22/02/2006


 

يا بنغازي سنن الله لاتحابي

 

في واحدة من بلدان العالم  كان رجلا  يطلب الأمن والآمان ويرفض العيش إلا في مكان آمن.. جاءه بعض محبيه  واخبروه مرددين :كيف تعيش في هذه البلاد المهددة وانت تطلب الأمن والآمان ؟!! فرد   قائلا : بأن ذلك لا يهم ما دامت مدينتي آمنة, وبعد حين عادوا اليه وأخبروه:  بأنهم علموا بأن الخطر يتهدد مدينته أيضا فردقائلا :  لا بأس ما دام بيتي سالما منه, وعادوا اليه مرة أخرى قائلين : بانهم اكتشفوا ان الخطر على باب بيته ويهدد أهل بيته فرد قائلا :  بانه ليس قلقا لذلك ما دام الخطر لا يهدده شخصيا.[1]

 

القرن المنقضي  شهد  سقوط دولا وامبراطوريات عديده ، منها  انهيار الإمبراطورية  الفرنسيه والبريطانية والألمانية واليابانية وصولاً إلى إنهيار الإمبراطورية السوفييتية. ولو تمعنا آلية انهيار تلك الإمبراطوريات سنجد  عوامل مشتركة أدت إلى سقوطها، فالكون من حولنا قائم على مبدأ واضح لا يغيب عن فكر وتدبر كل عاقل ألا وهو مبدأ السننية، وهذا يؤكد مادعا إليه القرآن الكريم وهو أن هناك سنناً تحكم الكون من حولنا، وأن التاريخ له قوانين، وقوانين حركة التاريخ لا تقبل استثناءً ولا محاباة؛ وأن المقدمات السيئة لابد أن تؤدي إلى نتائج سيئة والعكس صحيح. [2]

 

والعامل المشترك في انهيار كل الإمبراطوريات السالفة أنها غيَّبت عن استراتيجيتها وسلوكيتها قيمة عظيمة تتمثل بأن كل من يحاول أن ينال من إنسانية الإنسان أو يستبد به أو يقهره ، لابد أن تفعل فيه سنة الله وقانون حركة التاريخ فعلها ، لتجعله أثراً بعد عين وعبرة تذكرها كتب التاريخ لينتفع منها أولو الألباب.

 

والنظام الحاكم الآن في ليبيا  ليس بدعاً من الأمم حتى يكون استثناء وقانون حركة التاريخ الذي سرى على الإمبراطوريات السالفة لابد أن يسري عليه، وسنة الله في معاقبة المستكبرين والمستبدين  بالمرصاد؛ وحاشى للعدل الإلهي أن يدع قوة مستكبرة متجبرة بغير الحق تعيث في الأرض فساداً دون أن تكون لها نهاية. سنة الله عزوجل في كونه تقول: إن المفسدين وأعداء الإنسانية والمستكبرين والذين يعيثون في الأرض فساداً ،سيجرفهم تيار الحق عاجلاً أم آجلاً، والتاريخ.  ممتلئاً بأمثلة عن هؤلاء، وسيبقى المصلحون الذين يعمرون الأرض بالخير والصلاح والمحبة؛ وعن تلك السنة يحدثنا القرآن الكريم قائلاً:‏

 

(فأمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأمَّا مَا يَنفعُ النَّاسَ فيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْربُ اللهُ الأمْثالَ( (الرعد: 17).‏
وهذه السنة الإلهية التي تحكم الكون باقية ثابتة، لا تعرف استثناءً،ولا تحابي فرداً ولا جماعة، ومقياس البقاء لديها الصلاح والإصلاح ، لذلك يقول تعالى: (سُنَّة اللهِ فِي الَّذينَ خَلَوا مِن قبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً( (الأحزاب: 62).‏

 

والإنسان جزء من هذا الكون، والحق عزوجل خلقه سيداً فيه لا سيداً عليه، وكل من يحاول أن ينال من إنسانية الإنسان لا بد أن تتحقق فيه سنة الله، ويجري عليه قانون السببية، فتجعله أثرا بعد عين ، كما ذهبت آثار  هتلر وموسوليني وفرعون ومن حذا حذوهم، وكما ذهبتآثار  ألمانيا وفارس وروما والاتحاد السوفييتي ومن سار على نهجهم، وهذا يعني أن الأمم يجري عليها ما يجري على الأفراد، وهي في سيرها الزماني خاضعة لسنة الله عزوجل ، وكما نعلم أن سقوط ثمرة من شجرة ما.. لاشك نتجت عن أسباب  محددة أدت لهذا السقوط، وبالتالي فإن السقوط لم يأتِ عبثاً.‏

