02/02/2007
|

|

|
|
|
|
المتاجرون والمنتفعون
والمجرمون في قضية أطفال الأيدز
بقلم: فضيل الأمين * |
 |
|
|
قضية أطفال الأيدز اصبحت محل متاجرة أو مزايدة من قبل أجهزة
النظام والعديد من الأطراف الليبية في الداخل والخارج وآخرها ما يسمى بتنظيم
القاعدة.
فقد اصبحت القضية قضية قومية ووطنية وعروبية واسلامية
واقليمية ودولية. قضية الوقوف في وجه التآمر الغربي والسيطرة الأميركية
والتصدي للضغوط البلغارية والاوروبية والاميركية والصليبية واليهودية. وغاب
عن اذهاننا أن القضية في جوهرها هي قضية طبية صحية جنائية. قضية تسيّب
ومتاجرة. قضية فشل الموسسات الطبية الليبية وفشل الحكومة الليبية في حماية
اطفالنا وشعبنا.
إن المسؤولين الأساسيين عن هذه وقوع هذه الجريمة هم المسؤولون
عن التسيّب واستيراد الدم الملوّث والأمصال الملوّثة بصفقات لا ترعي في
المواطن أبسط قيم المسؤولية والقيم، والمستشفيات المتداعية والأجهزة الطبية
القديمة والمعطلّة والكادر الطبي غير المؤهل أو الذي لا تتوفر له أبسط
الإحتياجات الطبية الأولية لممارسة عمله، وانهيار القطاع الصحي في ليبيا على
مدى العشرين عاما الماضية الأمر الذي دفع بخيرة كوادرنا الطبية القديرة إلى
اعتزال الطب مثل الدكتور الراحل كمال ابودراع الذي انتهى به المطاف إلى فتح
محل في سوق الترك في طرابلس عندما فقد كل أمل في القدرة على توفير العلاج
الاساسي لمرضاه وأبسط أسس العناية بهم. فيما هاجر آخرون إلى أوروبا وكندا
والولايات المتحدة وبعض بلدان العالم العربي فنجحوا وتطورت قدراتهم وفقدتهم
البلاد وهي في أشد الحاجة لهم.
إن المسؤولين الأساسيين عن هذه وقوع هذه الجريمة هم الذين
يسعون إلى إلقاء اللوم على الآخرين وصرف الأنظار في مسؤوليتهم في وقوع هذه
المأساة الإنسانية. إن صرف الأنظار عن السبب الحقيقي وتجاهله والاشارة
بأصبابع الإتهام إلى الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني ما هي إلا محاولة
لخداع الضحايا والشعب في نفس الوقت.
ومن الممكن توجيه تهمة الاهمال واللامبالة والفشل في أداء
الواجب ضد الممرضين والممرضات والأطباء الذين يعملون في القطاع الصحي الليبي
سابقا وحاليا والتقصير في أداء مهامهم وعدم التحقق من الدم أو الامصال التي
يحقنوا بها المرضى والابلاغ عن الحالة المزرية للقطاع الصحي الذي يعملون تحته.
هناك فرق كبير بين ساهموا في تدمير القطاع الصحي الليبي على
مدى عقود والذين عملوا على بناء الثروات وتكديس الاموال من وراء شراء الدم
الملوّث والادوية الفاسدة المنتهية صلاحيتها والامصال الفاسدة، والاجهزة
الطبية التي تم استلام ثمنها ولم يتم تسليمها إلى المستشفيات والعيادات التي
تنتظرها منذ سنوات وهؤلاء المهملون الذين ذكرنا.
إن محاولة اطراف معنية داخل النظام الليبي استغلال الممرضات
البلغاريات ورفيقهن الطبيب الفلسطيني في محاولة تصفية حسابات ليبية أوروبية
أو ليبية أميركية هي محاولة لن تجني من وراءها ليبيا إلا المشاكل والمزيد من
الحصار وردود الفعل السيئة التي ستساهم في مزيد من العزلة والسمعة السيئة
لليبيا.
أن الأمر في نهاية المطاف كما وصفه أحد المطلعين في الشأن
الليبي ليس سوى محاولة سجن مواطني دولة أخرى لمقايضتهم بأشخاص أو "شخص" تريد
جهات معينة في النظام الليبي إطلاق سراحه أو محاولة من بعض أطراف في النظام
الليبي الحصول غلى ضمانات دولية بعدم ملاحقتهم قضائيا أو امنياً في المستقبل.
والأمر في نهاية المطاف لا يبعد كثيرا عن عقلية دبلوماسية "البازار" التي
تمارس في عالمنا العربي. بيع وشراء، تسليم واستلام.
لقد وجدت أطراف معينة في النظام الليبي في قضية أطفال الإيدز
لعبة رابحة في كل الاحوال "على المدى التكتيكي فقط". فعبرها يمكن أن تظهر
أجهزة النظام انحيازها للضحايا الليبين وهو أمر مفتقد وغير مسبوق في سجل
أجهزة كان كل همها هو قهر وقمع المواطن الليبي. وفجأة تكتسب أجهزة الأمن
الليبية والاستخبارت والمحاكم واجهزة التحريات الجنائية وغير الجنائية "مصداقية
واحترام وثقة" لا مثيل لها، وتصبح صديقة للضحية الليبية بعد أن كانت الجزار.
وتصل المهزلة مداها عندما تدافع الجهات التي كانت ولا تزال
ضحية للمحاكم الليبية عن تلك المحاكم وتصف اجراءاتها واحكامها بالعادلة
وتدافع عن نتائج تلك المحاكمات وهي تعلم جيداً أن هذه المحاكم كانت ولا تزال
أجهزة في يد السلطفة التنفيذية وأنها لا تتمتع بأي استقلالية مهما كانت
الدعاوى بغير ذلك.
