مواقف القذافي من الإسلام
أهي انحراف وضلال، أم جزء من مخطط ؟!!
بقلم: إبراهيم عبدالعزيز
صهّد
العبثية والاستهتار هما الثنائي الثابت في سياسات وممارسات القذافي تجاه كل
الجوانب والأسس والركائز التي انبنت عليها حياة
الشعب الليبي.
فعلى امتداد حكم القذافي لم تنج مقدسات الشعب الليبي وقيمه ورموزه من تطاول
القذافي عليها عبثاً واستهتاراً، لم ينج من ذلك حتى ما كان موضع إجماع الشعب
الليبي على اختلاف شرائحة وأجياله.
وإذا كان هناك من حاول أن يوهمنا بأن الصبيانية وانعدام
الواعز والرقيب هي وحدها أسباب عبث القذافي واستهتاره، إلا أننا
نستطيع أن نقرر أن هذا المسلك إنما تكمن وراءه نوايا دفينة ومخططات مرسومة
وأهداف محددة تتمثل في هدم كل الصروح والقلاع التي تحفظ للشعب الليبي هويته
وتصون وحدته وتحافظ على تاريخه وتعزز مستقبله.
ولقد كان الإسلام أبرز ما استهدفه عبث القذافي واستهتاره ومحاولاته المستمرة
لنقض عراه ووشائجه وهدم أركانه وركائزه، ومن ثم إبعاده عن دائرة التأثير في
كل ما يرتبط بشؤون الشعب الليبي الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية
والتشريعية، بل وإبعاده حتى عن دائرة الشعائر التعبدية
المحضة.
وبدون شك فلم يكن القذافي أول من تطاول من الحكام
على الإسلام وحاول طمس معالمه وحارب دعاته وسعى لفك ارتباط الناس به، لكنه
يُعد أكثرهم اجتراء على مفهوم الدين واستخفافا به وبما يرتبط به. ولئن قصر
آخرون محاربتهم للإسلام في بعض نواحيه، فإن حملات القذافي التي شنها على
الإسلام قد اتصفت بالاستمرارية وشملت كل مفاهيم الإسلام وأركانه: عقيدة
وشريعة، وعبادات ومعاملات، وعلماء ودعاة، وتاريخ ومواقف وقضايا.
ولقد خاض القذافي معاركه مع الإسلام متبعاً
أسلوباً يغاير الأساليب التي اتبعها من سبقوه. ويتمثل هذا الأسلوب في التظاهر
بتبني المفاهيم الإسلامية ورفعها كشعارات براقة والعمل على تفريغها من
محتواها الحقيقي. وهذا الأسلوب ينطوي على خبث
بين، فهو يخدع العوام، ويقدم ذرائع للمنافقين والمنتفعين، ويعطي غطاء لضرب كل
من يمارس دوراً في التصدي لهذا المخطط باعتباره معادياً للشعارات المرفوعة.
وبدون شك فإن هذا الأسلوب أكثر خبثاً من الأسلوب
الآتاتوركي – الذي اتبعه كثير من الحكام – والذي لم يعد قادراً على
مواجهة دفق الصحوة الإسلامية النابض، وما تنشره من وعي يفضح مخططات المؤامرة
على الإسلام.
وقبل أن نستطرد لابد من الإشارة إلى جملة الخصائص
التالية التي حكمت وأحاطت بمواقف القذافي وسياساته وممارساته تجاه الإسلام:
1.فساد مستحكم –غير قابل للرتق والإصلاح – في تصور
القذافي لطبيعة الدين الإسلامي الحنيف وموقعه من حياة الأمة، مصحوب بإصرار
على التمسك بهذا التصور الفاسد وفرضه على جموع الأمة.
2.
إصرار القذافي على تبني المغالطة والسوقية المبتذلة أسلوبين في مواجهة
المفاهيم الصحيحة للإسلام، إلى حد النيل من هذه المفاهيم وتحقيرها والسخرية
منها، وانتهاجه العنف والإرهاب وسيلة لفرض آرائه السقيمة وتصوراته الفاسدة
ولقهر وقمع كل من حاول التصدي لها حتى ولو بإسداء النصح.
3.
حقد دفين تموج به نفس القذافي تجاه كل من يطرح النهج الإسلامي القويم من
العلماء والمفكرين والدعاة المعاصرين، ومن علماء السلف، ومن الأئمة
المجتهدين، ولم ينج من ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، بل لم ينج من ذلك حتى
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن مواقف القذافي من الإسلام بينة واضحة وتقف عليها شواهد من أقواله وأفعاله،
فلسنا والحالة هذه في حاجة إلى كثير من الإسهاب في وصف هذه المواقف أو إيضاح
مراميها أو دوافعها، غير أنه من المناسب الإشارة إليها بشيء من الإيجاز وخاصة
وأن القذافي لم يعدم – طيلة حكمه – من يتصدى للدفاع عن هذه المواقف ومن يبذل
المحاولات الخائبة لتسويغها وتسويقها.
الدين في رأي القذافي
تحدث
القذافي في أكثر من مناسبة عن رأيه في مفهوم الدين وماهيته وعلاقته بالناس
والحياة. وإذا كنا نلمس تناقضات واضحة في
أحاديثه عن مفهوم الدين ومعناه من مناسبة لأخرى، إلا أنه في جميع خطبه كان
يدور حول معان معينة تصب في قناة إبعاد الدين وتهميش
دوره:
فهو يريد ألا يكون للدين دخل في الحكم والسياسة فيقول " اسمعوا السلطة
السياسية إذا دخلنا فيها الدين يفسدوا الإثنين
…….. الذي يستغل الدين في السياسة فهو يستخدمه
كوسيلة من وسائل الخداع والتضليل لكي يحكم الناس".
