23/01/2007


      


 
 
سبق وأن أدنت في بيان سابق بصفتي مسؤولا مباشرا عن منبر اعلامي تونسي يحظى بمتابعة الالاف من المثقفين التونسيين والعرب جملة الأحداث الأليمة التي شهدتها تونس مابين أيام 23 ديسمبر 2006 و3 جانفي 2007 ,ولعل الفرصة تتيح لنا من جديد بعد أن هدأت الخواطر بعض الشيء مع عودة الهدوء في تدرج الى ساحات تونس ومدنها وقراها ,تتيح لنا مجددا التعليق على الحدث من زوايا أكثر تجردا وموضوعية .
 
أذكر بداية فيما يشكل تناسقا فكريا ومبدئيا مع مواقفنا السابقة بأننا نرفض مطلقا وبشكل جذري اعتماد أسلوب العمل المسلح في مناوءة مصالح الدولة وهياكلها القائمة سواء تعلق ذلك بالقطر التونسي أو غيره من الأقطار العربية أو الاسلامية أو غيرها من الأقطار,حيث أن استعمال هذا الأسلوب تترتب عنه مفاسد لاتقدر بقدر وهو مايمكن تلخيصه بالنظر الى ماصارت اليه الأمور في القطر الجزائري من ضياع للأرواح والأنفس والثمرات والجهود والأوقات والممتلكات التي لايمكن تعويضها مهما ترسخ مسار السلم والمصالحة والوئام والعفو في بلد قدم من أجل استقلاله وعزة شعبه مايربو عن المليون ونصف شهيد.
 
وليس بعيدا عن كل مسلم ناصح لله ولرسوله وللمؤمنين أن قتل النفس بغير حق أو فسادا في الأرض تترتب عنه في الاسلام عقوبات جزرية صارمة تصل الى حد تطبيق تشريعات على غاية من الحزم والصرامة قصد ردع من تخول له نفسه ازهاق أرواح الناس أو اتلاف ممتلكاتهم.
 
اننا نعتبر ماوقع ناقوس خطر وقع دقه بجلجلة في ربوع مجتمع امن ,وهو مايدعو في الحاح الجميع سلطة ومعارضة الى التداعي من أجل معرفة الأسباب الحقيقية التي دفعت بشرائح شبابية لم تتجاوز منتصف العقد الثالث الى رفع السلاح ضد من يفترض فيه حماية أمن الوطن والمواطن.
 
بلا شك أن طرحنا للموضوع لن يكون من باب الشماتة أو الاستعراض الذي يعتمده البعض عند تطرقه لما حدث بناء على استرجاع الذاكرة السياسية الى مراحل مر عليها تونسيا مايناهز العقد ونصف,حيث أن الكل يدرك فيما عدى الجاهل بأن أغلب الجماعات السلفية التي تعتمد النهج المسلح جماعات خطيرة لاتتوانى في تكفير السلط الحاكمة أو وصفها بالطاغوت الذي يجب الخروج عنه لمجرد أحلام تراودها باقامة حكم "فاضل" رأينا تحقيقاته العملية المتخلفة في الواقع الأفغاني والصومالي والجزائري وهي تمعن في عسكرة الجماعات والمجتمعات وتحويلها الى ميليشيات مسلحة تنقلب شيئا فشيئا وبشكل دموي على مكاسب المدنية الحديثة حرقا وتدميرا وتخريبا بدعوة منافاتها لشرائع وأحكام الاسلام ,حيث يتحول الفن والعمران البشري والعلم والمكتسبات المدنية وأحيانا العلمية والتقنية الى أهداف سهلة يتفنن شباب حرم من استعمال الة العقل الاسلامية في تخريبها واتلافها والتلذذ بحرقها وتدميرها-فلنتأمل في مصائر الفنون والاثار وقاعات السينما ودور التعليم النسائي والثروات المكتبية والمعرفية في ظل النموذج الطالباني=حرق واتلاف وحظر ونظام عقوبات صارم ضد رواد هذا المؤسسات ومتعاطي هذه الفنون ورواد هذه المعارف أو العلوم...!!!
 
يتوجب على كل صادق مع نفسه وغيور على اسلامه ووطنه أن يدرك أن هذا النموذج الذي يبدأ برفع السلاح ضد سلطات بلده ينتقل في مرحلة الفشل أو النجاح الى استعمال نفس هذا السلاح ضد المجتمع وقواه الحية من أجل تركيع المخالفين في الرأي والتنكيل بهم بدعوى القضاء على الفاسقين والفجار والمشركين والمرتدين وماالى ذلك من ألفاظ تستعمل في سياق غير سليم جاء في ظرف تاريخي وديني معين.

