26/01/2007

      


 
عندما ينتصر النص التراثي على النص القرآني
تتغول ثقافة التكفير والإقتتال
 
بقلم: محمود محمد الناكوع

 
ان أخطر ثقافة تستبد بالإنسان هي ثقافة تبرير قتل الآخر بسبب خلاف عقدي او مذهبي او سياسي او قبلي. والأخطر على الإطلاق ان يبرر القاتل فعلته مستندا على دوافع وقناعات دينية. وتاريخ العالم تلونه صحف بل كتب سوداء عن جرائم القتل التى ترتكب بإسم الدين وبإسم الأمن وباسم العدل، وتاريخنا الإسلامى تكثر فيه احداث الاقتتال بدوافع وتفسيرات منها وأخطرها (التفسير والتبرير التراثى ومنها التراث الفقهي) والتراث عمل فكري من صنع البشر، فيه الكثير من المعلومات والأفكار الخاطئة، وفيه الكثير الذى فرض بفعل سطوة وشوكة السلاطين والأمراء واصبح مع مرور الزمن جزءا من عقائد الناس ينحازون له ويموتون دونه ويقاتلون من اجله اقرب الناس اليهم دما ونسبا ومكانا. وما نراه فى العراق عبر الفضائيات وما نسمعه من تصريحات ومن بيانات ومن تهم متبادله بين اطراف الصراع المحلى تحت مسميات طائفية هو اكبر وأوضح دليل على استبداد وسيطرة ثقافة التراث السلبى على عقول ونفسيات المتقاتلين فى العراق، فكل طرف يمارس ابشع صور القتل والتنكيل بابناء جلدته ولغته ودينه ووطنه، ويعتقد انه يحمل فتوى شرعية تبيح له ما يفعل، بل ويعتقد انه من الشهداء والأبرار، وانه فى طريقه الى زفة تنتظره الحور العين فى الجنة. وفى تراثنا هناك مادة يمكن ان تسوق وان تروج بين البسطاء والسذج، وهذه المادة نسمعها تتردد عبر الفضائيات وعلى مواقع الانترنت، وهي مادة تكفر الآخر وتبرر قتله لأسباب دينية والدين منهم ومن فتاواهم براء ،هي فتاوى يتناقلها الأفراد ويفتون فيها وفى اخطر القضايا دون اية مؤهلات شرعية. يقول الشيخ محمد الغزالى فى كتابه القيم كيف نتعامل مع القرآن (ان الحدود والقصاص وظيفة الدولة، ويستحيل ان يقوم انسان بانفاذ الحدود، وانفاذ القصاص، وهو من عامة الشعب، هذه وظيفة الدولة وليست وظيفة الأفراد، بل فى راي ان تغيير المنكر، وهو مطلوب من الأمة، لايعطى هذا الحق كل انسان، لأن تعريف المنكر نفسه يختلف فيه الغوغاء مع العلماء) ص 167.
 