وتحديداً فهو يؤكد على ضرورة قمع كل اتجاه يخالف هذا الرأي: "يعني أنا
بنأكد على أن ربط الدين بالسياسة وخلطهم هذا شيء
خطير ومرفوض ولابد أن يقاوم".
ليس هذا فقط بل إنه لا يريد أن ترتبط أمور الحكم
وسياسة الناس بالله، حيث يقول بالحرف الواحد: ""لا تربط هذه الأشياء بالله
أبداً، إذا ربطتها بالله حتى العقيدة نفسها تصاب بزلزال".
ولا يكفي إبعاد الدين عن سياسة أمور الناس، بل إن الدين – في رأيه – لا يعدو
أن يكون علاقة فردية بين الفرد وربه: "الدين في المستوى الاجتماعي لا يقود
إلى السياسة، وإنما هو علاقة بين الفرد وربه، وأخلاق في الأسرة وأخلاق
فردية". ليس هذا فقط بل إنه يريد لهذه العلاقة أن تكون مغرقة في السرية تلفها
الظلمة: ""إذا أردت أن تقوم بمسألة شخصية بينك وبين الله فيجب أن تفعل في
حجرة مظلمة ومغلقة بحيث لا يراك أحد، حتى وأنت تصلي أو تزكي أو تتعبد يجب أن
لا يكشفك أحد" وللتدليل على صحة هذا الرأي يورد القذافي عبارة ينسبها زوراً
وبهتاناً للدين: " الدين يقول للناس (اعبدوا الله سراً تدخلوا الجنة سراً)
وهذا يعني أن العبادة يجب أن تكون سراً". ولسنا ندري كيف يتأتى إقامة الصلاة
جماعة، أو كيف يؤدي المسلم مناسك الحج سراً وفي غرفة مظلمة، إن لم يكن المراد
حقيقة هو تعطيل هذه المناسك.
ليس هذا فقط، بل إن القذافي يرى في الدين عدواً
لدوداً للحرية وللعلم أيضاً، فبعد أن يقرر بأن "من الجهل من الناحية العلمية
أن يعتبر الدين له علاقة بالحرية" يعود في نفس الجملة فيقرر" الدين عدو لدود
للحرية ….. الحرية ما فيها اسجد اركع، أنا حر،
اخفض جناحك، أغضض بصرك، احفظ، الحرية ليس فيها تحفظ على شيء، لن أحفظ أي شيء،
ولن أغض بصري". أما عداء الدين للعلم فيورده القذافي في عبارة تقريرية:
" ... ومعروف أن
المجتمعات القبلية والدينية لا تنجح عملياً، ولا تزدهر فيها الديموقراطية ولا
تتحقق فيها المساواة، وبالتالي لا يمكن في مجتمع يحكم باسم الدين إمكانية لأن
تتحقق عدالة ولا ديموقراطية ولا بحث علمي". ولسنا بصدد مناقشة القذافي في
أقواله التي تجرد الدين من كل معاني الخير من عدل وحرية وتقدم في مجال العلم
والمعرفة، فهذه الأقوال لا تختلف عن شعار الشيوعية المعروف " الدين أفيون
الشعوب" إلا في أمر واحد أن القذافي يطلق أقاويله تلك زاعماً أنه ينتمي إلى
أمة الإسلام التي كرمها الله بهذا الدين وجمعها ووحدها تحت مظلته. إن تاريخ
الإسلام وإنجازات أبنائه العملاقة في شتى مجالات العلم والمعرفة التي قد حدثت
يوم كان الإسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة ونظام حكم قد استقر في القلوب وحمل
أبناءه مشاعل العلم والمعرفة أنارت دياجر ظلمات
أوروبا. وهذه الإنجازات لم ينكرها حتى من ناصبوا
الإسلام العداء، فما بال القذافي يسابق هؤلاء الأعداء فيسبقهم طعنا في
الإسلام الذي كان العدل أحد مقاصده:
"وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"
النساء: 58،
والذي جعل الاستزادة في العلم منهجاً قويماً
"وقل رب زدني
علماً"
الإسراء: 114،(من سلك طريقاً يطلب فيه علماً
سلك الله به طريقاً إلى الجنة)
- صحيح مسلم،
والذي فضل أصحاب العلم عن غيرهم
"قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون"
الزمر: 9،
والذي دعى إلى التفكر وإعمال العقل والنظر
"كذلك نفصل الآيات لقوم
يتفكرون"
يونس: 24.
الشريعة في رأي القذافي
أما آراء
القذافي السقيمة حول الشريعة فهي خليط من المغالطات والأكاذيب المكشوفة التي
تدل على حقد صاحبها على الصرح الكبير الذي خلفه الفقهاء المسلمون في
استنباطاتهم واجتهاداتهم التي أسسوها على القرآن
والسنة وأبعدوها عن الهوى والرأي، ووضعوا لها من الضوابط والمعايير التي تكفل
سلامة المنهج ودقة الاستنتاج. وعلاوة على ذلك فإن آراء القذافي وأقواله حول
الشريعة تشكل محاولات مكشوفة وفاشلة لتسفيه وقمع كل من يطالب بإعمال الشريعة
وتطبيقها، فهو تارة يصف الشريعة بأنها لا يمكن أن تنسب للدين: "ما يسمى الآن
بالشريعة الإسلامية، هذا لا يمكن أن ينسب للدين". وتارة أخرى يصفها بأنها
قانون وضعي: "أنا أعتبر الشريعة الإسلامية مذهب فقهي وضعي، شأنه شأن القانون
الروماني، قانون نابليون، وكل القوانين الأخرى التي وضعها الفقهاء الفرنسيون
أو الطليان أو الإنجليز أو المسلمون".
