17/04/2007

      


 
بيان حول بيان المثقفين !؟
 
بقلم: سليم نصر الرقعي

 
لاشك أن البيان (1) الذي أصدرته مجموعة من الليبيين الأفاضل من أهل الثقافة والصحافة من داخل البلاد الأيام الماضية ودعو فيه كل المثقفين للتوقيع عليه للمطالبة بإصلاح أوضاع صحافتنا المحلية الوطنية والنهوض بها من خلال (الخوصصة) والسماح بتعددية المنابر وتنويع الخطاب الصحفي ليعكس كل الوان الطيف الوطني هو حدث مهم بكل المقاييس وهو حراك مطالبي مشروع في الإتجاه الصحيح وقد كنت من السباقين إلى التوقيع على هذا البيان المهم والمشروع .. وربما – أقول هنا ربما ؟ - من اجل توفير فرص النجاح لهذا البيان ومن أجل الإلتفاف حول مطلبه الحضاري المشروع كان – ربما - من الأفضل أن يتم حصر التوقيع عليه في مثقفي وصحفي الداخل فقط  دون مثقفي وصحفي المهجر حتى لا يكون وجود اسماء الليبيين المقيمين في الخارج والمعارضين للنظام (ذريعة) تتكأ عليها الدولة واللجان الثورية للطعن في مثل هذه البيانات المطالبية والحملات الوطنية والتحركات الحضارية المشروعة والمهة والرصينة ولخنقها في مهدها ! .. واقول هنا ربما لأنه مايدرينا ؟ .. لو لم يوقع مثقفي وصحفي وساسة المهجر على البيان هل كانت السلطات ستستجيب لمثل هذا المطلب ؟ هذا هو السؤال ! .
 
ولكني – للحقيقة أقول – قد بادرت بالتوقيع على هذا البيان من حيث أنني مثقف ليبي تهمني – بشكل خاص وأساسي –  شؤون الثقافة والصحافة  في بلدي .. ويعلم الله أنني لم اوقع على هذا البيان  بوصفي سياسيا ً معارضا ً للنظام القائم حاليا ً في ليبيا ! .. وأنا هنا لا أتنصل من معارضتي لهذا النظام – من منطلق فكري لا منطلق سياسي – ومعارضتي للطريقة التي يقود بها (الأخ العقيد) وفريقه السياسي (اللجان الثورية) سفينة دولتنا الوطنيه في المجال الداخلي والخارجي ولا أخفي (الغضب) الشديد الذي يعتمل في صدري كمواطن وشاب ليبي منذ عقود بسبب الأحوال التي صارت إليها بلادنا  في ظل هذا النظام وهو غضب مشروع وله مايبرره بالفعل ويعلم الله  تعالى بأنه (غضب شديد) وليس حقدا ً اعمى ضد أي ليبي أي كان موضع وموقف وإنحياز هذا الليبي فليس الحقد من طباعي ولا أنا أحب الحاقدين أو الحاسدين .. ولكن تبقى الحقيقة – حقيقة هذه المعارضة - كما بينت في أكثر من موضع وخصوصا ً في مقالة لي بعنوان (ما لايعرفه عني الكثيرون !) (2) هو أنني كمثقف وطني قد تورطت أصلا ً في كل هذه اللعبة السياسية وفي كل هذه المعارضة للنظام القائم حاليا ً في بلادي لا لإسباب سياسية أو شخصية كالحقد أو الحسد أو الطمع الشخصي أو لنعرة جهوية مقيتة كمنطلق وسبب لهذه المعارضة وإنما بشكل مبدئي وجوهري بسبب كل هذا التغول وكل هذا القمع الذي مارسه ضد المثقفين هذا النظام الشمولي المؤدلج بشكل غير معقول ولا مقبول ! .. التغول على حرم ميدان الفكر والثقافة وحرم الصحافة فضلا ً عن تغوله على حرم التعليم والقضاء وممتلكات الناس ! .. فأنا شخصيا ً لايهمني كثيرا ً من يتولى مركز القيادة السياسية لسفينة الدولة الليبية  بقدر مايهمني بالدرجة الأولى كيف يقود هذا القائد هذه السفينة ! .. ثم يهمني أيضا ً بعد ذلك كيف تم وصوله إلى هذا المركز ! .. هذا إهتمام لا أنكره ولا أقلل من شأنه إلا  أن إهتمامي بإحترام هذه القيادة – أي كان متوليها - لحرم الفكر والثقافة والنشر والصحافة وعدم التدخل فيه والتغول عليه لاشك عندي هو أكبر الهموم والإهتمامات على الإطلاق ! .. وهنا نجد أنفسنا حيال لب وجذر المشكلة الحقيقية في ليبيا اليوم  .. وحيال جوهر وأصل أزمة الصحافة والثقافة في الجماهيريه  ! .
 
إن الأصل الحقيقي والأساسي والسبب الجوهري والرئيس في مشكلة الصحافه الليبيه اليوم يتمثل لا في غياب التقنيه الحديثه ولا في غياب التمويل ولا غياب الصحفيين المقتدرين فنيا ً ومهنيا ً ولا في ضعف وتخلف الشكل والمظهر الخارجي للصحف الحالية ولا في صورة الخطاب بل السبب الحقيقي والجوهري من وجهة نظري هو غياب الحريه الصحافية  ! .. حرية الأراء الأخرى المقموعه والممنوعة من الكلام ! .. هذا هو السبب الحقيقي للمشكله ! .. وهذه هي الحقيقه التي لم يرد البعض أن يقولها  أو لم يتمكن البعض الآخر من المخاطرة بقولها والتصريح بها ! .
 
