26/04/2007

      


 
ما حدث في موريتانيا هل هو السهل الممتنع !؟
 
بقلم: سليم نصر الرقعي

 
راقب الكثير من المهتمين بقضية الديموقراطية في منطقتنا العربية ولادة الديموقراطية الموريتانية العجيبة بشئ من الدهشة والاستغراب إلى درجة أن بعض العرب من الحالمين بالديموقراطية – وخصوصا ً في القاهرة أكبر حاضرة في العالم العربي ! - سال لعابهم من شدة الذهول عندما ظلوا يحملقون بعيونهم - فاغري افواههم - في دهشة وعدم تصديق لما يشاهدونه يحدث في موريتانيا هذه الأيام بكل هذه البساطة من عجائب الدنيا السبع كمن يشاهد بأم عينه ماردا ً حقيقيا ً وقد خرج لتوه - وبشكل مفاجئ - من المصباح !!؟.
 
شئ لا يـُصدق !! .. شئ يدعو إلى الدهشة بالفعل ! .. وإلى الإستغراب بلاشك !.. بل ويدعو بالفعل إلى سيل اللعاب ! .... فهذا المولود الديموقراطي الجديد الذي ولد – وللغرابة ! – في موريتانيا أي في البلد التي يصفها بعضنا بأنها أكثر البلدان العربية فقرا وبداوة ً من الناحية الإقتصادية والعمرانية جاء بعكس كل توقعات وتحليلات وفلسفات كل المفكرين والمحللين الدوليين والمحليين والمراقبين لسير عملية ولادة الديموقراطية في عالمنا العربي فهم كانوا يعتقدون أن الديموقراطية اذا قدر لها ان تولد في منطقتنا فإنها إما أن تولد في القاهرة أو في دمشق بإعتبارهما من أكبر واقدم الحواضر العربية ! .. هذا المولود الذي ينتظر ميلاده – بشغف وأمل – وكبداية لكسر الجمود السياسي في بلداننا - الكثير من سكان منطقتنا من المتطلعين إلى الحرية والديموقراطية منذ زمن بعيد !.
 
ولكن وعلى الرغم من دهشة البعض أو الكثير من العرب – وفي المقابل - ومن زاوية اخرى – وربما بسبب كل هذا الهدوء العجيب والغريب الذي تمت به عملية الإنقلاب ثم عملية الإنتخاب التي وصفها البعض بأنها نزيهة وشفافة وفق المعايير الدولية !!؟؟ ثم عملية تسليم العسكر الانقلابيون السلطة السياسية للمدنيين المنتخبين شعبيا ً .. ربما هذه العملية التي تمت بكل هذا الهدوء وكل هذه السلاسة وكل هذه البساطة ؟! .. ربما – اقول ربما - هذا هو ماجعل الغالبية العظمى من شعوبنا في منطقتنا التي تعودت على صوت المفرقعات وأزيز الدبابات وعمليات ومشاهد جز الرؤوس والأصابع في وضح النهار والتي ترافق دائما ً عملية التحولات السياسية الكبرى في منطقتنا ! .. هذا الهودء الغريب هو ربما ماجعل شعوبنا لا تلتفت بشئ من الإهتمام والجدية إلى كل هذا الذي يحدث في موريتانيا ! .. بل إن معظم الناس في منطقتنا لم تهتم بهذا الحدث بالفعل قدر اهتمامها أو نصف إهتمامها بل ولو عشر اهتمامها بعملية (إنتحارية أو إستشهادية) يقوم بها أحد انصار طالبان ضد الإمريكان في افغانستان أو تقع في العراق!؟ .. شئ آخر يدعو إلى الدهشة والاستغراب بالفعل ! .. بل يدعو الى الحيرة ! .. أليس كذلك !؟؟.
 