ولا يكتفي
باجتثاث الشريعة من جذورها وأصولها، بل يفتري
عليها فرية أقبح من سابقتها: "ما يسمى الآن بالشريعة الإسلامية عبارة عن كتب
وضعية واجتهاداتوتأليفات
قام بها بعض الناس مثل الغزالي وابن سينا والفارابي وأهل الصفا والمعتزلة، كل
واحد منهم ألف وجميعهم أخذ من اليونانية" ولا يخفى فساد وخبث إقحام بعض هذه
الأسماء على أنهم "مؤلفي" الشريعة ثم القول بأخذهم عن اليونانية، لكن القذافي
يعود في مناسبة أخرى ليتحفنا بفرية أخرى حين زعم أن الشريعة الإسلامية "كلها
وضعها أجانب". ولا يكتفي بهذا بل يعلن مفهوماً جديداُ لمصطلح الشريعة فيقول:
"عندما أقول الشريعة الإسلامية أنا أقصد القرآن فقط" وكأني بالإمام ابن حزم
يحذر من أمثال القذافي حين قال: "ولو أن أمرأ
قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن، لكان كافراً بإجماع الأمة"1.
وإذا
تركنا هذا الطرح القاصر لمفهوم الشريعة وحاولنا التعرف على موقف القذافي من
القرآن نفسه فإننا سنرى أسلوب القذافي في رفع الشعارات وتفريغها من محتواها
يتبدى بكل بشاعته.
موقف
القذافي من القرآن الكريم
يدعي
القذافي أن جماهيريته تطبق القرآن تحت شعار "القرآن شريعة المجتمع"، ويعلن عن
رفضه لأي مصدر تشريعي آخر من سنة وإجماع وإجتهاد،
لكن القرآن نفسه لم يسلم من عدوان القذافي المتكرر والذي شمل الاجتراء على
إنكار ما جاء بالقرآن من احكام وأبرزها إنكار
السنة، كما تطاول على بعض أياته بتفسيرات تتفق
مع أهوائه ونزعاته الفاسدة، وتأويل آيات أخرى تأويلات
ما أنزل الله بها من سلطان، بل ومحاولة تحريف القرآن بحذف كلمات منه.
ليس هذا فقط بل إن القذافي لم يتوقف عن محاولاته
الرامية إلى انتهاك قداسة القرآن وإقصائه عن مكانته المحورية في حياة
المسلمين الفردية والجماعية. إن عدوان القذافي
على القرآن الكريم عدوان آثم وخطير المرامي وقد لا يسعفنا حيز هذه المقالة
لكشف جوانبه كلها، لكننا نكتفي بالإشارة إلى بعضها.
وأول هذه
الجوانب أن القذافي الذي أكثر من التبجح بشعار "القرآن شريعة المجتمع" ادعى
في مناسبات متعددة أن القرآن لا يشمل علاجاً لما يعترض حياتنا من مشاكل
فيقول: "أنا لا أعرف أن فيه كتاب دين إلا القرآن الكريم، والقرآن أقول لكم
عليه، إذا تصفحناه لا نجده يتحدث عن المشاكل التي نحن نحكم بها المجتمع، نحن
كبشر نحكم أنفسنا، القرآن لم يتحدث عن هذه القضايا كلها، حتى العقوبات في
الدنيا محددة بثلاث أو أربعة، جريمة فيها قطع اليد وجريمة فيها الجلد".
ويقول في
مناسبة أخرى: "إذا كنا نحن مجتمعين في ظل القرآن، وشريعتنا القرآن، ونحن أمة
القرآن، القرآن لا يتكلم عن الجيش، ولا يتكلم عن الحكومة، ولا يتكلم عن
الوزارة، لا يتكلم عن البرلمان، ولا يتكلم عن النيابة، ولا يتكلم عن أحزاب".
ويقرر في مناسبة أخرى "إذن القرآن جزء منه قليل
هو الذي نستطيع أن نحكم به في المجتمع أما الباقي أشياء تتعلق بيوم القيامة".
وإذا كان
الكتاب الذي يستقي منه المجتمع شريعته قاصراً هذا القصور الذي يدعيه القذافي،
فما هي المصادر الأخرى التي ينبغي أن تؤسس عليها حياة هذا المجتمع الذي يقوده
القذافي؟.
هنا يتجرأ
القذافي بالتطاول على تفسير كتاب الله وتأويله بغير علم ولا دراية في محاولة
فاجرة لإضفاء شرعية على ترهاته الحمقاء الواردة في كتيبه الأغبر السقيم،
فيقول: "إن هذا الكتاب (المقصود هنا الجزء الأول من الكتاب الأخضر) ترجمة أو
تفسير لآية واحدة من القرآن الكريم، وهي (وأمرهم شورى بينهم) إذ لا معنى عملي
لهذه الآية إلا بقيام المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية والنقابات المهنية".
ومع هذا الإفتراء الفاضح على القرآن يعود
القذافي فيقرر: "الكتاب الأخضر لم يقل بالإسلام ديناً، ولا بالقرآن شريعة".
والقذافي الذي سخر في أكثر من مناسبة من العلماء
الجهابذة والمفسرين الأعلام لم يرع للقرآن حرمته وقداسته كونه كلام الله
الخالق الباري، ولم يرعو عن التصدي لتفسير
القرآن وفقاً لأهوائه المريضة ويحمّل الآيات ما لا تحمل من معاني: الأمثلة
لذلك كثيرة ولكننا نورد أحدها على سبيل المثال. فقد
تجنى القذافي على سورة المسد فقال بالحرف الواحد: " (تبت يدا أبي لهب وتب)
لماذا؟ (ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى ناراً ذات لهب) لماذا
يسبه الله؟ لأنه كافر رفض أن يؤمن بدعوة الحق.
