24/01/2006
 

 

 
بقلم: صلاح عبد العزيز
 
 
 
مع بدايات العِقد الخير من القرن الماضي "القرن العشرين" شهدت ليبيا موجة من الفكر الوافد من أفغانستان.. تمثلت في اعتماد أسلوب حرب عصابات مستلهماً نظرية (الكلب والبراغيث) (1) !! وللأسف الشديد تبنى هذه الأفكار بعض الشباب المتحمس للتغيير... كان من وراء هذا الفكر الوافد شخص سوري يُكَنَّى (أبو مصعب السوري) (2) صاحب الكتاب الأسود (التجربة السورية).. وأذكر أنني عندما أكملت قراءة هذا الكتاب.. تبلورت أمامي شخصية الكاتب والتي نسفت من خلال كتابها جُلَ علماء أمتنا الإسلامية!! و بنت لنفسها مجداً على أنقاض الآخرين...
 
وشهادة للتاريخ أذكرها هُنا لأول مرة.. أن شيوخ العمل الإسلامي المعروفين في مدينة بنغازي قد تَصَدُوا لهذا الوافد... ففي منزل الشيخ (مصطفى الجهاني) (3) كان الحديث يدور بين الداعية الإسلامي (إدريس ماضي) (4) والأخ (سعد الفرجاني) (5) أحد الشباب الذين اقتنعوا بفكرة أبي مصعب السوري واعتماد أسلوب حرب العصابات لإسقاط نظام الحكم القائم!! وعلى مدار أربع ساعات من النقاش الساخن.. عجز الشيخان "الجهاني وماضي" عن إثناء الفرجاني عن عزمه الخروج المُسلح ضد النظام... رغم تفنيدهم للفوارق الهامة بين تجربة كاسترو التي استدل بها الفرجاني وحيثيات الوضع الجغرافي والسياسي والعسكري الليبي.
 
العجيب في الأمر.. أني بعد حضور هذا الاجتماع بأسبوعين سمعت شريطاً لأبي مصعب السوري.. وإذا به نفس الكلام الحرفي الذي كان يحفظه (سعد الفرجاني) بالنص من ذلك الشريط!!
 
أنطلق من هذه الواقعة لأصل إلى مسألة أساء البعض فهمها من خلال تعرُضي لقضية (أحمد مصباح الورفلي) أحد أزلام النظام الحاكم في ليبيا في حقبة الثمانينيات من القرن العشرين... إذ قال البعض "إن تبرير قتل الورفلي.. هو بمثابة إعطاء الشرعية لأحداث( 1994م – 1995 م) بالخروج المسلح على الحاكم مع استحلال المال العام" !!
 
إن إبداء الرأي في قضية ما... لا يعني بالضرورة التسليم بصحة منطلقاتها ونتائجها... وفي رأيِ .. أن مقتل (أحمد مصباح) قضية انتهت بمقتله؛ وهو قد حفر قبره بيده.. ذلك أنه كان مُصراً على احتواء الأخ (علي عبد العزيز) – أحد الشباب المشهور لهم بالخير والصلاح على مستوى مدينة بنغازي –  وتجنيده لصالح اللجان الثورية اليد الضاربة للنظام الثوري .. فالمسألة أصبحت قضية حياة أو موت !! وعندما أقدمت مجموعة (علي عبد العزيز) على تصفية (الورفلي) لم يكونوا يمثلون القضاء الشرعي ولا السلطة الشرعية المنوط بها تنفيذ الأحكام... واستصحبوا فتوى الشيخ (اقطيط الحاسي) (6) القاضية بتنفيذ (حد الحِرابة) في حق (المفسدين في الأرض).. كذلك فإن نظام الحكم القائم الآن في ليبيا منذ سبتمبر عام 1969 ميلادي..و المتمثل في قيادته السياسية.. لا يُمثل أي شرعية في حِسٍِ شباب الصحوة آنذاك.. فالحدث هو قتل نفسٍ – ولكن: هل هو بحق أو بغير حقِ ؟! الإجابة بحاجة إلى وجود حكم شرعي للبلاد يفصل بين السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية.. فإذا ما حدثت واقعة مقتل (الورفلي) في ظل هذه السلطات الثلاثة.. فإن ميزان الحدث لن يُحدثَ لبساً.. والأمر كما قيل (يحدث للناس أقضية بقدر ما استحدثوا من فجور).
 