وعندما نقرأ القرآن الكريم وهو النص المقدس عند المسلمين لانجد آية او جملة واحدة تبرر قتل اي انسان الا فى حالات محدودة جدا وبشروط قوية، ومنها حالات الدفاع عن النفس، وحالات الحروب التى تتم فى ظروف معينة والقتال فيها تضبطه قواعد واخلاقيات واجبة. والمسألة التى تهمنا الآن هو هذا الإقتتال الدائر فى العراق بين ابناء الدين الواحد، والوطن الواحد، واللغة الواحدة، فهم اغلبهم مسلمون وعرب وعراقيون يخربون بيوتهم بايديهم وبايدى الاميركان. قد يقول قائل ان الاحتلال هو المسئول عما يجرى، وقد يقول قائل آخر ان الشعب العراقى لم يعرف هذا الاقتتال وهذه الفتن قبل الاحتلال. ونقول ان الاحتلال فعلا يتحمل بعض المسئولية من حيث تهيئة الاجواء والظروف المساعدة، لكن الاحتلال لم يجبر العراقيين على تفجير المساجد الشيعية والسنية، ولم يجبر العراقيين على تفجير الاسواق والطرقات والمؤسسات، ولم يجبر الشرطة العراقية على ممارسة القتل والتنكيل داخل المؤسسات العراقية التى تديرها الحكومة العراقية المنتخبة !!! ان المسئول الأول عن مأساة الاقتتال هو ما تراكم من سلبيات التراث الذى نشأ وتكون عبر اكثر من اربعة عشر قرنا من الزمان، وهو تراث شارك فى وضعه وتاسيسه وتقعيدة علماء وفقهاء وسياسيون وأدباء ومؤرخون، واستمر هذا التراث يغذى نقاط الخلاف والتنافر والتباعد ، حتى كادت ان تفشل كل محاولات التقريب المعاصرة بين المذاهب الفقهية الاسلامية، وضاعت نتائج كل المؤتمرات والبيانات والنداءات الاسلامية الداعية الى تحريم الاقتتال، وذهب السياسيون وبعضهم يلبسون العمائم فى تسميم الاجواء بخطاب طائفي متطرف، وبشعارات تستدعى التاريخ بكل ما فيه من مآسى ودماء مضى عليها قرون عدة، وكان على الجميع طي صفحات ذلك الماضى البغيض وتجاوزه بعقل نقدى ايجابي. ان استبداد ثقافة وفقه التراث هو الذى حال ومازال يحول دون انتصار النص القرآنى الذى يقول (لا اكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي) البقرة الآية 256. واذا كان هذا النص يرفض وينفى الإكراه فى عملية الاعتقاد الدينى اصلا ، فكيف للتراث الفقهى ان يكره المسلمين على اتباع مذهب فقهي معين، او مدرسة تفسيرية معينة سنية كانت او شيعية، او يقع التكفير من طرف ضد آخر، وكيف يجوز هذا التراث الفقهي تكفير من يخالفه فى انتمائه المذهبى الفقهى، وهو ما نشاهده الآن من تبادل فى اطلاق فتاوى التكفير التى تستند الى نصوص تراثية بشرية مناقضة للنص القرآني. النص القرآنى يقول ايضا (ولو شاء ربك لأمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) يونس الآية 99 .فالله يقول لرسوله: ليس عليك الزامهم بالإيمان . وفى تحريم القتل يقول النص القرآني: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) النساء الآية 93. ويقول (من قتل نفسا بغير نفس او فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا) المائدة الآية 32 .هناك حشد من الآيات والأحاديث النبوية التى تنهى عن ارتكاب جريمة القتل لأسباب عقدية او اقتصادية او فكرية او سياسية. ان النص القرآني يجعل السلام والأمن الاجتماعى والأخوة والمودة والتعاون بين الناس بصورة عامة وبين اعضاء المجتمع الاسلامى بصورة خاصة من قواعدة الأساسية فى جميع انواع التعامل، اما الحروب والقتل فهي حالة استثنائية يأتيها المسلم وهو مكره (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) البقرة الآية 216. اذن لابد من الإعتراف بوجود ازمة مزمنة فى تراثنا الاسلامى، فقها وتاريخا وسياسة، وهي ازمة تتجسد فى غلبة هذا التراث وانتشاره بين عامة الناس، بينما النص القرآنى الواضح لم يجد طريقه بعد الى عقول ونفوس المسلمين الا فى مجموعات نخبوية . ان الاقتتال فى باكستان او فى العراق تحت شعارات طائفية يعتبر من الأمورالكريهة المشينة والمحرمة، ويدل على ان الجهل بحقائق الإسلام ومقاصده ظاهرة معيبة فى حياتنا الاجتماعية والثقافية ، بل هي ظاهرة معيقة لأي نهوض اسلامي، وتفتح ابوابا للإعلام الأسود للطعن فى صلاحية الإسلام، كما انها تزيد من شراسة الهجوم عليه وعلى اتباعه باعتباره مصدر خطر على البشرية. ما يجرى فى العراق الآن من اقتتال تحت مسميات دينية طائفية، وهو اقتتال يختلط فيه الدينى بما هو سياسى ، يضع مسئوليات مضاعفة على كل القوى الفكرية والسياسية فى الوطن العربى وفى العالم الاسلامى وحيثما ما وجدت تلك القوى، الى العمل على تفكيك هذا التراث وغربلته وتنقيته حتى يصبح الدين الاسلامى كما اراده الله (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) النحل الآية 89. (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين) الأنبياء الآية 107 . لاشك ان ما يطفو الآن من خلاف ومن فتن هي من صنع التراث فى بعض اسبابها، ومن صنع السياسة وقوى التأثير الأجنبي كذلك، وهو تراث لا ينطلق من روح ومقاصد النص القرآني ولا من السيرة النبوية وما تزخر به من قيم اخلاقية وانسانية على صاحبها افضل الصلاة والتسليم. انه تراث بشري غرق فى اوحال الصراعات السياسية والقبلية منذ افول الدولة الاسلامية الراشدة، ثم غرق فى مصنفات الكتب الفقهية التى غلب فيها البشرى على ما هو قرآنى وما هو نبوى، فهل من ثورة فكرية تجديدية للإطاحة بثقافة الاستبداد التراثي البشري ؟: كان الشيخ محمد عبدة يقول:
 