لماذا رفض؟ لأنه غني. من قال هذا؟ الله قال ذلك
(ما أغنى عنه ماله وما كسب) واضح أن أبا لهب هذا غني.
ولأنه غني كانت أذناه وعيناه مغلقة وقلبه مغلق ولا يسمع كلمة الحق".
ثم كان من تطاول القذافي على القرآن ما ردده في إحدى خطبه من
ان فعل الأمر "قل" الوارد في سور الإخلاص
والمعوذتين هو أمر موجه للنبي، واستجابتنا للأمر تقضي أن نحذف هذا الفعل
ونقرأ السورة بدونه. ونورد هنا ما قاله الدكتور
جابر قميحة حول
هذ الموضوع بعد أن أشار إلى أن هذا الفعل ورد في
القرآن الكريم 322 مرة بصيغة المفرد في 57 سورة من القرآن وهذا العدد
يمثل نصف سور القرآن: "وهذا يعني أن تنفيذ أمر القذافي يؤدي إلى العبث بنصف
القرآن"2
.
ومن البداهة
القول بأن تفسير القرآن وتأويل آياته أمر لا ينبغي إلا لمن توفرت فيه شروط
حددها العلماء من أهمها "صحة الاعتقاد والتجرد عن الهوى ودقة الفهم والعلم
باللغة العربية وفروعها، وأصول العلوم المتصلة بالقرآن، والاعتماد بصفة
أساسية في التفسير على القرآن نفسه ثم على السنة ثم أقوال الصحابة
والتابعين". وعلاوة على ذلك بين العلماء أنواع
العلوم التي ينبغي توافرها في المفسر هي: "اللغة، والنحو والصرف، وعلوم
البلاغة، وعلم أصول الفقه، وعلم التوحيد، ومعرفة أسباب النزول، والقصص،
والناسخ المنسوخ، والأحاديث المبينة للمجمل والمبهم"3.
ولم يُعرف عن القذافي إلمامه بأي من هذه العلوم
أو استيفائه لأي من تلك الشروط. ولعلنا نطرح التساؤلات التي ينبغي لكل مسلم
أن يطرحها: هل القذافي حقيقة لا يعرف ما يحويه القرآن من
احكام في المجالات الجنائية والمالية
والاقتصادية، وفي تنظيم الأسرة والمواريث وغيرها من الأحكام، فضلاً عن
الأحكام التي تتعلق بالعقيدة وبالعبادات والمناسك؟. فهو إذن لم يقرأ القرآن
أم على قلوب أقفالها؟. وهل يجهل
القذافي حقيقة وجوب توفر شروط لمن يتصدى للتفسير؟
أم أنه يدعي زوراً توفر هذه الشروط فيه؟. ولِمَ
لم يرجع إلى كتب التفسير وإلى أهل العلم والمعرفة؟. أم أن تطاوله على تفسير
القرآن بغير علم هو من قبيل اجتراءاته على كل
مقدساتنا من أجل تحقيق أهداف دنيئة ليس أقلها مسخ هذه المقدسات وانتهاك
حرمتها؟ ثم ما هو الهدف الأبعد لكل ذلك؟. وصدق الله:
"فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه
ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله"
آل عمران: 7.
وفي الحديث: (ما أخرجه الطبراني – في الأوسط – عن عمر
رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أكثر ما
أخافه على أمتي من بعدي: رجل يتأول القرآن، يضعه على غير موضعه")4.
موقف القذافي من السُّنة
ولم يكن
غريباً على القذافي الذي تطاول على كتاب الله وأنكر
المعلوم منه بالضرورة أن يمد عدوانه على السنة المطهرة على صاحبها أفضل
الصلاة وأزكى السلام. وقد سبق القذافي أقوام من الزنادقة ومن غلاة أتباع
الفرق الخارجة عن الملة وبعض المستشرقين في محاولة النيل من السنة بشتى
انواع الكيد، ولكن عدوان القذافي على السنة بدون
شك قد فاقهم مكاءوتصدية،
وجراءة آثمة منكرة على الحرمات. فهو قد أنكر
علانية حجية السنة ودورها في الدين عقيدة وشريعة ومعاملات وعبادات، وشكك في
صحة الحديث النبوي طاعنا في ما وصلنا من صحيحه،
ولم يسلم من هذا التطاول لا رسول الله و لا صحابته الكرام رضوان الله عليهم.
بل إن القذافي قد نصب نفسه، وهو من هو من عدم دراية وقلة معرفة، ليقرر لنا
ليس فقط ما يجوز وما لا يجوز أن يعتد به من احاديث،
بل ويضع تصنيفات فاسدة للحديث ضارباً بعرض الحائط كل ما وضعه العلماء من أسس
انبنت عليها علوم الحديث ومصطلحه.
ولسنا في
مجال تعقب أقوال القذافي ومواقفه العدائية تجاه
السنة فهي كثيرة، لكننا نشير إلى بعضها حتى يتبين الدرك السحيق الذي بلغه
القذافي.