إن أصل مشكلة وأزمة الصحافه الليبيه اليوم مرتبط بشكل وثيق وعميق ودقيق بأزمة الحريه في ليبيا اليوم ! .. حرية الرأي والتفكير وحرية الكلام والتعبير ! .
 
ولو تأملنا ما حولنا من دول الجوار – على سبيل المثال – وعلى الرغم من أن كل هذه الحكومات القائمة فيها – بإستثناء موريتانيا ؟ – يصفها الكثير من المراقبين إستنادا ً للمعايير الدولية والعلمية للديموقراطية بأنها حكومات مستبدة وديكتاتورية إلا أننا نجد – على الرغم من هذا الإستبداد السياسي والإستئثار بالسلطة وإحتكار القيادة السياسية – مساحات وهوامش كبيرة وكثيرة جدا ًمن الحرية في مجال النقد والتفكير والنشر والتعبير والفن والإعلام وخصوصا ً في مجال الكتابة والثقافة والصحافة بينما هنا في الجماهيرية (العظمى ؟) لا نجد أي هامش متاح للرأي الآخر .. او للنقد الفكري والسياسي للنظام القائم وللنظرية التي قام عليها هذا النظام أصلا ً ! .. أو للتعبير عن الإقتناع بالنظم والأفكار الأخرى المخالفة للفكر الرسمي  ولو من باب التنظير الفكري والتعبير بالكتابة ! .. ونجد كمية هائلة من القيود والحدود و الممنوعات والمحرمات والتحذيرات الكثيرة التي ما انزل الله بها من سلطان .. هذه القيود التي تعيق عملية التلاقح والتدافع الحضاري والسلمي بين منظومات الأفكار وتعيق عملية تجادل الأراء التي تنمي من خلال الحوارات والمجادلات الفكر والعقل وتثري ساحة الثقافة وتنميها وتزكيها ! .. هذه القيود – غير المعقولة وغير المجمع عليها وطنيا ًوعالميا ً- التي  تعيق عمليات الإبداع الحقيقي ! .. هذا الإبداع الضروري واللازم للدفع بعجلة التطور والتقدم والرقي إلى الأمام في كل مجالات الحياة  ! ..  بل فضلا ً عن تلك القيود ( المقننة) والحدود الإيديولوجية الظالمة والمعيقة للتقدم نجد لغة التهديد والوعيد التي تصل إلى حد الإرهاب والتنكيل في مواجهة كل رأي ناقد أو مخالف أو معارض للأفكار والأراء الرسمية !! ..  وهذا هو أصل القضية ! .. وهذا هو سبب كل هذه الأزمة وكل هذه المأساة التي تعيشها ليبيا اليوم ! .
 
ولو أن هذا النظام كان أكثر عقلانية وواقعية ووطنية وأكثر تحضرا ً وحرصا ً على رفع مستوى الشعب الليبي بالفعل ثقافيا ً وفكريا ً وأخلاقيا ً وروحيا ً بل وماديا ً ومدنيا ً لتصرف - على أقل تقدير - كما تتصرف الحكومات العربية المجاورة أو في الخليج حيال الفكر والثقافة والكتابة  ! ..  فليبق هذا القايد السياسي أو ذاك – مهما  كان أسمه أو رسمه ؟ -  ملك أو رئيس أو سلطان أو أمير أو قائد - في مركز القيادة السياسية وليحرس كرسي هذه القيادة التي يتولها كما يشاء بكل قوة عسكرية فهذا شأنه وشأن خصومه السياسيين الذين يعتقدون بأنهم هم أحق منه بشغل هذا (الكرسي) وهذا المنصب السياسي الرفيع أو الوضيع ؟! .. فهذا ديدن الساسة دائما ً عبر التاريخ ! .. وهذا هو منطق كل قادة دولنا العربية اليوم – للأسف الشديد - خلال هذه المرحلة من عمر منطقتنا السياسي المتخلفة .. ولكن - وفي المقابل – على هذا (القايد) أن يرفع يده ويد فريقه السياسي عن عقول الناس ! .. وعن أفواه واقلام المثقفين .. وعن حرم الصحافه ! .. وإلا عندئذ – عندما يُغلق الساسة بقوة السلطان والسلاح كل منافذ الملاحة الفكرية ويصادروا حق الناس وخصوصا حق المثقفين والمفكرين - في التعبير عن أفكارهم بكل حرية وأمان – فليس بوسع المثقفين والمفكرين الأحرار – عندها إلا أن يقتحموا عالم هؤلاء الساسة  وهؤلاء القادة السياسيين محاولين إنتزاع هذا الحق منهم – بأية حيلة وأية وسيلة وقد علمنا التاريخ أن الكثير من المثقفين والمفكرين الأحرار تحولوا بفعل القمع إلى ثوار وإضطروا بسبب القمع الشمولي الرهيب إلى امتشاق البنادق والمدافع والقنابل وتحولوا إلى مقاتلين حقيقيين من أجل الحريه ! .. بعد أن كمم الطغيان الشمولي أفواههم وحطم أقلامهم وصادر حقهم في التعبير عن أفكارهم ! .. وهذا التاريخ أمامكم فتصفحوه وإسألوه ! .. اليس فيكم رجل رشيد ؟؟!! .
 
سليم نصر الرقعي
 
كاتب ليبي يكتب من المنفى الإضطراري
elragihe2007@yahoo.co.uk
 

1 - 
http://66.111.46.225/look/article.tpl?IdLanguage=17&IdPublication=1&NrArticle=2766&NrIssue=1&NrSection=19
2 - http://www.libya-watanona.info/adab/elragi/sr15037a.htm
 
 

أرشيف الكاتب

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com