30/01/2007


      


لا يترك كل من نلتقيهم أثرا في نفوسنا.
 
ففي زحام الحياة وتسارعها يتراكم الجديد على القديم الذي يتوه بدوره بين ثنايا الذكريات، فتتلاشى ملامح وجوه عرفناها في الماضي، وتذهب أصوات كانت تملآ العالم من حولنا أدراج الرياح.
 
لا يبقى فى حياتنا من الآلاف الذين التقيناهم إلا البعض القليل يستمر وهجهم حولنا رغم غيابهم، وتبقى وجوههم مرتسمة بوضوح في عيوننا، وتصدح أصواتهم في آذاننا بقوة تتحدى الفناء.
 
عبد الرحيم صالح واحد من تلك القلة، الذي رغم رحيله منذ عامين لا زال يعيد إنتاج نفسه بوجهه المبتسم دائما وصوته الرصين ابدآ ليستمر توهجه، ليس في الذاكرة و لكن في الوعي.
 
انه من تلك القلة التي انطلق موقفها الرافض للاستبداد من موقع مؤمن بان الناس يولدون ولكل منهم الحق في الاختيار، وان القوة لا يمكن أن تكون أبدا مبررا لإلغاء الآخرين.
 
كما كان من تلك القلة التي تؤمن بان نقيض الاستبداد هو الديمقراطية القائمة على التسامح والعيش المشترك وقبول الآخر، على التعددية الفكرية و السياسية، على احترام حقوق الإنسان وحرياته العامة ،على سيادة القوانين التي يضعها الناس دون إجبارهم أو تزوير أرادتهم، على التداول السلمي للسلطة و على المواطنة التي يتساوى عندها الجميع.
 
وكان أيضا من تلك القلة التي تؤمن بحق الليبيين في الحياة الكريمة ، في حق رب الأسرة أن يخرج ساعيا وراء رزقه صباحا إلى السوق ليعود في المساء بما حققه لأسرة تعيش في بيت صحي دافئ، أسرة يذهب أطفالها آمنين إلى مدارس تؤهلهم بالفعل لبناء المستقبل، وتنعم برعاية صحية كاملة، كان عبد الرحيم يؤمن بحق الليبيين في طرد الفقر من ديارهم وتوطين الرخاء في ليبيا بشكل نهائي.
 
كذلك كان أيضا من تلك القلة التي تؤمن بمركزية دور العقل البشرى النقدي في صياغة مستقبلنا، دور العلم في مواجهة الخرافة وبناء ثقافة الحياة التي دونها لن يخرج مجتمعنا ابدآ من تخلفه الذي يعبر عن نفسه في الواقع ألظلامي الذي نعيشه، كان يقول " لا يمكن أن نبنى ديمقراطية بدون حداثة، فالديمقراطية ليست فقط آليات ولكنها ثقافة تقوم على إعمال العقل وانطلاق الأفكار وحوارها".
 
كان كذلك من تلك القلة التي تؤمن بالعمل السياسي العلني والسلمي، و بأهمية الخطاب السياسي في هذا الخضم، لذا كان دقيقا في اختيار التعبير ،واعيا للفرق بين الأهداف والغايات، مؤمنا بان الخلط بينها هو توجه ساذج إلى الخلف، كما كان عقله قادر على الربط بين الصورة العامة وبين التفاصيل، بل واستخلاص قوانين حركة الأحداث لفهم السياقات العامة للأمور.
 
كما كان مهذبا بعيدا عن الإسفاف ، قادر على النقاش الرصين والهادئ، لا يدعى كذبا على الآخرين ولا يدعى كذبا لنفسه ، يفهم الساحة الليبية جيدا، بغثها و سمينها، إلا انه ينأى بنفسه عن الخوض فيها.
 
وكان أخيرا زوجا وأبا وأخا عطوفا ورجلا شجاعا مقدما على الحياة.
 
لذا يبقى عبد الرحيم و سيبقى بيننا حتى وان رحل بجسده منذ عامين، لقد ترك لك ابوك الكثير مما يجب إن تفخر به يا صالح.
 
بوسطن في 28 يناير 2007
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com