ففي مجال
إنكاره لأن تكون السنة مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي، يقول: "نحن لا نعتد
إلا بالقرآن فقط، مهمة النبي أن يوصل لنا القرآن، وبمجرد ما تم القرآن مات
النبي، هذا الدين كله في القرآن وبالتالي يأتي إليك واحد باسم الدين أقطع
رقبته على طول" ويدعي القذافي بكل صفاقة واجتراء بأن القرآن "ما قال له (أي
للنبي) اجتهد، قل لهم أي شيء، أبداً كان يقول له بلغ الرسالة، احذر أن تخرج
عن القرآن، احذر أن تزيد قولاً آخر عن القرآن" ثم يعود القذافي في مناسبة
أخرى ليدعي: "الرسالة هي القرآن فقط لا غيرها. النبي لم يكن يبلغنا بشيء إلا
عن القرآن، وعندما انتهى القرآن مات النبي لأن مهمته انتهت" ثم يجادل متبعاً
أهواءه ومخططاته "هل فيه نص في القرآن كله على أن النبي قال: الكلام الذي أنا
قلته لازم تتبعوه" ثم يعلن بكل صفاقة بأن تطبيق السنة
واتباع حديث الرسول شرك: "من الذي أتى وقال حديث النبي هذا لابد
نمشوا به ونقدسوه
مثل القرآن، هذا شرك طبعاً".
فالأمر ليس اجتراء على السنة فحسب بل هو كذب
متعمد على رسول الله وعلى القرآن الذي أنزله عليه رب العالمين. ولكن لا يبقي
القذافي أدنى شك في أبعاد نواياه نراه قد اختلق تعريفاً للسنة: "السنة ليست
الحديث .... فسنة الرسول في الفقه الإسلامي ليست
أحاديث الرسول على الإطلاق، والذي يعرفها بأنها
الحديث فهو جاهل ولا يعرف معنى اللغة". ولم يقل
لنا القذافي ما هي الوسيلة إذن التي تمكنا بها من معرفة سنة الرسول r
؟.
ولا يكتفي
القذافي بذلك بل يشن حملة شعواء مشككاً في
الحديث النبوي فيقول: "الحديث موجود الآن في كتب، وهو تراث إسلامي، وتراث
ديني أيضاً، كل واحد منا حر في تطبيق الحديث، وكل واحد يحكم عقله فيما
يستحسنه من هذه الأحاديث يأخذ بها، والتي يراها ضعيفة مكذوبة، لا لزوم لها
يتركها". إذن هو تغليب الهوى والحكم بالرأي بدلاً
من المنهج والموازين والمعايير التي وضعها العلماء. ليس هذا فقط بل إنه يحذر
من الحديث: "مسألة الحديث عليها علامة استفهام كبيرة" أما مصدر الأحاديث –
دون تحديد – فيوعزها القذافي إلى صراع بين أحزاب
سياسية: "يعني الفاسق لا يتورع أن يؤلف حديثاً وينسبه إلى الرسول ليدلل على
أن موقف قائد هذا الحزب أو الفرقة صحيح. وهكذا ظهرت الأحاديث".
هذه بعض مواقف القذافي وأقواله من السنة، وهي
تكشف ما يعتمل في نفسه من جهالة ومن تصميم على محاربة السنة وما حوته من منهج
يحفظ على المسلمين دينهم ويوجههم نحو سعادة الدارين: الدنيا والآخرة. وإزاء
ذلك نرى لزاماً أن نشير بإيجاز شديد إلى المعنى
الإصطلاحي للسنة، وأقسامها ودورها ومكانتها، وواجب
المسلم تجاهها، ثم إلى حكم من ينكر حجية
السنة.
السُّنة
اصطلاحاً وأقساماً
ومعلوم أن
علماء الشريعة جميعهم اتفقوا على أن: "السنة مصدر للدين عقيدة وشريعة ....
وأنها يستمد منها الأحكام التكليفية الخمسة، فهي
تأمر بالواجب، وتحض على المندوب، وترشد إلى المباح، وتحذر من المكروه، وتنهى
عن الحرام"5،
بل إن السنة لا تخرج عن نوعين: وحي، وما هو بمنزلة الوحي: "إذ ليست السنة إلا
مجرد بيان للقرآن، اعلم أن النبي r
هو المعبر عن القرآن الدال على معانيه بما علمه الله فكانت أقواله وأفعاله
وتقريراته كلها وحياً"6.
والسنة منها ما جاء مؤكداً لأحكام وردت في
القرآن، ومنها ما جاء مبيناً للقرآن، ومنها ما جاء بتشريعات مستقلة لم يرد
بالقرآن نص عليها.
ويقسم
العلماء السنة من حيث صدورها عن النبي r
إلى أقسام أربع: قولية وفعلية وتقريرية
ووصفية، "إن أهل علم الحديث قسموا السنن المضافة
إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً وتقريراً وصفة إلى
أقسام ....)7.
أما الأدلة الواردة في القرآن الكريم فقد تمثلت في كثير من الآيات الدالة على
وجوب اتباع النبي والمحذرة من مخالفته،
"وأطيعوا الله وأطيعوا
الرسول واحذروا.."
المائدة: 92،"وما آتاكم الرسول فخذوه
وما نهاكم عنه فاتنهوا"
الحشر: 7.
وكثير من الآيات التي توجب الإيمان به وما يتبع ذلك من تصديق وتسليم وإذعان
لحكمه، "فلا وربك لا
يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت
ويسلموا تسليما"
النساء: 65،
بل إن آيات من القرآن الكريم صريحة النص في أن الرسول أُنزل عليه أمرين من
ربه: الكتاب والحكمة، وأمر بأن يبلغ كليهما:
"وأنزل عليك الكتاب
والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما"
النساء: 113،
"لقد من الله على المؤمنين
إذ بعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة
وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين"
آل عمران: 164.