 

والقرآن الكريم تمتلئ آياته بالحديث عن هذه السنن، وقد تحدث عن فقه تلك السنن أكثر مما تحدث عن فقه العبادات، لذلك وجدنا القرآن كثيراً ما يحدثنا عن قانون السببية، من خلال أقوام استكبروا في الأرض بغير الحق ويبين في نهاية حديثه كيف فعل قانون حركة التاريخ فعله في هذه الأقوام؛ ثم يطلب منا تدبر أسباب النهوض والسقوط، ليحذرنا من أن نقع فيما وقعوا فيه من أخطاء وانحرافات؛ فيقول:‏

 

(قَدْ خَلَتْ مِن قبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذَّبينَ( (آل عمران: 137).‏


والمشكلة لدينا كبشر أننا نؤمن ونُسلم بالأحداث التي تنتج عن هذه السنن في الأشياء، ولكننا نتغافل عن مثل هذه السنن في الأمم والأفراد،فنشوء وانهيار الأمم له أسبابه المادية البحتة، تلك الأسباب هي التي جعلت سنة الله تعمل فيها سلباً أو إيجاباً.‏

 

ولو تدبرت الآيات الكريمات في القرآن الكريم ستجد أن الإسلام يأمر بالعدل والإحسان وصلة الرحم والحق، كما يأمر بالصلاة والصيام والزكاة والحج، كما وتنهي عن الاختلاف والفحشاء والمنكر والبغي والسعي في الأرض فساداً،ومن أسباب هلاك الأفراد والأمم هو الظلم، والتاريخ القريب والبعيد يعج بأمثلة عن ذلك، و تلك السنة باقية ماضية وكما فعلت فعلها في السابقين، ستفعل الفعل نفسه في اللاحقين حيث يقول:‏

 

(ولَقَدْ أهْلَكْنَا القُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لمَّا ظَلمُوا( (يونس: 13).‏

 

(وَلِكُلِّ أمَّةٍ أجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلهُمْ لاَ يَسْتَأخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقدِمُونَ( (الأعراف: 34).‏

 

ويقصد بالأمم هنا هو نظام الحكم الفاسد الظالم، ومثل هذه الأنظمة الفاسدة ستهلك حتماً، أما أجلها فسينقضي باستكمال دورة الفساد والظلم والاستكبار والطغيان.‏ والقرآن الكريم  يلفت نظرنا  إلى قضية في غاية الأهمية؛ حيث يبيِّن لنا أن الأمم والأنظمة قد تبقى مع الكفر ما دام أهلها لا يتظالمون فيما بينهم، ولكنها لن تدوم مع الظلم حتى ولو كانت مسلمة، لذلك جاء قوله تعالى:‏

 

(وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بظُلْمٍ وَأهْلُهَا مُصْلِحُونَ( (هود: 117).‏

 

 الظلم إذا استشرى في أمة  ما سيجعلها مستكبرة، تقهر المستضعفين وتذل كبار القوم، وتسعى في الأرض فساداً، عندئذٍ تبدأ سنة الله تتحقق فيها شيئاً فشيئاً حتى تُقهر وتذهب حيث ذهبت سابقاتها من الأمم لذلك يقول تعالى:‏

 

(اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيّئِ وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلاَّ بأهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ سُنَّت الأوَّلِين فَلن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تحويلاً( (فاطر: 43).‏


والحق عزوجل   يستدرج الظلمة والمستبدين والمستكبرين ليوقعهم في شر أعمالهم فقد استدرج قوم صالح بالدابة، وفرعون إلى البحر،  وا الروس بسباق التسلح و سيستدرج الأمريكان بالإفراط في القوة، والإستكبار  بغير الحق ، يقول تعالى:‏

 

(سَنَسْتَدْرجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وَأمْلِي لَهُمْ إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ( (القلم: 44 ـ 45).

 

‏ تلك هي سنة الله، وهذا هو قانون حركة التاريخ والمقدمات الخاطئة ستؤدي إلى نتائج خاطئة والعكس صحيح ، فهل سيكون النظام الحاكم في ليبيا  بدعاً من الإمبراطوريات؛ ليكون استثناءًا؟.‏


سعيد الجطلاوي


 


1-  بتصرف من مقاله للكاتب : عبدالله الزهير
2- بتصرف من بحث للأستاذ/ أحمد الرمح

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com