تعالوا نحاول ان نفهم !!؟؟
 
حسنا ً! .. وقد اعترفنا بأن مايحدث في موريتانيا هو بلا شك أمر غريب وعجيب يدعو بالفعل الى الإستغراب وسيلان اللعاب ! .. دعونا – إذن - نفكر الآن في هذه المسألة ونطرح مجموعة من الأسئلة لعلها تفسر لنا كل هذا اللغز المحير الذي وقع في موريتانيا !!؟؟ .. دعونا - ونحن في غمرة السرور والإعجاب كطلاب للديموقراطية والعدالة وفي غمرة الدهشة و الإستغراب - دعونا نطرح على انفسنا مجموعة من الأسئلة المشروعة التي يجب علينا وعليكم طرحها والبحث عن اجابات صحيحة لها لعلنا نفهم كل هذا الذي يحيرنا منها مثلا ً : هل ماحدث في موريتانيا هو من السهل الممتنع ؟ .. ولماذا حدث في مورياتنيا بالذات ولم يحدث في القاهرة على سبيل المثال أو في دمشق أو في طرابلس الغرب مثلا ً !!؟؟ .. بمعنى هل هو (سهل) على دولة بظروف وحجم ووضع موريتانيا وهو في الوقت نفسه (ممتنع) على دولة بظروف وحجم ووضع مصر أو بوضع ليبيا ؟!! .. ولماذا ؟ ... ثم ماذا لو كانت موريتانيا دولة ثرية أو غنية بالنفط أو كانت من دول المواجهة مع إسرائيل هل كان الغرب سيترك عندها الموريتانيين في حال سبيلهم ويسمح للشعب الموريتاني بإختيار قيادته السياسية نفسه بنفسه دون أي تدخل سافر أو خفي ؟؟ .. أم أنه لو كانت موريتانيا في وضع كوضع مصر وحساسية مصر لكان الغرب – وأمريكا على وجه الخصوص – أعطوا الضوء الأخضر لمن يهمه الأمر لأجهاض هذا الجنين الديموقراطي وهو في بطن أمه أو حتى خنقه بعد ولادته لأن ولادته تهدد مصالحها الإستراتيجية في المنطقة !؟ .. هل من حسن حظ الشعب الموريتاني مثلا ً أنه شعب فقير إقتصاديا ً وبعيدا عن منطقة التوتر مع إسرائيل ولا تسيطر فيه حركة الإخوان المسلمين مثلا ً على الشارع السياسي؟ .. وهل من سوء حظنا نحن الليبيين مثلا ً أننا دولة نفطية؟ ومن سوء حظ المصريين والسوريين مثلا ً أن دولتيهما تقعان على حدود إسرائيل !؟ .. أم أن الغرب سمح بميلاد الديموقراطية في موريتانيا لأنها تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل أم لأن لا مصالح إستراتيجية حساسة لأمريكا كالنفط وأمن إسرائيل في هذا البلد !؟ ...... هذه الأسئلة الموضوعية وغيرها يجب علينا طرحها والتفكير فيها لحل اللغز الموريتاني مع عدم التقليل من شأن العوامل الداخلية والخصوصيات الموريتانية التي أوصلت الموريتانيين الى تحقيق هذا النصر الكبير؟؟.
 
هل سينجح النموذج الموريتاني ؟
 
وهذا سؤال آخر مهم وفي محله ويجب أن نسأله ! .. هل ياترى ستتم فرحة الموريتانيين وأنصار الديموقراطية بهذا المولود الجديد أم سيأتي وقت – بعد حين – يقولون فيه (يافرحه ماتمت) !!؟ .. هل ستستمر هذه الديموقراطية الوليدة تنمو وتزدهر أم سيتم الإنقلاب عليها كما حدث من قبل في الجزائر والسودان وفلسطين !؟
 
بلا شك أن هناك الكثير من المخاطر والعقبات والتحديات التي سوف تعترض طريق نمو هذه (الوليد السعيد) في عالمنا العربي الموبوء بالإستبداد والفساد .. فهذا المولود بطبيعة تكوينه أنه غض طري وضعيف كالطفل الوليد يحتاج إلى فترة من الرعاية والمراقبة والتقوية والتنمية والحماية من عوامل الضعف والمرض و الإنهيار والموت ! .. والوقاية من قطاع الطريق وذئاب السلطة !؟ .. والتحديات هنا تتمثل في أعداء إقامة ديموقراطية حقيقية في منطقتنا وهم اعداء من الخارج واعداء من الداخل تتناقض مصالحهم مع قيام نظم ديموقراطية حقيقية في بلداننا .. ويحضرنا هنا المثال السوداني والموقف المشرف للمشير (سوار الذهب) – طيب الله ذكره – فبعد أن استلم السلطة اثناء انتفاضة ابريل 1985 التي اطاحت حكم النميري في السودان بصفته اعلى قادة الجيش وبتنسيق مع قادة الانتفاضة من احزاب ونقابات قام بعمل غير مسبوق في العالم العربي إذ قام بتسليم السلطة للحكومة المنتخبة في العام التالي ثم إعتزل العمل السياسي وعكف على عمل الدعوة الاسلامية !!؟؟ .. إلا أن الفريق السياسي الإسلامي (فريق الترابي) الذي لم يفز بالحكومة عن طريق الإنتخاب بادر بعد ذلك إلى الإنقلاب تحت مسمى (الثورة) !!؟؟ ومن ثم إلى تعطيل وإبتسار التجربة الديموقراطية التعددية في السودان فضاعت فرحة السودانيين بالديموقراطية الوليدة وحل بالسودان ما حل ! .. وكذلك الحال ما فعله العلمانيون (الفرنكفونيون) في الجزائر حينما شعروا أن الإسلاميين قد باتوا قاب قوسين أو أدنى من السلطة ؟؟!! .. إنقلبوا عليها واجهضوها ! .. فكانت النتيجة هي وقوع الجزائر في مستنقع الدماء مع أن الإنقلابيين ما فعلوا فعلتهم إلا تحت دعوى حماية هذه الدماء !! .. ومن ثم وبسبب هذه التجارب المريرة يظل الخوف من تكرار محاولة العسكر أو من ورائهم – في الداخل أو الخارج ؟ - للإنقلاب على الشرعية الديموقراطية تحت مسمى الثورة أو بحجة حماية البلد من الفوضى و التطرف خطرا ً قائما ً ومحتملا ً بالفعل كما رأينا في تجربتي الجزائر والسودان !.
 
سليم نصر الرقعي
كاتب ليبي يعيش في المنفى الإضطراري
elragihe2007@yahoo.co.uk

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com