إن الأوضاع التي تعيشها بلادنا هي حقبة زمنية استثنائية .. بمعنى أن الحكم فيها يُخالف شرع الله تعالى.. وإقدام ثُلة من الشباب على تنفيذ حكم الله في غياب السلطة القضائية الشرعية...هو في حد ذاته افتئات عليها في وجودها... أما حين غيابها.. فالأصل هو حقن الدماء ما استطاع المرء إلى ذلك سبيلا... وخير مثال على ما تقدم.. هو ذاك الاجتماع الذي مَثَّل فكر الحركة الإسلامية الوسطية ومنهجها في التعامل مع الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها ليبيا.. وبين فكر وافد علينا؛ لا يرعى خصوصياتنا ولا المآسي التي تنجم عن تداعيات الخروج على الحاكم بالسلاح شباب لا يزيد عددهم عن الخمسين أمام دولة مدججة بالعتاد في مساحة جغرافية تبلغ (مليوني كيلو متراً مربعاً)..
 
فلا بُد إذاً من سُلطة شرعية تُطبق عدل السماء بين الورى.. متمثلة في سلطة قضائية مستقلة.. ومحاكم شرعية إسلامية... ترعى تحكيم شرع الله.. حقناً للدماء ورفعاً للظلم.
 
فمتى تحضر الفريضة الغائبة ؟ وتستقر في بلادي... حتى لا تتكرر واقعة (أحمد مصباح الورفلي) من جديد.. ولا يحدث افتئات على السلطة الشرعية الغائبة.
 
صلاح عبد العزيز -  جنيف - سويسرا
salahalimami@yahoo.com
 

(1) تستند النظرية إلى فرضية تقول: أن الكلب مهما كان ضخماً .. فإن انتشار البراغيث في بدنه كفيلة في نهاية الأمر بأن تقضي عليه .. وأن فيديل كاسترو الزعيم الكوبي قد قام بتطبيق هذه النظرية ضد الرئيس (باتسيستا) ولم يكن معه سوى 500 مقاتل !!
 
(2) أبو مصعب السوري هو اللقب الذي يحمله مصطفى عبد القادر مصطفى حسين الشيخ أحمد المزيك الجكيري الرفاعي، والذي تعرف عائلته باسم "ست مريم" نسبة إلى جدتهم. ولد في حلب عام 1958، وفيها درس الهندسة الميكانيكية. يعرف أيضاً باسم عمر عبد الحكيم. تعرف الشيخ أبو مصعب خلال الجهاد الأفغاني على الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز، صاحب كتابي "العمدة" و"الجامع"، واستفاد منه في تحصيله الشرعي، وكان أبو مصعب يتردد عليه دائماً ويعرض عليه كتاباته.
 
(3) وُلِدَ الأستاذ مصطفى علي الجهاني سنة 1933م بمدينة بنغازي وهو حفيد الحاج محمد الجهاني (خريج جامعة الأزهر الذي كان شيخ منطقة سلوق في أواخر العهد العثماني).
 
درس المراحل الدراسية الأولى التي ما قبل الجامعة كلها بمدينة بنغازي من سنة 1940 وحتى سنة 1952؛ ونظراً للظروف المعيشية في ذلك الوقت توقف عن الدراسة ليقوم بمساعدة والده في أعباء الحياة.. ثم واصل دراسته الجامعية في عام 1962م بكلية الآداب قسم لغة عربية وتخرج منها عام 1966م.
 
بدأ رحلته في العمل في مجالات كثيرة منذ عام 1940؛ وأول وظيفة إدارية تقلدها كانت بمصلحة البريد والبرق والهاتف متنقلاً بين مدينتي بنغازي وطرابلس؛ وفي عام 1966م – أي بعد تخرجه من الجامعة – عين موظفاً في مجلس النواب بمدينة البيضاء.
 