وقد فسر العلماء الحكمة على أنها السنة. هذا علاوة على الآيات الدالة على
وجوب الاقتداء برسول الله والتأسي بسنته
"لقد كان لكم في رسول الله
أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا"
الاحزاب:
21.
أدلة من السُّنة
أما الأدلة
الواردة في السنة فتتمثل في كثير من الأحاديث التي يأمر فيها رسول الله
باتباع سنته والتمسك بها، (عليكم بسنتي وسنة
الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها
بالنواجذ ....)9.
بل إن الرسول أمر بسماع السنة
وحفظها ونشرها بين الناس، (نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها،
فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)10،
وحديث (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عني ولا تكذبوا)11.
إجماع الأمة على حجية السنة
أما أدلة الإجماع على حجية السنة
فنجدها في "إجماع المسلمين سلفاً وخلفاً، منذ عهد الصحابة الكرام على أن
السنة الثابتة عن النبي حجة شرعية موجبة لاعتقاد مضمونها والعمل بمقتضاها،
ولم ينازع في ذلك أحد من أهل الإسلام"12.
تعذر العمل بالقرآن وحده
وبعد ذلك
كله فإن من الثابت أن القرآن الكريم لم يفصل لنا كثيراً من الأحكام. بل إن
السنة هي التي فصلت لنا هذه الأحكام وأبانتها:
"وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم
ولعلهم يتفكرون"
النحل: 44،
وفي حديث أخرجه الخطيب أن عمران بن حصين رضى
الله عنه كان جالساً ومعه أصحابه، فقال رجل من القوم لا تحدثونا إلا بالقرآن،
فقال ابن حصين: "أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد الطواف
بالبيت سبعاً، والطواف بالصفا والمروة؟"13.
ومن هنا قال أهل العلم بأن ادعاء الاقتصار على
القرآن وحده هو "واحد من طرق الأعداء لنسف الدين من أساسه لأنهم يعرفون أن
القرآن وحده لا يكفي لعبادة الله كما أمر وشرع"14.
ليس هذا فقط بل إننا نجد أن السنة
استقلت بأحكام شرعية لم ينص عليها القرآن الكريم، ومن هذه الأحكام: "إثبات
ميراث الجدة، ومشروعية الشفعة، والمساقاة،
وتحريم الجمع بين المرأة
وعمتها ... وغير ذلك كثير"15.
حكم منكر حجية السنة
أما كفر منكر حجية السنة وخروجه من
الملة فهو موضع إجماع أهل العلم:
ففي كتاب حجية السنة للدكتور
شواط: "أن من أنكر حجية السنة فقد كفر وخرج من
الملة، لا تنفعه صلاة ولا صوم ولا زكاة، ولا غيرها من
القربات، بل كيف يصوم ويصلي ويزكي وإنما أثبتت تفاصيل أحكام الصلاة
والصوم والزكاة في السنة المطهرة؟"16.
وقال الإمام
الشوكاني: "إن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتقرير الأحكام
ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام"17.
وأقوال
العلماء كثيرة ومتفقة في حكم من أنكر حجية السنة، ولا نستطيع
الإحاطة بها في هذه العجالة.
حفظ السنة: جمعاً وتوثيقاً وتحقيقاً
بقيت مسألة: فالقذافي مثله مثل من
سبقوه في سعيهم الخائب إلى إبعاد السنة وتجريدها من حجيتها قد
لجؤوا إلى التشكيك والطعن فيما وصلنا منها، وها
هو القذافي يردد هذا المسعى الخائب: "لو عرفنا مثلاً أن هذا الحديث قاله
الرسول نأخذ به على رأسنا مثل القرآن. ولكن المعضلة أين ما قاله الرسول وأين
الذي لم يقله"، وفي مناسبة أخرى: " لكن المشكلة أن الرسول
متوفي، والكلام الموجود مكتوب في
كتب .... وأنا الآن
لو أذكر لكم عدداً من الأحاديث المتناقضة سندخل الشك عند كل واحد منكم في
الحديث، وتقولون فعلاً: الحديث يجب عدم الاقتراب منه".
ومحاولات التشكيك البائسة هذه
خائبة ومردود عليها سلفاً.
فكما هو معلوم فإن السنة قد وصلت إلينا عبر القرون محفوظة في الصدور
ثم من خلال التدوين والتصنيف، "فقد نقل لنا رواة الحديث أقوال الرسول
(ص)
في الشؤون كلها العظيمة واليسيرة"18.
وحقيقة الأمر الذي لا ينكره إلا معاند في قلبه
مرض أن الصحابة والتابعين قد نهضوا للعناية بالسنة توثيقاً
وحفظاً، ولم يكتفوا بجمع الحديث من صدور الرجال بل ضربوا أكباد الإبل
إلى كل فج عميق مرتحلين طلباً للحديث. ليس هذا فقط بل إنهم وضعوا قواعد
ومعايير غاية في الدقة والصرامة والإحكام من أجل "الذب عن حديث الرسول
(ص)
، وتمييز صحيحه من منحوله،
ومقبوله من مدخوله"19.
وقد تطورت هذه المعايير والقواعد وتأصلت ثم
استقرت على هيئة جملة من العلوم التي تُعنى بكل ما يتصل بالحديث متناً وسنداً
ومصطلحاً، وأُخضع رواة الحديث إلى علوم الجرح والتعديل. ويحكي لنا تاريخ
السنة كيف تصدى العلماء لمحاولات الوضع، وكيف قاوموا
محاولات الوضع باتباع " أدق الوسائل العلمية
ومبتكرين أضبط القواعد المنهجية"20.