ولكن دينا ارتضيت صلاحه أحاذر ان تقضى عليه العمائم
 
والعمائم ليست كلها على رؤوس من نمط واحد، فالشيخ محمد عبده نفسه من اهل العمائم ولكنه تميز بقدرات ونظرات وتفسيرات اصلاحية تجديدية مازالت تضعه على رأس المجددين فى الفكر الاسلامى الحديث، والشيخ يوسف القرضاوى كذلك من اصحاب العمائم ولكنه يتميز بخطاب اصلاحي تجديدي مقاصدي، كما هناك من علماء الشيعة ومفكريهم من يتميز بخطاب اصلاحي تجديدي من امثال التسخيرى ومحمد فضل الله، وأحمد الكاتب. ان الخطاب الاصلاحى التجديدى لم يدخل بعد الى مناهج التعليم فى كل مراحلها والى منابر المساجد والى وسائل الاعلام بالحجم المؤثر ... مرة اخرى لابد من نقد التراث نقدا جريئا وموضوعيا لأحداث هزة تطيح بالفقه السقيم الذى يحول المسلم الى اداة صماء تقتل الأبرياء وتعتقد انها تحسن صنعا: (قل هل ننبئكم بالأخسرين اعمالا، الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا) الكهف الآيات 103 و104. ان العقل الاسلامي قد ابتعد ـــ بفعل غلبة التراث ـــ عن روح ومقاصد الوحي القرآني، وأنشغل ذلك العقل ماضيا ولا يزال بالتعامل مع مجلدات من الأعمال الفكرية النقلية المتكررة دون نظر نقدي، ودون مراجعة لزمان ومكان تلك المجلدات، وبذلك اصبح هذا العقل كما يقول المرحوم الشيخ محمد الغزالى (عقل نقول ومرويات اكثر من عقل بحث فى الكون ... ان هناك مرويات واهيات تصطدم بالعقل العلمى والعقل العملى، والناس يتهيبون من الإقدام على فحصها واختبارها. وكان من نتيجة ذلك ان العقل المسلم أصبح متخلفا ) كيف نتعامل مع القرآن ص 179. وفى مقدمة للكتاب ذاته يقول عمر عبيد حسنة: (ان مناخ التقليد الجماعى جعلنا عاجزين عن الامتداد، ودون سوية التعامل مع القرآن، فكذلك اصبحنا ــ بذلك ــ دون سوية التعامل مع الواقع المعاصر، لأننا اوقفنا عطاء القرآن للزمن، وهو المتغير السريع، وحاولنا التفاهم معه بمفهوم عصر آخر يختلف فى طبيعته ومشكلاته وعلاقاته ومعارفه عن عصرنا، وأعطينا صفة القدسية والقدرة على الامتداد والخلود لإجتهاد البشر ، ونزعنا صفة الخلود والامتداد عن القرآن عمليا ، وان كنا نرفضها نظريا) ص 18 . هذه القطيعة فى التعامل مع النص القرآنى بصورة مباشرة، هي التى جعلت التراث هو القوة المهيمنة. والعقل التراثى البشرى المحدود هو الذى حول مدينة بغداد من حاضرة اسلامية، يفاخر المسلمون بدورها المعرفي والحضاري الى ساحة لإقتتال تقوده وتمارسه الغوغاء.

أرشيف الكاتب


جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com