كان الأستاذ مصطفى الجهاني صديقا لكل الأجيال شيباً وشباباً... وكان لا يعير اهتماماً بالفوارق في الأعمار وعلاقاته الاجتماعية واسعة؛ و قد كان أيضاً اجتماعياً لا يغيب عن المناسبات حريصاً على صلة الرحم والتواصل بهم.. وكان حريصاً على أداء مناسكه وفروضه وناصحاً بها أهل بيته وأقاربه؛ وفي يوم سجنه عام 1995 عرف أنهم قادمون إليه فاستعد لهم بشجاعة وترك لأهله وصيته.
 
 في عام 2002 ميلادي قامت سلطات الأمن بإبلاغ أهله رسمياً عن خبر وفاته داخل سجن (أبو سليم) تواترت الأخبار لدينا أنه مات مقتولاً أثناء مذبحة أبي سليم الشهيرة عام 1996 ميلادي.  (عن كتاب – مذبحة أبو سليم – قيد الطبع – جمعية التضامن لحقوق الإنسان – بتصرف.
 
(4) الشيخ إدريس ماضي واحد من أبرز زعامات الحركة الإسلامية الليبية .. درس في مدرسة الأبيار الداخلية.. عمل بعدها مدرساً متنقلاً بين مدن و قرى ليبيا في الستينات.. ثم نشط في مجال المقاولات في السبعينيات و بعدها في حقل الزراعة.. كان خطيباً مفوهاً.. امتاز بالحكمة و فصل الخطاب.. ألقي القبض عليه في شهر مايو عام 1995 ميلادي.. ثم أودع السجن.. و بعد ستة أشهر من الإهمال والنسيان كان وباء السل قد تمكن من جسده.. فقضى شهيداً أوائل عام 1996 ميلادي.. وأخبرني من كان داخل سجن (أبو سليم) وعاصر حالة الوفاة.. أن السلطات لم تقم بتبليغ أهله ولا بتسليم جثمانه!!
 
(5) المهندس سعد الفرجاني.. تخرج من كلية النجم الساطع مع ثلة من الشباب الذين التفوا من حوله.. كان مولعاً بقراءة كتب الشيخ "سعيد حوى" رحمه الله.. جاداً ذا همة عالية.. تأثر بصهره النقيب (إدريس اللواطي) الذي نجح في جلب كتب وأشرطة (أبو مصعب السوري) وكتاب (العمدة في إعداد العُدة) من أفغانستان واستطاع أن يُقنع الأخ سعد ومن حوله بفكرة الخروج المسلح على النظام الحاكم..بدأ التنفيذ الفعلي عام 1994م.
 
- كانت المصادمات قد اشتعل أوارها بخطف أحد أفراد التنظيم المسلح (خالد البكشيشي) من مستشفى الجلاء – بنغازي.. قًتل الإثنان( سعد الفرجاني) و(إدريس اللواتي) بالقرب من مدينة درنة أثناء مداهمة لقوة عسكرية لمقر إقامتهما و ذلك نهاية عام 1995 ميلادية.
 
(6) كان الشيخ (اقطيط) من سكان حي بن يونس.. الحي الذي كان يقطنه أغلب الشباب الذين شاركوا في اغتيال الورفلي.. وكان يحوز على ثقتهم.. فلما عزموا على التخلص من (أحمد مصباح الورفلي) أفتى لهم الشيخ بجواز قتله بعلة الفساد في الأرض.. تعرض الشيخ للتعذيب والإهانة أمام عدسات الإذاعة المرئية بعد اغتيال الورفلي.. وأودع السجن... وبمجرد أن أطلق سراحه..هاجر وترك البلاد.
 

 


أرشيف الكاتب بموقع ليبيا المستقبل

مدونة الكاتب "ليبيا..... يا نغماً في خاطري"


 


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

تعليقات القراء:

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com