غير أننا وبالقدر الذي نحذر فيه الجميع في منطقتنا العربية والاسلامية من سواد هذا النموذج الارتدادي الذي يركب موجة الصحوة الاسلامية المعاصرة من أجل اختطافها وتحويل وجهتها باستعمال السلاح في غير مواطنه التي أجمع عليها علماء الاسلام ونقصد بذلك الاحتلال المباشر ورد عدوان الدول الأخرى وسد الثغور وحماية حدود الأوطان ,فاننا لابد أن نوجه رسائل صادقة الى أنظمتنا العربية من أجل مراجعة جملة من السياسات التي ساهمت في تعميق وتغذية التطرف الديني ,وهو ماسنجمله في جملة من النقاط الهامة :
 
1- ان الرصيد الحقوقي والسياسي لمعظم الأنظمة العربية رصيد لايخلو من كبير الاخلالات والثغرات,حيث أن ملف التعذيب والاعتقال السياسي وسياسات الاستئصال الجماعي عبر مصادرة مطلقة للحريات ,كل ذلك من شأنه أن يشكل صناعة متقدمة لليأس والاحباط والاكتئاب ومن ثمة أرضية مناسبة لجماعات صناعة الموت بدل الحياة .
 
2- ان المبالغة في التحوط من كل ماهو ديني والخلط بين الاعتدال وقوى التطرف عبر ممارسة سياسة الاستئصال الجماعي من شأنه أن يعزز من حجج الراديكاليين ويضعف عناصر التوسط والاعتدال في المنطقة العربية والاسلامية ,اذ أن انفتاح الدولة وهياكلها على العناصر اللادينية المتطرفة في مقابل ايصاد ابوابها أمام دعاة الكلمة الطيبة والدفع بالتي هي أحسن سوف لن يعزز في نهاية المطاف الا من مواقع اليائسين والمحبطين وقوى الموت في مواجهة التيارات الاسلامية الحداثية التي تؤمن بالمشاركة السياسية والتداول السلمي على السلطة.
 
3- ان سياسة الهروب الى الأمام التي تعتمد لدى بعض البلاد العربية والاسلامية عبر انكارها لوجود مأزق سياسي تمر به الدولة نتيجة غياب التعددية الحقيقية ومناخات التعبير الحر والاعلام الشفاف والنزيه , لن يساهم اطلاقا في معالجة جذور الأزمة السياسية التي تمر بها هذه البلاد , بل من شأنه أن يعرض أمن مجتمعاتنا الى التعفن والاهتزاز في ظل غياب مسارب التفريج عن الطموح الفكري والسياسي الطبيعي لدى الشرائح الشبابية.
 
4-ان مناهج التطرف الثقافي والاعلامي المعتمدة لدى معظم البلاد العربية عبر الاتجار الرخيص بجسد المرأة والهاب غرائز الشباب عبر تعريض كيانها البشري المقدس الى البيع في عمليات اشهارية تافهة وساقطة وأفلام استعراضية رخيصة وماجنة وأغاني فيديو كليب تصل الى حد الدعوة المباشرة الى ممارسة الفاحشة ...الى غير ذلك من مظاهر فرض للمجون تحت غطاء الحداثة ودون مراعاة خصوصية مجتمعاتنا العربية والاسلامية ,ان هذه المناهج من شأنها أن تدعم حجج التكفيريين وخوارج العصر من حملة السلاح من أجل ضرب عرى الأمن والطمأنينة في مجتمعات تعتبر نفسها مستأمنة حضاريا وتاريخيا على رسالة سماوية جعلها الله رقيا في الأخلاق والصفات ومحضنا للطهارة والعفة وليس سوقا لكل ماجن وعاهر لايرقب في ثوابتنا الا ولاذمة.
 
5- اذا كان البعض يرى في الليبرالية الغربية جسرا يركبه من أجل تمرير هذه الانحرافات الأخلاقية على مجتمعاتنا العربية المسلمة ,فانه أحرى بالليبراليين العرب والمسلمين ممارسة معايير أخلاقية في استيراد البضائع الفلسفية والفكرية والسياسية التي ليس لدينا عقدة في استيرادها مااحترمت ثوابت الأمة وخصوصياتها العقدية والدينية ,ولعله من الأحرى بالقوى الليبرالية التي لم تأخذ من الليبرالية الا قشورها استيراد نماذج التحديث السياسي والاداري والاعلامي والحقوقي وتوطينها في مجتمعاتنا من أجل تخليصها من قيود التسلط والاستبداد والقهر الاجتماعي والجماعاتي الذي طالما عانت مجتمعاتنا منه دون أن تعرف طريقها الى الخلاص من واقعه المفروض علينا منذ عدة قرون.
 
6- أخيرا لابد من الاعتقاد الجازم في قيم الحرية والتحرر والتنظم والمأسسة وبسط الحريات واعادة الحقوق الى أصحابها واحترام القانون من قبل الجميع والتوزيع العادل للثروات واشاعة التعليم والتمدرس والرقي بمستوى معاهدنا وجامعاتنا ووسائل اعلامنا كسبيل وحيد من أجل تأمين مصير أفضل لمجتمعاتنا بعيدا عن تجارب الغلو العلماني أو التطرف الديني التي لم تورث بلادنا الا مزيدا من القهر والضياع والتخلف.
 

*رئيس تحرير الوسط التونسية+ كاتب بالحقائق الدولية + العصر المغربية reporteur2005@yahoo.de

 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com