ثم جاء دور التصنيف، فأخرج لنا العلماء الجهابذة أنواعاً من التصنيفات أحاطت
بالسنة من كل جانب وشكلت نسقاً فريداً جمع بين إحكام التوثيق وتكامل التصنيف
لتشكل في مجموعها موسوعة سبقت عصر الموسوعات ونظاماً
تبويبياً سبق عصر الحاسوب. وهكذا ظهرت الجوامع
والمسانيدوالموطآت وغيرها من
التصنيفات،وانبرى علماء أجلاء لتقديم شروح وافية لأحاديث الرسول
(ص). ومجمل
القول في هذه المسألة أن تاريخ البشرية
لم يعرف تراثاً تم توثيقه وحفظه وتحقيقه وتأصيله بالقدر الذي
عني به أتباع محمد بسنة نبيهم وأحاديثه الشريفة. بل
إن ما حظيت به السنة من توثيق وإسناد قد فاق توثيق وإسناد التوراة والأناجيل
المعروفة اليوم.
ولكن يقيناً فإن القذافي لم يتوقف ولو للحظة واحدة أمام أدلة
حجية السنة، ولم يكلف نفسه عناء فحص هذه الأدلة، ولم يهتم البتة لما بذله
الصحابة والتابعون من جهود لجمع وتوثيق وتبويب وتصنيف السنة المطهرة، ولم يلق
بالاً للمعايير الدقيقة والضوابط المحكمة التي وضعها علماء هذه الأمة، نقول
بأنه لم يهتم لكل ذلك وإنما سار بكل عناد وراء أهوائه في خدمة مخطط قديم حديث
يرمي إلى إخراج السنة من حلبة الحياة الإسلامية. وهذا ما يؤكد الجدل العقيم
الباطل الذي انخرط القذافي فيه محاولاً طمس الحقائق الدامغة متتبعاً
أسلافة الذين وصفهم الرحمن بقوله:
"إن الذين يجادلون في آيات
الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم
ببالغيه" غافر: 56. ولهذا فهو لم يصغ إلى الأصوات الناصحة
والمنتقدة والمحذرة، وإنما استمر على عناده وتولى كبره وصدق فيه قول المولى
جل وعلا: "إنا جعلنا على
قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا، وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً
أبدا) الكاهف:
57.
موقف القذافي من الصحابة
ولكي تتكامل صورة المخطط الذي
يخدمه القذافي لا بد لنا من أن نعرض ولو بإيجاز إلى الحملات الضارية التي
يشنها القذافي ضد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وضد الأئمة المجتهدين من
التابعين ومن علماء السلف. وهي الحملات التي ليس لها من تبرير سوى كونها
محاولات بائسة مستميتة حاقدة لهدم رموز شامخة وللنيل من أوتاد راسخة، إنها
باختصار محاولة هدم الجيل الاول "الجيل المؤسس"
الذي بنى الإسلام لبنة فوق لبنة، وتشويههم والطعن في دينهم ودورهم الريادي.
وقد سبق القذافي في هذا المسعى الآثيم أقوام
باءوا بالخيبة والبوار في الدنيا والآخرة، وقد
قال مالك رضي الله عنه: إنما هؤلاء أقوام أرداوا
القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه حتى
يقال: "رجل سوء ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين".
لكن القذافي فاق هؤلاء فتطاول
على كبار الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم،
فزعم بأن أبا بكر لم يكن خليفة لرسول الله: "وإن أبا بكر الذي قالوا عنه إنه
خليفة رسول الله هو ليس خليفة رسول الله". ووصف
عمر بأنه ديكتاتور "ومعروف أن عمر بن الخطاب كما يصفه لنا التاريخ أنه
ديكتاتور عادل". أما عثمان فبعد أن نفى القذافي عنه خلافته للرسول صلى الله
عليه وسلم، نفى صلاحيته للحكم: ""لكن عثمان لا يصلح للحكم لأنه
ارستقراطي". ثم ينفي
أن يكون علياً من المبشرين بالجنة: "أما علي مبشر بالجنة، ليس لدينا دليل، لا
على عشرة ولا سبعة ولا ثمانية مبشرين بالجنة". ثم
ينبري القذافي بكل وقاحة ليطعن في مؤسسة الخلافة الراشدة ومن تولاها من
الراشدين الأعلام رضوان الله عليهم، فيصف الخلافة بأنها: "... بل هذه بدعة
وهذه ضلالة منذ أن قامت بعد وفاة الرسول". ويقول
أيضاً: "إن رسول الله بريء من الخلفاء الذين أتوا من بعده.
إذا كان علي خليفة رسول الله فلماذا قاتله نصف
المسلمون وقتلوه وقتلوا أولاده من بعده". ثم يكون أكثر وقاحة وتطاولاً:
"وعندما تحول أصحاب رسول الله إلى حكام ديس
عليهم بالأقدام باعتبارهم حكام مدنيين، لقد قتل عثمان باعتباره رئيس جمهورية
أو ملكاً، وتحول عمر بعدالته إلى أمير وقلد الفرس والروم وقتل، وقاتل
المسلمون علياً، وانشق عليه أقرب الناس من أتباعه وأصحابه، لماذا؟
لأنه طمع في السلطة وأراد أن يكون رئيس جمهورية،
ولو أن محمداً تحول إلى رئيس جمهورية لتخلت عنه الناس لكنه مات وهو نبي".