وهذا يدفعني إلى التساؤل عن سبب ذلك. هل هي العملية التطبيلية
ضد الغرب وضد الآخر وعقلية أنا وأبن عمي على الغريب حتى وإن كان ابن عمي هو
المجرم وليس الغريب.
هل يمكن أن تكون المحاكم الليبية متهمة عند النظر في قضية ما
ونزيهة عند النظر في أخرى لا لسبب ولكن لأننا نريدها أن تكون كذلك ؟ أن
النزيه هو عادة نزيه في أغلب الحالات إن لم يكن كلها أي "أنه يغلب على حاله
النزاهة". وغير النزيه هو عكس ذلك. وأنا لست في معرض الدفاع عن الممرضات
والطبيب ولكن في معرض القول أن الأمر ليس بالبساطة التي يريدوها البعض ولا
ليس بالشطارة التي يحاولون بيعها.
إن ضحايا مأساة الأيدز في ليبيا وذويهم في حالة إلى معرفة
الحقيقة. والحقيقة أنهم ضحايا اهمال واجرام بعض من بني جلدتهم وأبناء عمومتهم
الذين لم يراعوا فيهم إلا ولا ذمة. وباعوهم بثمن بخس، دينارات أو دولارات
معدودة وألقوا باللوم على البلغاريات كما ألقى اخوة يوسف باللوم على الذئب
المسكين. وإذا كانت الغيرة العمياء هي التي دفعت بهم لفعل ما عملوا فإن بني
عمومتهم كان دافعهم البخل وتكديس المال.
إن قبول أي مهني طبيّ بالعمل في أي مرفق طبي غير صالح لممارسة
الطب أو اعطائهم لدماء أو أمصال أو أدوية ملوّثة أو منتهية الصلاحية أو
القيام بعمل من شأنه أن يعرّض المرضى للخطر أو يزيد من خطورة حالاتهم هو أمر
يعاقب عليه القانون تحت بند التسيب وتعريض المرضى للخطر.
وإن كان هناك من تهمة يمكن توجيهها للممرضات والطبيب فهي هذه
التهمة خصوصا إن كانوا في شك ما قدّموه من دم أو مصل أو دواء. وهذه التهمة
يمكن أن يقع تحت طائلتها كذلك كل مهني طبيّ يمارس المهنة في ليبيا حالياً أو
مارسها في السابق وأدت ممارسته إلى وقوع مأساة أو مآسي.
إن المطلوب هو تحقيق كامل يتجاوز التجيير السياسي للمأساة.
تحقيق يمكن أن يُطلب فيه مساعدة أجهزة غير ليبيبة متخصصة ومحترفة من دول
صديقة مثل ألمانيا أو بريطانيا على سبيل المثال. وهذا امر مهم خصوصاً في
الوقت الذي يطالب فيه رأس الحكم في ليبيا بالشفافية ويطلب فيه من بطانته
السابقة اعلان توبتهم والتكفير عن خطاياهم. ومن المهم جداً التأكيد ان ما
يقوم به النظام الليبي تجاه هؤلاء الضحايا وعائلاتهم هو أقل من الواجب وهو
ليس تفضلاً منه على هؤلاء بل هو حق لهم.
إن أهم ما نتعلمه من هذه المأساة هو عدم تكرارها، فتضحية
الضحايا الصغار وعائلاتهم لا يجب ان تضيع سدى. يجب أن نقول "لن يحدث ذلك مرة
أخرى". وهذا يعني الغوص في وقائع المأساة ومعرفة الحقيقة لأن اعدام الممرضات
والطبيب لن يقي من تكرارها وإنما يزهق أرواحاً تضاف إلى ما تلك الأرواح
البريئة التي أزهقها الفيروس. كما أن مبادلتهم في "سوق النخاسة" لا يعني أن
مشكلة القطاع الصحي الليبي قد حُلّت وأن مآسي أخرى لن تحدُث. فما دام
المتاجرون بأرواح الليبين يتاجرون فالمشكلة لم تحل فما هو معروف في الطب أن
معالجة العرض لا تقضي على المرض.
إن عالم اليوم يعاني من كثير من الامراض التي يمكن ان تتحوّل
إلى أوبئة بسهولة مثل أنفلونزا الطيور ومرض السارس وغيرها، وفي غياب القطاع
الصحي القادر على تقديم الخدمات الصحية الأساسية بقيادة أطقم طبية قادرة فإن
الأخطار المحدقة بالمجتمع الليبي لا تزال كبيرة وحقيقية.
وبدل أن يخرج الليبيون في مظاهرات سياسية يطالبون بالموت (للبلغار)
ويلعنون أميركا والغرب ويتحدّون الضغوط "الإمبرالية" بشعارات عربية وقومية
واسلامية، ويتحولون إلى أداة في لعبة سياسية، بدل كل ذلك يمكن أن يطالبوا في
مظاهراتهم بحق الحياة (لأنفسهم وأولادهم) بالمطالبة بتجديد القطاع الصحي
وتوفير العناية الصحية الحقيقية للمواطن والتي هى من أبسط حقوقه الاساسية.
إن النظام الصحي في جزيرة صغيرة فقيرة مثل كوبا أفضل مئات
المرات مما هو متوفر للمواطن الليبي الذي تتمتّع بلاده بدخل نفطي ضخم.
فهل يا ترى يكف المتاجرون والمنتفعين عن المتاجرة سواء
بالمظاهرات أو البيانات أو المقالات أو أشرطة الفيديو، ويعود سكان الكهوف إلى
كهوفهم ولا يستخدموا المأساة في تصفية حساباتهم وخدمة أغراضهم.
|
|
|
libyaalmostakbal@yahoo.com