين والأذكياء من الفاعلين الدوليين والسياسيين المتفوقين مجموعة من الديناميكيات والأطر المتحولة التي تساعد على الحركة والفعل باتجاه الأرقى والأحسن والأفضل والأقرب الى تحقيق مصلحة الشعوب والأمصار أو جماعات الضغط المستحكمة في صناعة القرار,ومن ثمة فقد استطاع اللاعبون الدوليون الكبار نسج التحالفات مع من تصوروه لحظة عدوا استراتيجيا وذلك ضمن رؤية تاريخية قدمت الملح على معارك مؤجلة الى لحظة متغيرة في شروطها الجغرافية والسياسية.
 
ضمن هذه الرؤية يمكن تفسير حرارة العلاقات الأمريكية الايرانية على سبيل المثال أثناء غزو العراق وأفغانستان حيث كانت الادارة الأمريكية في حاجة الى الدعم الايراني عبر تأمين السخط الشيعي المعارض في الساحة العراقية قصد اضعاف سلطة البعث النظامية على بغداد ,وتأمين محور الرفض للمشروع الطالباني ضمن دائرة من ملايين اللاجئين الأفغان فوق التراب الايراني كما ضمانة دعم الأقلية الشيعية الأفغانية المندحرة في مواجهة المد التوسعي الذي شهدته طالبان على أيام دك التماثيل البوذية والزحف السريع على الغالبية الساحقة من التراب الأفغاني.
 
لم يختلف العاقلون يومها أن ايران كانت ترى في اسقاط البعث العراقي مكسبا استراتيجيا وانتقاما تاريخيا من نظام صدام الذي شن حربا شرسة على مدنها طيلة ثماني سنوات تلت قيام الثورة الخمينية ,وفي دحر طالبان انتقاما ثوريا لمقتل ديبلوماسييها وتراجع نفوذها السياسي في ظل عدم قبول الطالبانيين بالمشاركة السياسية للأقلية الشيعية.
 
وضمن مصلحتين استراتيجيتين أولاهما أمريكية وثانيتهما ايرانية ,زالت العداوات وتطور التنسيق المشترك من أجل تأمين اسقاط عدوين مشتركين كثيرا ماأزعجا واشنطن وطهران ,وهو ماتم بالفعل ليصل الحليفان في وقت لاحق الى مراحل من الاحتكاك المباشر بعد أن تأكد الغريمان من استحالة الانسجام المشاريعي في ظل عدم تناسق المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية والسياسية في منطقة شكلت قلب الصراع على الثروة العقدية والبترولية العالمية.
 
انتقل حلفاء الأمس البعيد على عهد الشاه الى أعداء ألداء في عهد الخميني ثم الى متحاورين شبه أكفاء وحضاريين في عهد خاتمي ,وبعدها الى حلفاء مؤقتين في أواخر عهد هذا الأخير ,ثم من جديد الى متصارعين محترفين ومستعرضين في عهد أحمدي نجاد ,ولسنا ندري كيف ستصير الأمور لو وفقت ايران الى امتلاك قدرات نووية ذات أغراض عسكرية ,أيصبح العدوان حينها متوادان ومتحابان أم يشهد العالم بعدها بداية حرب باردة جديدة يمسك الشرق والغرب معها أنفاسه ؟...
 
خلاصة القول أن السياسة الدولية كما السياسة الداخلية تحكمها المصالح وليس الحب الدائم أو العداوة الدائمة ,وماينطبق في هذا المثال على محورين مؤثرين في السياسة العالمية والاقليمية ينطبق بلاشك على السياسة الداخلية فعلاقة المعارضات بأنظمة الحكم ليست علاقة ود وغزل دائم كما أنها ليست علاقة كره وخصام دائم ,حيث أنها تتراوح بين المنزلتين في كل دول العالم, وليس العالم العربي بمعزل عن هذا التصور الا فيما خلى وشذ وفسد من السياسات التي لاتستند الى روح المصالح الوطنية والقومية والشعبية العليا وتعليها على غيرها من المصالح.
 
ماضر بعض معارضاتنا التي لاتصغي الا لصوت الحزب وقادته دون غيره من الخلق !!!, ماضرها أن تفهم بأنه لاصراع أبدي مع الأنظمة وبأن هذا الصراع اذا ماساهم في اضعاف بلداننا وفي اخضاعها لمزيد من الضغوطات الدولية والخارجية وربما في فقدان السيادة الترابية يصبح من قبيل الخيانة للدين والوطن والأمة والشعب وكل القيم النبيلة ,وهو حينئذ في حاجة الى اعادة النظر على أرضية "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ".
 