ولا نعلم أحداً أوغل إلى هذا الدرك الأسفل في
الاجتراء على الرسول الكريم والكذب عليه، والتطاول على صحابته الكرام
والاستخفاف بمقاماتهم حتى من أولئك الغلاة في حقدهم على الإسلام وأهله. لكن
القذافي لا يعرف حداً تتوقف عنده أراجيفه وأكاذيبه فيقول: " "لأن أيام
الخلفاء المرأة كانت تباع وتشترى، وبيوت الخلفاء
كانت مليانة بالجواري، خلفاء رسول الله لم
يكونوا يعاملونها كإنسانة
.. المرأة لم
تكن مضطهدة قبل المرحلة الدينية، أدعياء الدين هم الذين اضطهدوها لكي يحققوا
رغباتهم ويتحكموا في عباد الله باسم الدين". وليست هذه هي الفرية الوحيدة
التي يقترفها القذافي فها هو يدعي فرية أخرى ينسبها للتاريخ: "التاريخ الآن
يكشف كم كان الخلفاء والأئمة ومتاعين الدين
والقساوسة كم كانوا فاسقين وكانوا فاسدين".
وأسلوب
القذافي في التعريض بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستخفاف بهم
وبمقاماتهم ينطوي على حقد بيِّن تحمله نفسية القذافي المريضة تجاه هؤلاء
الذين وصفهم القرآن الكريم بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم.
أما
الأئمة المجتهدين والعلماء فقد نالوا من القذافي شتى أنواع القدح والشتم ضمن
مسعاه الآثم في تدمير أسس الدين وركائزه ورموزه. وهؤلاء الأئمة والعلماء
ليسوا سوى أولئك الرجال الذين صرفوا كل حياتهم في خدمة دين الإسلام حفظاً
للعقيدة، وذوداً عن الشريعة، واستباطاً للأحكام
بما يتفق مع مقاصد الشريعة. إنهم أولئك الذين
خلَّفوا للأمة وللعالم صرحاً شامخاً من العلم والمعرفة، وكانوا نماذج متميزة
في العطاء. لكن القذافي الذي لم يتورع عن قدح الرسول الكريم r
وصحابته الكرام، لم يجد رادعاً من دين او خلق في
أن يتطاول ليس فقط على هؤلاء الأئمة والعلماء في أشخاصهم، بل إنه طعن في
دينهم وفيما خلفوه لنا من علم، بل إنه طعن اجتهاداتهم:
" المذاهب، هذا مالكي وهذا شيعي وهذا سني وهذا حنبلي وهذا
أباضي، هذه كلها أحزاب سياسية لخدمة السياسة
ولخدمة الخليفة". ولا يكتفي القذافي بذلك وإنما يصف
اجتهادات الأئمة ومذاهبهم بأنها ترهات: "لا نعرف سنة ولا شيعة ولا
مالكي ولا أباضي ولا حنبلي، هذه كلها ترهات جاءت
بعد النبي وليس للنبي علاقة بها". ولا يخفى خبث
القذافي في تعمده الخلط بين السنة والشيعة، كما لا يخفى الهدف الذي يسعى
القذافي لتحقيقه من وراء الطعن في الأئمة والمذاهب المعروفة والمقرة لأهل
السنة. ولم يتوقف القذافي عند حد التعريض بعلماء
السلف من الصحابة والتابعين بل تعداهم إلى استهداف أصحاب العلم والمعرفة
والفكر في مختلف العصور حتى عصرنا الحاضر. فكان تطاوله
بالاستهزاء بشيخ الإسلام ابن تيمية، وكانت حملته على سيد قطب.
خاتمة
وبعد ... فهذه هي بعض مواقف القذافي من الإسلام،
وهي مواقف أعلن عنها صاحبها دون حياء أو خجل أو خوف من المولى جلت قدرته، كما
أنها موثقة كأوضح ما يكون التوثيق. وهي مواقف
تعكس ما يحمله صاحبها من عداء مستحكم لأسس وركائز الإسلام.
ورغم كل ذلك فما زالت دوائر كثيرة تصر على تصنيف
القذافي ضمن الإطار الإسلامي، وتحمل الإسلام بالتالي سوءات ما يقوم به
القذافي من ممارسات وسياسات شائنة مجرمة. وقد رأينا أيضا ما أثارته هذه
المواقف من مشاعر الغضب والاستنكار في أوساط العلماء والمؤسسات العلمية
الإسلامية، وما نتج عن ذلك من توضيحات وإدانات،
غير أن ذلك لم يكن كافيا لردع القذافي وكبحه. ورأينا انعكاسات هذه المواقف في
السياسات والممارسات التي نفذها القذافي على أرض ليبيا وضد شعبها المسلم،
والتي كان من نتائجها انتشار الفساد والإفساد، والاعتداء على
حرمات الدم والمال والعرض.
كما رأينا هذه المواقف فيما انتهجه القذافي من سياسات وعلاقات في مجال
العالم الإسلامي وقضاياه المصيرية.
وقد نعرض في المستقبل إن شاء الله تعالى إلى سياسات القذافي وممارساته
المنافية للإسلام والتي اكتوى بنارها الليبيون في داخل الوطن وخارجه، وقد
يسعفنا الوقت فنعرض أيضا إلى مواقفه المعلنة وسياساته تجاه القضايا الإسلامية
المصيرية.
(ملاحظة هامة): كل أقوال
القذافي مأخوذة من خطبه المنشورة فيما يسمى "السجل القومي"، وقد وضعتها بين
أقواس التنصيص، وكتبتها بالخط المائل، كالتالي: " أقوال القذافي"
[1] الإحكام في أصول الأحكام
[2] الدكتور جابر قميحة
[3] الزرقاني: مناهل العرفان في علوم القرآن
[4] د. عبد الغني عبد الخالق: حجية السنة
[5] د. الحسين شواط:
حجية السنة
[6] الإمام محمد بن على السنوسي: إيقاظ الوسنان
بالعمل بالسنة والقرآن