الحركات الاسلامية التي تخوض موضوعة الصراع المفتوح مع السلطات العربية منذ مالايقل عن خمسة عقود أي منذ مقتل الامام الراحل حسن البنا رحمه الله ,في حاجة اليوم الى اعادة النظر تجاه العلاقة مع الأنظمة العربية على أساس جديد ,يقرب ولايباعد ,يوحد ولايمزق ,يبشر ولاينفر ,يرغب ولايرهب ,ويكف عن اضاعة أجيال من الشباب وأفئدة من الناس والمجتمعات التي اكتوت بنار السجون والخراب والتشرد.
 
أعلم جيدا أن مظالم "بعض" الأنظمة الرسمية في منطقتنا كانت ثقيلة على الكاهل الى الحد الذي تتعثر معه كل محاولات ردم الصدع وتجسير الهوة ,غير أن الاصرار على الصراع والصراع والصراع وان كان الهدف ساميا واصلاحيا سوف لن يخدم في نهاية المطاف الا المدارس التكفيرية والتنطعية التي تعمل في الناس قتلا وفي ممتلكاتهم خرابا وتدميرا وان كان المعلن في أجنداتها هو استهداف الظلمة ومن تصفهم بالطواغيت أو ربما تصفية الحسابات مع المحتلين او الغزاة كما هو معلن في أجنداتها السياسية ...
 
سيناريو الصراع المفتوح مع أنظمة الحكم العربية خلف دمارا جماعيا وضياعا للأوطان وذهابا للأنفس والأوقات والثمرات , وهو اليوم يفتح الباب على مصراعيه في ظل تغييب قوى الاعتدال والتوسط من الجانبين على مخاطر عودة الاحتلال, ومن ثمة فان فتح أبواب الصراع والمغالبة على مصراعيها كان سببا في استثمار أجواء الانسداد والانغلاق من قبل التفخيخيين والانتحاريين الذين توغلوا سفكا في دماء الناس والخلق وان كانوا يعلنون بأن هدفهم غير ذلك ,الا أن الحقيقة تشهد اليوم في كل من الجزائر والعراق والدار البيضاء بأن من يسقط من الضحايا الأبرياء هو أكثر عددا ممن أعلن عن استهدافهم من خلال بيانات جماعات العنف التي لايفوقها أحد في التهور ولايتأخر بعدها أحد في الفهم والفقه !
 
مأساة العالم العربي في صمت نخبته وتمادي بعض حركاته الاسلامية في الصراع على بقايا أوطان مزقها الاحتلال أو بات متربصا بالكثير منها نتيجة ضياع عنصري الأمن والاستقرار ,كما أن مأساة جزء اخر منه في اصرار بعض أنظمته الرسمية على مناطحة الجدران وعدم طلب المصالحة مع الشعوب وقوى التوسط والاعتدال في الأمة ,والذين يمثلون التيار الغالب من الناس ولكنهم يهمشون في ظل علو أصوات المفخخات والمتفجرات القاتلة والبشعة والمدمرة وفي ظل غلبة منطق الكرباج والفلقة على منطق القلم واللسان.
 
وسط هذه الجلبة بين طرفين يتصارعان بمنطق العنف والعنف المضاد يضيع السلم المدني والبناء والتعمير والتشييد والتنمية والرقي والتنافس في العلوم والتقنيات ومعارف العصر وتحديات العالم العربي والاسلامي والعالم بأسره شرقه وغربه أمام خطورة ظواهر الاحتباس الحراري وتقلص الموارد المائية وتراجع استراتيجي لموارد الطاقة وتبخر مساحات واسعة من الحرية والعدل وتضخم مهول لمفهوم الدولة الأمنية على حساب دول معاصرة تحترم حقوق الانسان وتنشد الأمن والتعاون فيما يخدم المجموعة البشرية بعيدا عن منطق القهر والتسلط والعدوان والحروب التي لاتخلف الا ماسي وتشريد وأمراض وعاهات وفقر ودعارة ومقابر جماعية ...
 
وحينئذ فان في التقاء المصالح باتجاه مناوئة القتل ورفض التخريب والتدمير ونبذ الارهاب من منطلق اسلامي أصيل وانساني فسيح , طريقا سالكا للحكومات والمعارضات والأمم والشعوب من أجل اعادة النظر في العلاقة بين الحاكم والمحكوم والعلاقة بين شعوب فقيرة وأخرى غنية والعلاقة بين دول الشمال والجنوب على أساس من احترام انسانية الانسان وضمان حقه في التعبير الحر والمسؤول وحقه في تقرير المصير بعيدا عن منطق الاكراه والتغلب والقهر الذي لايورث كوكبنا الا مزيدا من الصراعات الاثنية والدينية ولايزيده الا احترابا وخرابا ,أظن أن المصلحة الانسانية والعالمية ترفضهما كل الرفض.
 
- حرر بتاريخ السبت 21 أفريل 2007-4 ربيع الثاني 1428 هـ
 

* لمراسلة الكاتب ورئيس تحرير صحيفة الوسط التونسية يرجى المكاتبة اليكترونيا على العنوان الاتي:

 reporteur2005@yahoo.de     http://www.tunisalwasat.info

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com